الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والعمل المؤسسي
بقلم: إسماعيل صديق عثمان
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
الحمد لله، وكفى والصلاة والسلام على المصطفى، وعلى عباده الذين
اصطفى، العمل المؤسسي يمتاز بمزايا عديدة -كما هو معروف – عن العمل الفردي، ومن
أهم مزاياه أنه يستجيب لقول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا
عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
الْعِقَاب} ِ (المائدة:2).
والبر هو كل أمر يحبه الله، فيكون التعاون على فعله وإيجاده
والمحافظة عليه من هذا التعاون، والتقوى ترك كل شيء يبغضه الله تعالى، فيكون
التعاون على هذا الترك أيضا من التعاون على البر والتقوى، كما يحقق العمل المؤسسي
صفة التعاون والجماعية التي حثت عليها السنة النبوية المطهرة: (المُؤْمِنَ للمؤمنِ
كالبُنْيانِ يشدُّ بَعضُهُ بعضًا)،
والجماعة هي الأصل في الإسلام، فالقصور في العمل الجماعي المؤسسي يقل عنه في العمل الفردي، كما أن
العمل المؤسسي أكثر وسطية من العمل الفردي؛ لأنه لا يقوم على نتاج رأي وفكر فردي،
مستفيداً من طاقات المجموعة التي تتكاتف وتُسهم في صنع القرار؛ مما يجعل النجاح
مضموناً دون تبني العصمة من الخطأ بالطبع،
ولعل من إيجابيات العمل المؤسسي الجماعي أنه علاج لغياب الروح الجماعية، والذي تعانيه الأمة الإسلامية
اليوم، بتفصيل الفروض العينية والفروض الكفائية - التي تصير عينية بالتقصير فيها -
واختلطت الأمور وتماهت وبقيت عند البعض متداخلة، ورأينا كيف أن العديد من
المجتمعات الإسلامية محكومة بعقلية الفرد، رغم الحاجة إلى يد الجماعة في ظل
التحديات الماثلة الآن، والمحن والأزمات التي تعيشها الأمة، مما يستدعي مراجعة
أساليب العمل الدعوي بتنمية الفكر الجماعي فهو منبع القوة والحاجة إليه مُلحة في
هذا الزمان،
ولعل قراءة الواقع تنبئ بأن الدول الكبرى في عصرنا هذا هي دول مؤسسية
ليست مرتبطة ارتباطاً كلياً بالأفراد؛ فأمريكا مثلاً هي مؤسسة ضخمة تضم في ثناياها
عدداً من المؤسسات مختلفة التخصصات، ولا تتغير استراتيجياتها الرئيسة بتغير أفراد
حكوماتها إلا من خلال الفكر والعمل الجماعي والتعاون، ونحن الأولى بذلك لأن ديننا
يقوم على الجماعة، فالنبي (صلى الله عليه، وسلم) ربى أصحابه على الروح الجماعية،
وجعلها روح الأمة، وضرب مثلاً - للمجتمع - بالقوم الذين أقلَّتهم سفينة، إن أراد
أحدهم خرقها وجب على الجميع الأخذ على يده، وإلا غرقوا جميعاً، فالمسؤولية
المجتمعية تقع على الأمة جميعاً، وليس على الأفراد الذين يناط بهم أن يقوموا
بدورهم في الشورى، والتواصي بالحق وبالصبر، والعطاء المتبادل، وموالاة الجماعة،
فالفروض العينية: يقوم بها كل مكلف، لا يسع مكلفاً قادراً تركها أو الإخلال بها.
وفروض الكفايات: يجعل في كل فرض منها من يقوم به من المسلمين، بحيث تحصل بهم
الكفاية، ويتم بهم المقصود المطلوب.
ماهية العمل المؤسسي وأهميته:
العمل المؤسسي هو كل تجمع منظم يهدف إلى تحسين الأداء وفعالية العمل،
لبلوغ أهداف محددة ومعينة، ويقوم توزيع العمل فيه على لجان كبرى، وفرق عمل وإدارات
متخصصة: دعوية، أو علمية، أو اجتماعية، أو اقتصادية، وغيرها من المجالات... بحيث
تكون لها المرجعية والحرية في اتخاذ القرار في مجال اختصاصها، وذلك في تعاون
وتكامل وترتيب وتنظيم، دون أن ينفرد شخص واحد بالقرار الذي يبنى على القناعة
الفردية؛ مما ينقض مبدأ الشورى الذي هو أهم مبدأ في العمل المؤسسي، حيث يسود
الحوار الذي يَفْرض قيامُه وضعَ معايير محددة وموضوعية للقرارات، مما يحقق مبدأ
التعاون والجماعية الذي نقصده هنا، ويحدث التكامل باجتماع الجهود، والخبرات
والتجارب، مع التزام الشورى، والتجرد للحق، بعيداً عن صبغة الفرد، فاجتماع الأفراد
المختلفين في الأفكار والرؤى والاتجاهات والقدرات يدفع عجلة العمل نحو الوسطية لا
التطرف. عندها سنجني فائدة توظيف كافة الجهود، ونستفيد من شتى القدرات؛ بل ونضمن
استمرارية العمل، فربما أصاب الفرد الفتور والضعف واعتراه التعب.
عوامل نجاح الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في العمل المؤسسي:
من خلال متابعتي وحضوري لاجتماع الجمعية العمومية للاتحاد يمكن القول
بأن الاتحاد -(مؤسسة إسلامية تجمع علماء المسلمين من مختلف دول العالم)-
يملك معظم مُقومات النجاح في العمل المؤسسي من خلال توفر قناعة أعضائه بهذا
الأسلوب من العمل؛ وإدراك ضرورته، وخاصة في هذا العصر، وبمعرفة مزاياه وثمراته،
وفهم مقومات نجاحه للوصول به إلى المستوى المطلوب، منذ تأسيسه على يد فضيلة
الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي (رحمه الله)،
ومن أهم هذه العوامل صدور
القرارات عن مجالس الاتحاد واللجان -المتعددة- ذات الصلاحية والتخصصات المتنوعة،
وسيادة لغة الحوار، حتى تتلاقح الآراء للخروج بأفضل قرار، ولعل مما يذكر هنا هو
نزول النبي (صلى الله عليه، وسلم) على رأي أصحابه في أكثر من موقف.
والملاحظ في أعضاء الاتحاد التسامي عن الخلافات الشخصية، وتقديم
المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، والتواصل الجيد بين أفراده وبينهم وبين
سائر العاملين في الاتحادات والروابط النظيرة، ولعل هذا من الأسس القوية للنجاح؛
وكذلك إتقان التخطيط، وتحديد الأهداف لتنفيذها، وتوزيع الأدوار،
فالهدف الأساس لتكوين الاتحاد هو أن يكون مظلة علمائية مرجعية
جامعة للأمة دون إقصاء أو تمييز، متوازناً في علاقاته معها، داعياً إلى السّلم
والوفاق، وبناء على ذلك فقد احتضن مدارس متنوعة في تشكيله، وذلك لأهمية قيام
المؤسسات بأداء أعمالها بأساليب علمية حكيمة تكفل استمرارها وأداءها لعملها على
الوجه المطلوب،
ومما يوليه الاتحاد أهمية خاصة نبذ التعصب لاعتبارات عرقية، أو
إقليمية، أو مذهبية، وبيان الحق وفق القيم التي أكدتها الشريعة الإسلامية من
العدل، والإنصاف، والتجرد للحق، التي هي قيم مشتركة بين الأمم والحضارات، والدعوة
إلى إصلاح ذات البين، وحل النزاعات بالحسنى والاجتماع على كلمة سواء، وله في ذلك
جهود مقدرة يشهد بها الواقع،
ومما يؤكده الاتحاد أنه جهة علمية شرعية مستقلة لا يمكن
اختزالها في حزب، أو جماعة، أو مذهب، أو دولة من الدول، وقد بيّن ذلك في ميثاقه
العام، وجسده في سياساته المنهجية، وبياناته الصادرة عنه، ومواقفه التي اتخذها
عَبْر مسيرته منذ تأسيسه حتى الآن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر
بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
* د. إسماعيل صديق عثمان إسماعيل؛ عضو الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين، أستاذ العقيدة والأديان المشارك، بكلية العلوم الإنسانية. جامعة بحري،
السودان.