البحث

التفاصيل

واقع الأمة.. بين الانتظار القدري واليأس والركون للاستسلام

الرابط المختصر :

واقع الأمة… بين الانتظار القدري واليأس والركون للاستسلام

بقلم: د. إسماعيل صديق عثمان

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

الحمد لله، وكفى والصلاة والسلام على المصطفى، وعلى عباده الذين اصطفى،

ما نشاهده يومياً على الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي من مشاهد القتل بالجوع والقصف والحصار على أهل غزة المسلمين يبين لنا حالة الضعف غير المسبوق للأمة الإسلامية، بالرغم من الإمكانات المادية والبشرية لها - فهي قوة لا يستهان بها عالمياً - فجيوشها تضم ملايين الجنود، إلى جانب أنها أمة غنية بالموارد الطبيعية، وعلى رأسها النفط الذي يمكن أن يشل الاقتصاد العالمي إذا ما استُخدم بفاعلية كورقة ضغط،

فهذه الحالة إذن تحتاج إلى تفكير، وإلى مفكرين لمعرفة الأسباب ووضع الحلول، خصوصاً في ظل حالة التواطؤ الغربي مع الكيان الصهيوني، والتي شجعها الضعف والتخاذل الإسلامي على المستوى الرسمي والشعبي، فكان لا بد من وقفة لمعرفة الأسباب التي أدت إلى ما نحن فيه من عجز حتى عن إيصال المساعدات الإنسانية للمحاصرين في غزة.

ولوضع المعالجات إن لم يكن للحاضر فللمستقبل وللأجيال القادمة، على الأقل أسوة بالأعداء،

ففي المؤتمر الذي عقد عام 1897م وضع اليهود مخططات لقيام دولة (إسرائيل) بعد 50 سنة، وفعلاً تحققت لهم، فرغم الجبن والخور المتأصل فيهم، إلا أنهم يفكرون، فما بالنا نحن، وقد استولت علينا حالة مزرية من الإحباط وهو داء من الأدواء المهلكة التي قد تعرض للأمم، فتمحوها وتمسحها من التاريخ، ونحن نرى ونشاهد انتفاش الباطل بتصريحات نتنياهو، وعلوَّ سلطانه في حديث ترامب، وامتداد تأثيره في قتل عشرات الآلاف من الأطفال والنساء،

ونشاهد على مدار اليوم أعداء الله تعالى يمكرون بالليل والنهار بإمكانات مادية وتقنية بشرية هائلة، ثم يزداد تمكن الإحباط منا، وكأننا دمى يعبث بها اليهود ومن شايعهم من أهل الباطل، أو مجرد أحجار على رقعة شطرنج تُحَرَّك بلا حول ولا قوة لها!

نتفرج على ذلك كله، ثم نرى في الجهة الأخرى أنَّ الحق مهيض الجناح منهك القوى ضعيف السلطان، لا شوكة له ولا ظهور، وتتوالى علينا الفتن، وتضيق الدائرة، وتضعف الهمة والعزيمة...! ونغرق في بحور اليأس والاستسلام، وننكفئ على ذواتنا ونعتزل، محبذين القعود والركون إلى الانتظار القدري الذي يأتي لينقذنا مما نحن فيه دون العمل بالأسباب، أليست هذه علامات السقوط والنهاية وآيات ضعف الإيمان، وضعف الثقة بالله تعالى وبكتابه العزيز.

فالقضية هنا ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، وإنما هي قضية المسلمين، قضية العقيدة الإسلامية بالنسبة لكل مسلم، قضية الذين تربطهم الأخوة الإيمانية بنا، يقول الله عز وجل: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ، وتَراحُمِهِمْ، وتَعاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى..)،

والمسلم الحق من أهـل الإيمان الراسخ ثقته بالله تعالى عظيمة، وتوكله عليه كبير، يعمل بالأسباب ويعتصم بحبل الله المتين، لا يضره من خذله ولا من خالفه حتى يأذن الله في أمره، مع يقينه بأن الله معه، فمعية الله تعالى من أعظم عناصر القوة، وبالتالي يفترض فيه عدم معرفة اليأس، ولا الاستلام لقوة الباطل، بل الاندفاع إلى مواجهة الباطل والصبر في مدافعته، قال الله تعالى: [الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ]،،

ولنا في مواقف الصحابة (رضوان الله عنهم) في غزوة أُحُد قدوة ومثل، فلما انكسر المسلمون، وقُتِلَ من أفاضل الصحابة من قُتل تنزَّل القرآن الكريم ليؤكد حقيقة في غاية الأهمية وهي أن الإنسان المؤمن يشعر بالعزة والرفعة والعلو دائماً، ولا يتطرق الوهن أو اليأس إلى قلبه، حتى في حال الانكسار، قال عز وجل: [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ].

فالإحباط لم يعرف طريقه إلى قلوبهم المطمئنة بذكر الله تعالى الشامخة بإيمانها، المعتزة بدينها، القادرة على مواجهة الأمم كلها مهما بلغ سلطانها وبلغت قوتها...

وينبغي علينا تأسياً بمن سبق أن ننهض لوقف المشروع الأميركي الصهيوني في الهيمنة على المنطقة لسحق وتذويب هُويتها وتراثها ومشروعها الحضاري؛ ولترويض الأمة واقتلاع روح الجهاد من نفوسها،

فما تمر به الأمة اليوم من فتنة اليأس والإحباط وترك نصرة إخوانهم بالأفعال لا بالأقوال قد يؤدي بها -عياذاً بالله - إلى الضعف والنقص في الدين، ومصادقة اليأس، والسلبية وضعف الشعور بالانتماء إلى الإسلام -دين العزة- فلا بد إذن من إحياء جذوة العقيدة لتحيا في النفوس التي علاها الركون والاستسلام، وانصرفت عن الإعداد للقوة التي أُمرت بها خاصة في ظل المهددات التي تواجه الإسلام، وأن كل فرد منهم عليه أن يساهم في رد هذا الخطر؛ الذي يهدد باضطراب المفاهيم الإسلامية، والمعاني المرتبطة بهُوية الأمة، وفقه الأولويات، وفقه المصلحة، وفقه النوازل؛ فجوهر الإسلام باق ما يزال في نفوس المسلمين، وفي أنماط حياتهم...

هذا ولا ننكر وجود بعض الجوانب المشرقة في المجتمع الإسلامي، والتي تظهر التفاعل كما يتفاعل المجتمع الإنساني عموماً فيما يظهر من وقفات واحتجاجات في عواصم العالم رفضاً لما يحدث في غزة، ولعل هذه الثورات الخجولة اليوم تتحول إلى براكين تشتعل غداً، أو في أي لحظة، وتغير ما تستطيع تغييره، ولو في الحد الأدنى بكسر الحصار وإدخال الغذاء والدواء والحليب لأطفال غزة، وهو مؤشر أمل على أن المجتمعات الإسلامية لا يغلب عليها الاستسلام والركون، وأن روح الجهاد فيها لن تلبث أن تربو وتنمو، فتثمر خيراً كثيراُ للأمة جمعاء، وأنها ستنفض ما علق ببعض النفوس من اليأس والانهزامية، وهي فقط في حاجة لمن يدلها ويرشدها إلى البرامج العملية التي تصحح الواقع في النفوس والمجتمع للتقويم والتصحيح، وتحديد نقاط الضعف لمعالجتها وإعادة زرع الثقة، والتصدي لواجبنا في أن نحس بإخواننا الفلسطينيين وبشهدائهم وبدمائهم، ونتألم بجروحهم وآلامهم وجوعهم، وبذلك نندفع نحو الجهاد معهم بكل ما نستطيع ونملك من المال والأنفس، فهذا هو واجبنا الديني قبل الإنساني... واجبنا أن ننفر للجهاد كل حسب طاقته وقدرته، كما قال الله تعالى: [انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم]،،

فإذا لم تتحرك الأمة الإسلامية اليوم قبل الغد، وفي هذا الظرف الدقيق الفاصل، وفي ظل هذه الأحداث غير المسبوقة والمآسي والجرائم الممنهجة فمتى تتحرك؟ ولأي سبب تتحرك؟ وكيف تتحرك؟

ومتى سيتوقف هذا الخذلان الإسلامي – ولا يجوز أن يكون الخذلان إسلامياً - غير المسبوق، والذي لا يبرره العجز عسكرياً أو سياسياً أو اقتصادياً، فكل هذه الجوانب متوفرة لأمة المليار التي يريد لها الأعداء أن تصبح مسوخًا بشرية لا تعرف سوى الصمت، ولا تمارس غير الاستسلام والخنوع والدعة، فأمتنا الإسلامية اليوم تقف على ظرف دقيق يحتم عليها الرجوع إلى المنهج القرآني الصحيح في التفسير والعمل، والله غالب على أمره.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.


: الأوسمة


المرفقات

التالي
وزارة الأوقاف القطرية تطلق مبادرة "يوم متابعة ولي الأمر" في مراكز تعليم القرآن
السابق
حدث وأبعاد.. (تأملات في سورة البروج)

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع