البحث

التفاصيل

في ذكر ربيع الدنيا.. ماذا علَّمنا رسول الله ﷺ؟

الرابط المختصر :

في ذكر ربيع الدنيا.. ماذا علَّمنا رسول الله ﷺ؟

بقلم: طه سليمان عامر

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

نعيش شهر النور والسعادة والسرور شهر ربيع الدنيا، ميلاد رسول الله ﷺ، وما أجملها من ذكرى نتوقف فيها حول القيم والمعاني والشمائل ومعالم الهداية التي تعلَّمناها من رسول الله ﷺ وهو خير معلم ومربي بأبي وأمي ﷺ.

لقد علَّمنا وعلم العالم والإنسانية قواعد السلوك الرشيد، وأصول الأخلاق النبيلة، ومبادئ الحياة الطيبة، وخصال الخير وآداب النفس.

علَّمنا كيف نرى الحياة ونتعامل معها؟

يسعد المرء حين يفهم حقيقة الحياة وطبيعتها، وأنها مطية ووسيلة لمطلوبٍ ومقصودٍ أجل وأكرم وهي دار القرار، ويشقى حين يظن أنها المبتدأ والمنتهى، والغاية والسعادة.

علَّمنا أن ننظر إلى الدنيا من نافذة القرآن العظيم حيث يقول ربنا -تبارك وتعالى- مبينا طبيعة الحياة: [تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ] (الملك: 2).

إذاً هي الاختبار الكبير من فاز فيه فهو السعيد، ومن خسر فلات حين مندم.

قال تعالى: [اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ] (الحديد: 20).

وقال مؤمن آل فرعون لقومه محذراً إياهم من الاغترار بالدنيا.

قال تعالى: [إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ] (غافر: 39).

فلا تصح أن تكون مستقراً ومستودعاً لذلك كانت دار ابتلاء وهموم وأوجاع فلا تبك على ما فاتك منها ولا ما أصابك من ضر.

قال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله: "لا تستغرب وقوع الأكدار ما دمت في هذه الدّار، فإنها ما أبرزت إلا ما هو مستحقّ وصفها، وواجب نعتها".

وقال الشاعر أبو الحسن التهامي في قصيدته "حكم المنية".

طُبعتْ على كدر وأنت تريدها

صفواً من الأفذاء والأكدار

ومُكلّفُ الأيام ضد طباعها

مُتطلبٌ في الماء جذوة نار

تهون الدنيا في ناظرينا، حين نرى الطغاة والجبابرة يتقلبون في النعيم، ويرفلون في ثوب الصحة الظاهرة. يجب أن نوقن أنها حقيرة حقاُ.

بالله عليك تدبر كلام الملك الجليل: [لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ] (سورة آل عمران: 196 - 197).

هل تحزن أو تشك في مقامك ومكانك عند الله تعالى، وفي أي جانب أنت؟.. أنت تأوي إلى ركن شديد، عزيز، قوي، غالب.

فاصبر على ما أصابك، واثبت قليلا فالعاقبة للتقوى.

(سُئِلَ رسولُ اللهِ أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً قال الأنبياءُ ثم الأمثلُ فالأمثلُ يُبتَلى الناسُ على قدرِ دِينِهم فمن ثَخنَ دِينُه اشتدَّ بلاؤه، ومن ضعُف دِينُه ضعُفَ بلاؤه، وإنَّ الرجلَ لَيصيبُه البلاءُ حتى يمشيَ في الناسِ ما عليه خطيئةٌ). "صحيح الترغيب والترهيب".

وقد علَّمنا -صلى الله عليه وسلم- أن ننظر إليها على أنها ضئيلة لا تساوي شيئا بين يدي الآخرة، فقال صلى الله عليه وسلم: (واللهِ ما الدنيا في الآخرةِ إلا مثلُ ما يجعلُ أحدُكم إصبعَه في اليمِّ، فلينظر بم يرجعُ) "أخرجه مسلم".

وعلَّمنا أن لا نتعلق بها، ولا نبكي على ما فاتنا منها.

قال صلى الله عليه وسلم: (مالي وللدنيا إنما مثلي ومثلُ الدُّنيا كراكبٍ استظلَّ تحت شجرةٍ، ثم راحَ وتركها) "رواه ابن حبان".

هل نزلتَ فندقا فخماً يوماُ؟

هل تعلقت به؟

هل بكيتَ على مفارقته؟

هكذا حال المسلم قد يملك الدنيا في يده، لكنها لا تتمكن من قلبه لذلك لا يحزن على ما فاته منها.

قال تعالى: [لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ] (الحجر: 88).

وقال تعالى: [وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ] (طه: 131).

وعلَّمنا أن كل ألم ومشقة يعيشها المؤمن ستطوى مع لحظة يرى فيها المؤمن دار المقامة والخلود.

هكذا سيرددون: [وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ] (سورة فاطر: 35).

قال بعض السلف عن أهل الابتلاء الذين صبروا على ما أصابهم: "ما ضرهم ما أصابهم في الدنيا، جبر لهم كل مصيبة بالجنة".

وما أجمل هذا الجبر والعطاء والعوض: [إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ] (سورة المؤمنون: 111).

يا كل مبتلى في نفسه أو ماله، رددها بقلبك، [إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا...].

يا كل غريب عن وطنه يشتاق إلى العودة، ويعاني ألم الفراق... رددها كثيرا، [إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا...].

يا أهل غزة العزة..... [إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا...].

يا كل صابر وصامد وثابت وباذل، تذكر: [إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا...].

لذلك ضحى أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمال والنفس واحتملوا العذاب فداء للدين، وأهلنا في غزة وفلسطين يحتملون العذاب فداء للقدس والأقصى رغم الإبادة والجوع، والحصار، والدمار، والنار.

علمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن صفاء القلوب هو طريق الحياة الطيبة.

قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة قالوا وما جنة الدنيا؟ قال: ذكر الله..".

ولعل النعيم المعجل في الدنيا هو صفاء القلوب وسلامة الصدر ونقاء السريرة، وتلك جنة الدنيا والله.

قال ربنا لأهل الجنة: [ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (46) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ (47) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48)] (سورة الحجر).

وتأمل كلمة [ونزعنا]. كأن سلامة الصدر أمر عظيم لا يصل المرء إليه إلا بجهاد كبير.

إن الدنيا وحطامها الزائل لا تستحق أن يحقد المسلم على أحد أو ينام، وفي قلبه غش لأحد بسببها، أو يجعلها غاية يقاتل عليها ومن أجلها.

قال تعالى: [وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ۖ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ] (الحجر: 85).

وحين سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أفضل الناس قال: (أفضلُ النَّاسِ كلُّ مخمومِ القلبِ، صدوق اللِّسانِ، قالوا، صدوقُ اللِّسانِ نعرِفُه فما مخمومُ القلبِ؟ قال التَّقيُّ النَّقيُّ، لا إثمَ فيه، ولا بغْيَ، ولا غِلَّ، ولا حسَدَ). السلسلة الصحيحة.

فلا صلاح لحياة المسلم إلا بصلاح قلبه.

صاحب القلب السليم هو السعيد في الدنيا والآخرة.

والنجاة في الآخرة ليس بكثرة الأعمال إنما بالصدق والإخلاص.

وهذه قصة رجل كريم أخبرنا عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه من أهل الجنة فبماذا استحق الجنة؟

جاء في حديث أنس -رضي الله عنه- قال: "كنا يومًا جلوسًا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: (يطلع عليكم الآن من هذا الفجِّ رجلٌ من أهل الجنة))، قال: فطلع رجلٌ من أهل الأنصار تنطف لحيته من وضوئه، قد علَّق نعلَيْه في يده الشمال، فسلَّم، فلما كان الغد، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل على مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل مقالته أيضًا، فطلع ذلك الرجل على مثلِ حاله الأول، فلما قام النبي -صلى الله عليه وسلم- تَبِعه عبدُالله بن عمرو بن العاص فقال: إني لاحَيْتُ أبي، فأقسمت ألاَّ أدخل عليه ثلاثًا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضيَ الثلاث فعلتَ، قال: نعم، قال أنس: كان عبدالله يُحدِّث أنه بات معه ثلاثَ ليالٍ، فلم يره يقومُ من الليل شيئًا، غير أنه إذا تَعارَّ انقلب على فراشِه، وذكر الله، وكبَّر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبدالله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرًا، فلما مضَتِ الثلاثَ، وكِدْتُ أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله، لم يكن بيني وبين والدي هجرة ولا غضب، ولكني سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول ثلاث مرات: (يَطلُعُ الآن عليكم رجلٌ من أهل الجنة))، فطلَعتَ ثلاث مرات، فأردتُ أن آوي إليك؛ لأنظرَ ما عملُك، فأقتديَ بك، فلم أرَك تعملُ كبيرَ عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما هو إلا ما رأيتَ، قال: فانصرفتُ عنه، فلما ولَّيْتُ دعاني، فقال: ما هو إلا ما رأيتَ، غير أني لا أَجِدُ في نفسي على أحدٍ من المسلمين غشًّا، ولا أحسدُه على ما أعطاه الله إيَّاه، فقال عبدالله: هذه التي بلغَتْ بك هي التي لا نطيق".

ولله در عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- فقد تعلمنا منه أن نبحث عن كل من نقتدي به، ونتعلم من هديه وخلقه.

ما لا ينال بكثير العمل يظفر المسلم به بسلامة القلب وحبه الخير للناس.

ولذلك قيل: أخلص دينك يكفك القليل من العمل.

جاهد نفسك أن يكون قلبك نقيا طيبا يرجو السلامة والأمان والحياة الطيبة للناس.

وفي الوقت الذي يباد فيه أهل غزة العزة يجب أن تعتصر قلوبنا، ولا تسكن على ما أصابهم، فالتألم على حال إخواننا من مقتضيات القلب السليم التقي.

علمنا رسول الله صلى الله، وسلم الشفقة على الناس والحرص على هدايتهم.

عاش رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حياته كلها في سبيل غاية واحدة وهي: هداية الخلق إلى الله تعالى.

قال تعالى: [الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ] (سورة إبراهيم: 1).

ويوم شرد قومه عن الله تعالى حزن عليهم حزناً شديداً، حتى واساه ربه مخففا عنه.

فقال تعالى: [فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا] (سورة الكهف: 6).

وقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: [فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ] (سورة فاطر: 8).

كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمتلئ هماً وقلقاً وخوفاً على أمته لا يفكر إلا في نجاتهم وسلامتهم من غوائل المعاصي وشر غضب الديَّان، وما ترك وسيلة يدل بها أمته على الخير إلا أرشدنا إليها.

والواجب علينا أن نفكر في غير المسلمين هل قمنا بواجب البلاغ المبين؟

هل نفكر في طريقة للخلاص العام؟

هل نبحث عن طريقة لدعوتهم إلى الخير؟

هل نتألم حين نرى كثيراً من الشباب المسلم غارقا في الشهوات والشبهات؟

هذا بعض ما تعلمناه من سيد الخلق وحبيب الحق، صلى الله عليه وسلم.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.


: الأوسمة


المرفقات

التالي
وقفات مع حديث شريف

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع