التباين في التزام الحكومات والشعوب الغربية تجاه الأخلاق والقيم
الإنسانية.. غزة نموذجاً
بقلم: د. إبراهيم أحمد مهنا
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
على
الرغم من أن القيم الإنسانية وأمهات الأخلاق تُعد مرجعية مشتركة يُفترض أن توجّه
السلوك العام لجميع أفراد المجتمع، سواء كانوا من طبقة السلطة الحاكمة أو المؤسسات
المدنية أو عموم الشعب، فإن الواقع يكشف عن فجوات واضحة بين ما يُعلن وما يُمارس،
سواء على مستوى السلطة أو المجتمع.
وفي
العموم، نجد أن هناك تبايناً كبيراً في مواقف السلطة الحاكمة وعموم الجمهور،
كتباين موقف الحكومة الأمريكية وعموم الشعب الأمريكي تجاه الحرب على فيتنام، حيث
اضطرت الحكومة لوقف الحرب نتيجة الضغط الشعبي عليها، ومن ذلك أيضاً الموقف الغربي
من نظام الفصل العنصري السابق في جنوب أفريقيا، حيث كانت الحكومات في واد والشعوب
في وادٍ آخر.
غزة.. نموذج الفجوة الأخلاقية بين الشعوب والحكومات
وتمثل
الحرب على غزة اليوم حالة واضحة ونموذجاً صارخاً في هذا التباين حيث تقف الشعوب في
جهة القيم والعدالة الإنسانية، بينما كثير من الحكومات الغربية والعربية تقف في
جهة المصالح والتحالفات؛ ما يجعلها واحدة من أبرز النماذج المعاصرة للفجوة
الأخلاقية بين الشعوب والسلطات.
إن
الشعوب غالبًا ما تركز على المبدأ والقيمة (العدالة، الحرية، الكرامة)، بينما
الحكومات كثيراً ما تضحي بالقيم والأخلاق لتحقيق مصالح سياسية، أو اقتصادية، أو أمنية،
أو دينية! ولا يعلو صوتها في ضرورة التمسك بالقيم والأخلاق إلا إذا كانت تحقق
مصالحها، وإلا ضربت بها عرض الحائط.
لذلك،
نرى أن مجلس الأمن الدولي لم يستطع حتى الآن الخروج بمجرد إدانة للإبادة الجماعية
التي يمارسها الاحتلال في قطاع غزة، فـ«الفيتو» الأمريكي جاهز في وجه أي مشروع
يقدم لإدانة الكيان المجرم.
لقد أحدث
التباين في المواقف من الإبادة الجماعية في غزة شرخاً كبيراً وفجوة هائلة بين
الحكومات وشعوبها، ولم يقتصر إظهار السخط الشعبي من مواقف الحكومات على النخب فقط،
بل عمَّ ليشمل جميع شرائح المجتمع لتقف صفاً واحداً ضد ما وصفوه بالنفاق الحكومي
والتواطؤ المفضوح، بل والمشاركة الفعلية في الإبادة.
وأصبح
جنود الاحتلال لا يأمنون من ملاحقات الناشطين في العالم الغربي على الصعيد
القانوني وعلى الصعيد الأخلاقي، فبرزت مؤسسة «هند رجب» التي تأسست في بروكسل العام
الماضي 2024م كواحدة من مؤسسات المجتمع المدني التي تخصصت في ملاحقة مجرمي الحرب
في الكيان الصهيوني، وكسر ما بات يعرف بسياسة الإفلات من العقاب، حيث قدمت أسماء
أكثر من ألف جندي من جنود الاحتلال إلى المحكمة الجنائية الدولية بالتعاون مع
أهالي الضحايا.
وبرزت
عدة مؤسسات وتحالفات تخصصت في كسر الحصار وإنهاء حرب التجويع على غزة، وها هو
أسطول الصمود العالمي الذي يضم أكثر من 70 سفينة من 44 دولة يستعد لجولة جديدة
لكسر الحصار بزخم أكبر وبتخطيط وإصرار يثير الإعجاب.
ولا يغيب
على المتابعين دور الحراك الأكاديمي وشباب الجامعات في الدول الغربية في رفض
المواقف الرسمية تجاه غزة والكيان، ومؤخراً نجحت جامعة هارفارد الأمريكية العريقة
بكسب القضية القانونية التي رفعتها في وجه الرئيس الأمريكي الذي أوقف الدعم
الحكومي لها، وهي بذلك تقف موقفاً متقدماً لدعم حرية الطلاب الفكرية الذين ثاروا
نصرة لغزة.
وفي مطلع
هذا الشهر، عرض الفيلم الوثائقي «صوت هند رجب» ومدته 89 دقيقة، الذي عرض في مهرجان
البندقية السينمائي الدولي، في 3 سبتمبر الجاري، من إخراج التونسية كوثر هنية،
وبإنتاج مشترك بين تونس وفرنسا والمملكة المتحدة، وحضر العرض الأول مجموعة كبير من
الوسط الفني الغربي، وحاز الفيلم في سابقة مميزة بتصفيق جميع الحضور لمدة 24 دقيقة
متصلة؛ ما يعكس الفجوة الهائلة التي أحدثتها حرب الإبادة على غزة بين الحكومات
وشعوبها تجاه التزام القيم والأخلاق الإنسانية.
ويظهر
هذا التباين جلياً في استمرار وتنامي المسيرات الشعبية الغاضبة في أبرز المدن
الغربية من نيوزيلاندا وأستراليا، مروراً بالدول الأوروبية وانتهاء بدول
الأمريكتين ضد الاحتلال للمطالبة بوقف حرب الإبادة، حتى تطورت المطالبات الشعبية
إلى إنهاء الاعتراف بدولة الكيان والمطالبة بتحرير فلسطين من البحر إلى النهر.
ازدواجية الغرب.. القانون الدولي وفق المصالح
إن سياسة
ازدواج المعايير التي تمارسها الحكومات الغربية زادت الحراك الشعبي الغربي المناصر
لفلسطين زخماً وحدة، فالموقف الغربي الرسمي من الحرب الروسية الأوكرانية يتناقض مع
موقفها من حرب الإبادة التي يمارسها الكيان في غزة، فهي تدافع عن أوكرانيا باسم
القانون الدولي، لكنها تبرر أو تغطي ما يجري في غزة بحجة الدفاع عن النفس، وكأن
القانون الدولي وحقوق الإنسان لا يطبقان على دولة الكيان المحتل؛ ما يكشف انفصامًا
أخلاقيًا مكشوفاً يميزه الإنسان العادي، وباتت الشعوب تنظر إلى خطاب «حقوق
الإنسان» الرسمي كغطاء سياسي انتقائي ممجوج؛ ما يهدد شرعية هذه القيم والقوانين
عالميًا.
وختاماً، يبقى السؤال: هل ينجح هذا الحراك
الغربي في الضغط على حكوماتهم لتغيير مواقفها وإجبارها على العمل لوقف الإبادة؟
هذا ما ستكشفه الأسابيع القليلة القادمة، وحتماً فإن صناديق الاقتراع في أي
انتخابات مقبلة ستحاسب هؤلاء إن لم يغيروا مواقفهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات
المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين.