بسم الله الرحمن الرحيم
شباب الرسالة..
كيف صنع النبي ﷺ جيلاً غيّر وجه
التاريخ؟
كتبه: د. أسامة عيد
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة
والسلام على سيّدنا محمدٍ الرحمةِ المهداة، الذي نصره الله بالشباب حتى أتمّ الدين
ورضي الإسلام لنا دينًا.
لم يأتِ الإسلام ليضع طبقةً من
الطلاء على مألوفٍ باهت؛ بل جاء فكرةً حيّةً تُوقِظ العقول من سباتها، وتُنفض
الغبار عن تقليدٍ أعمى يحجب الناس عن الحقّ.
وفي مقدّمة المستجيبين، برز
الشباب كروحٍ متحرّرة بطبعها من سطوة السّالفين، جريئةٍ في نصرة ما تراه حقًّا، لا
تعبأ بأقاويل العباد ما دام الميزان هو الحق ونصرته، وفى ذكرى مولده صلى الله عليه
وسلم نستذكر لمحات من تعامله وهديه مع الشباب ونوجه رسائل قصيرة عسى أن يكون في
النفع والخير لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
لغةٌ تفهم الشباب
عامل النبي ﷺ الشباب والصبيان
بوصفهم شركاء، لا متلقّين صغارًا، فكان يكلّمهم وهو في الأربعين والخمسين وكأنّه
واحدٌ منهم، يثق بقدرتهم ويضع على عاتقهم الألوية والمهامّ الكبيرة، فيشعرون
بقيمتهم ويُدركون وزنهم في نصرة هذا الدين، وهكذا تربّى جيلٌ واجه الطغيان وناصر
العدل، لا يثنيه لوم لائم.
يقول أنس بن مالك في خدمته للنبي
صلى الله عليه وسلم: "خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَوَاللهِ مَا
قَالَ لِي أُفٍّ قَطُّ، وَلَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ كَذَا،
وَهَلَّا صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا"، وفي رواية يقول: "
خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ بِالْمَدِينَةِ، وَأَنَا غُلَامٌ، لَيْسَ
كُلُّ أَمْرِي كَمَا يَشْتَهِي صَاحِبِي أَنْ أَكُونَ عَلَيْهِ، مَا قَالَ لِي
فِيهَا أُفٍّ قَطُّ، وَمَا قَالَ لِي: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ أَوْ أَلَّا فَعَلْتَ
هَذَا".
في هذه الشهادة المفتاحية تتجلّى
مدرسة النبي ﷺ التربوية: لا نهرَ ولا إساءة، بل صبرٌ، وصحبةٌ حسنة، وتعليمٌ رفيق.
يعترف أنس فيقول: «ليس كل أمري كما يشتهي صاحبي»، أي إن قصور الصغار ومخالفتهم
أمرٌ بشريّ، لكنّ الاستجابة النبويّة لم تكن تضجّرًا، بل بناءً هادئًا يُخرِج
شخصيّاتٍ قادرةً على حمل الرسالة.
مصعب… رايةُ فكرة
ونجد في نموذج مصعب بن عمير - فتى
مكة المدلّل الذي عُرف طريقه بطيب عطره - قلبًا ولاءه للحقّ حين تبيّن له، فهاجر
مجرّدًا إلا من القليل، وصار حاملًا لراية النبي ﷺ في أُحد، فقُطِعت يمينه فضمّ
اللواء بشماله، ثم قُطِعت شماله فاعتنق الراية بعضديه حتى قضى شهيدًا، ليست هذه الحكاية
مجرّد بطولةٍ عسكرية، بل درسٌ في أن صاحب الفكرة الحقّة لا يتخلّى عن رمزها مهما
اشتدّت الكلفة، وقد نمَّى النبي صلى الله عليه وسلم هذه البذرة فيه وفي غيره من
الشباب حتى صاروا أبطالًا يناصرون الحق.
مساحاتُ السؤال…
تصنعُ العظماء
لم يكن النبي ﷺ يربّي جيلًا
صامتًا يخشى السؤال، فكان يُحاور ويُجيب، ويحتمل المراجعات في صغير الأمر وكبيره، وهكذا
نضج تلكم الجيل؛ حوارٌ يورث بصيرة، وثقةٌ تُخرِج قادةً يَفصلون بين الحق والباطل،
فليست التربيةُ المانعةُ للأسئلة طريقًا للإيمان الراسخ، بل بيئةُ السؤال المسؤول،
والاحترام المتبادل.
رحمةٌ تُؤصّل القيم
ومن أنس إلى سائر الفتية، كانت
«الرحمة» هي المنهج. لم ينفتح ﷺ إلى حدّ كسر الهيبة، ولم يتجافَ إلى حدّ إخماد
القلوب، ذلك المزاج المتوازن - محبّةٌ تُشجّع، وهيبةٌ تُؤدّب - هو ما يجعل التوجيه
نافذًا والقدوة فاعلة، ويختصر سنواتٍ من الزجر غير المجدي.
ثقةٌ تُقدِّم
الشباب إلى المقدّمة
في أواخر حياته ﷺ أسند لأسامة بن
زيد قيادة جيشٍ يضمّ كبار الصحابة، وكانت الرسالة واضحة: النُّصرة الحقيقية لا
تُؤجَّل حتى يَشيب الشباب، بل تُبنى بهم ولأجلهم، منحُهم القيادة ليس مجاملة، بل
إيمانٌ بأنهم لبنةُ البداية وأملُ الخاتمة.
حصادُ المدرسة
في أقلّ من نصف قرن، تمدّد أثر
ذلك الجيل؛ لأن الأساس كان تربيةً على التجرد لله، والتحرّر من الأهواء، والانخراط
العملي في خدمة الفكرة، لم تكن «بطولات أفراد» بقدر ما كانت «مؤسّسة قيم»، فصنعت
رجالًا ونساءً يفتحون القلوب قبل البلدان.
ماذا يعنينا اليوم؟
- أعيدوا تعريف الثقة: الشابّ
لا ينقصه الشغف، بل المساحة. ضَعوا الراية في يده وارفدوه بالتصويب لا بالتقريع.
- شرعنوا السؤال: السؤال
المسؤول علاجُ التحزّب الأعمى والتقليد البارد، وبه ينتج الجيل الحر، القادر على
تحرير غيره.
- قُدواتٌ حيّة: سِيَرُ مصعب وأنس وعمر وغيرهم
ليست للتبرّك والاستئناس، بل لبناء برامج واقعية تُخرِج نظراءهم.
وفى الختام.. ليست
ثورية الإسلام صخبًا ولا تمرّدًا أجوف؛ إنّها يقظةُ عقلٍ وسموُّ روح، ومع الشباب
تحديدًا، تتجلّى عبقرية المنهج النبوي: ثقةٌ تُحرِّرُ، ورحمةٌ تُهذّب، ومسؤوليةٌ
تُنضج.
هكذا يبدأ التغيير: حين يأخذ
الجيل الجديد مكانه الطبيعي في الصفّ الأوّل، حاملًا راية الحقّ، وموقنًا أن الله
يتمّ نوره.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* د. أسامة عيد: رئيس لجنة الشباب
بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.