البحث

التفاصيل

الوسطيَّة في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}

الرابط المختصر :

الوسطيَّة في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}

بقلم: د. علي محمد الصلابي

الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

وردت مادة (وسط) في القرآن الكريم في عدَّة مواضع، وذلك بتصاريفها المتعددة، وسنبين معناها على وَفق ورودها في قوله سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143]، مسترشدين بأقوال المفسرين، وببعض أحاديث النبي (ص) في توضيح معانيها.

وردت في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] وقد ورد تفسير هذه الكلمة في السنة، كما ذكر لها المفسرون عدَّة معان، وتفصيل ذلك كما يلي:

1. ورد تفسير هذه الكلمة عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (ص): «يُدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك، وسعديك يا رب! فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون:ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد، وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ» (1)،{وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} فذلك قوله ـ جل ذكره ـ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} والوسَط: العدل.

وروى الطبري بإسناده عن النبي (ص) في قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} قال: عدولاً (2).

وقد ساق الطبري عدداً من الروايات في هذا المعنى: ثم ذكر تفسير هذه الآية منسوباً إلى بعض الصحابة، والتابعين، كأبي سعيد، ومجاهد، وغيرهما، حيث فسروها بـ (عدولاً) (3).

2 ـ قال الإمام الطبري:

وأما الوسط فإنه من كلام العرب: الخيار، يقال منه: فلان وسط الحسب في قومه، أي متوسط الحسب، إذا أرادوا بذلك الرفعة في حسبه.

وهو وسط في قومه، وواسط، قال زهير بن أبي سُلمى في الوسط:

هم وسطٌ يرضى الأنام بحكمهم  **  إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم

 قال: وأنا أرى: أن الوسط في هذا الموضوع هو الوسط الذي بمعنى الجزء الذي هو بين الطرفين، مثل: وسط الدار، وأرى: أن الله ـ تعالى ذكره ـ إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلوٍّ فيه، كغلوِّ النصارى الذين غلوا بالترهُّب، وقولهم في عيسىما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه، كتقصير اليهود الذين بدَّلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به، ولكنهم أهل توسط، واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك ؛ إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها.

وأما التأويل فإنه جاء بأنه الوسط العدل ـ كما سبق ـ وذلك معنى الخيار؛ لأن الخيار من الناس عدولهم (4).

3 ـ قال محمد رشيد رضا في تفسيره: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}[البقرة: 143] هو تصريح بما فهم من قوله: {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}[البقرة: 213].

أي على هذا النحو من الهداية جعلناكم أمة وسطاً.

قالوا: إن الوسط هو العدل والخيار، وذلك لأن الزيادة على المطلوب في الأمر إفراط، والنقص عنه تقصير، وتفريط، وكل من الإفراط والتفريط ميل عن الجادة القويمة، فهو شرٌّ، ومذموم، فالخيار هو الوسط بين طرفي الأمر، أي: المتوسط بينهما.

4 ـ  وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ـ رضي الله عنه ـ في تفسير قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} أي: عدلاً خياراً. وما عدا الوسط فأطراف داخلة تحت الخطر، فجعل الله هذه الأمة وسطاً في كل أمور الدين، وسطاً في الأنبياء بين من غلا فيهم كالنصارى، وبين من جفا منهم كاليهود، بأن امنوا بهم كلِّهم على الوجه اللائق بذلك.

و(وسطاً) في الشريعة: لا تشديدات اليهود، واصارهم، ولا تهاون النصارى. وفي باب الطهارة، والمطاعم: لا كاليهود الذين لا تصحُّ لهم صلاة إلا في بِيَعهم، وكنائسهم، ولا يطهِّرهم الماء من النجاسات، وقد حرمت عليهم طيباتٌ عقوبة لهم.

ولا كالنصارى الذين لا ينجِّسون شيئاً، ولا يحرمون شيئاً؛ بل أباحوا ما دبَّ، ودرج، بل طهارتهم ـ

أي: هذه الأمة ـ أكمل طهارة، وأتمها، وأباح لهم الطيبات من المطاعم، والمشارب، والملابس، والمناكح، وحرم عليهم الخبائث من ذلك.

    فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلُّها، ومن الأعمال أفضلها، ووهبهم من العلم، والحلم، والعدل، والإحسان ما لم يهبه لأمة سواهم، فلذلك كانوا {أُمَّةً وَسَطًا} كاملين معتدلين؛ ليكونوا {شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}، بسبب عدلهم وحكمهم بالقسط، يحكمون على الناس من سائر الأديان، ولا يحكم عليهم غيرهم (5).

ويقول سيد قطب ـ رضي الله عنه ـ في تفسيره لهذه الآية: وإنها للأمة الوسط بكل معاني الوسط، سواء من الوساطة بمعنى الحسن، والفضل، أو من الوسط بمعنى الاعتدال، والقصد، أو الوسط بمعناه المادي، والحسيِّ. أمة وسطاً في التصوُّر، والاعتقاد، أمة وسطاً في التفكير، والشعور، أمة وسطاً في التنظيم، والتنسيق، أمة وسطاً في الارتباطات، والعلاقات، أمة وسطاً في الزمان، أمة وسطاً في المكان (6).

هذه أهم أقوال المفسرين في تفسير هذه الآية، ومن خلال هذا التفسير تبينت معانٍ لها أهمِّيتها عند الحديث عن منهج القرآن في تقرير الوسطيَّة في مباحث قادمة.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع:

([1]) صحيح البخاري كتاب التفسير، باب: (وكذلك جعلناكم...): (5/ 176 ، رقم 4487).

(2) انظر: تفسير الطبري: (2/ 7).

(3) انظر: تفسير الطبري: (2/7).

(4) انظر: تفسير الطبري: (2/6).

(5) انظر تفسير السعدي: (1/ 157).

(6) انظر في ظلال القرآن، سيد قطب، (1/131).


: الأوسمة


المرفقات

التالي
الاتحاد يعزي المملكة والأمة في وفاة سماحة المفتي العام الشيخ عبد العزيز آل الشيخ
السابق
تحقيقا لأمننا العربي والإسلامي: نطالب بتحويل التحالف السعودي- الباكستاني إلى ناتو إسلامي

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع