الخناجر المسمومة في خاصرة الأسرة المسلمة
الأسرة المسلمة حصن منيع، ودرع واقٍ يحمي
المجتمع من التفكك والانحراف، وهي نواة الحضارة الإسلامية وموئل القيم الأصيلة.
حين نتحدث عن الأسرة فإننا نتحدث عن مصنع النفوس، ومحراب الفضيلة، وساحة التربية
التي تتكون فيها الأخلاق، وتتربى فيها الأجيال على معاني العفة والطهارة وحفظ
الأنساب والتدين والالتزام بالأخلاق الكريمة. إن الفارق بين الأسرة المسلمة وغيرها
من النماذج الأسرية في المجتمعات الأخرى فارق جوهري يبرز في عدة وجوه؛ فالأسرة
المسلمة تعلي من قيمة العفة وتجعلها شرطًا أساسًا في سلوك الفرد، فتحصن أبناءها من
الانحراف والابتذال، وتجعل من العلاقة بين الرجل والمرأة رباطًا شرعيًا مقدسًا لا
مجال فيه للتسيب أو العبث. بينما نجد في نماذج أخرى من الأسر أن الانفتاح غير
المنضبط والتعامل مع العلاقات العابرة أصبح أمرًا مألوفًا ومقبولًا، ما يضعف قيمة
الأسرة ويقلل من دورها في حفظ الأنساب وضبط السلوك.
والأسرة المسلمة تربي أبناءها على الطهارة التي
لا تقتصر على الطهارة البدنية بل تمتد إلى طهارة القلب والنفس، فالطهارة عندها
عبادة ومفهوم روحي وأخلاقي عميق، وهي مرتبطة بالصلوات والعبادات اليومية، في حين
قد تُفهم في غيرها من البيئات بوصفها مسألة صحية أو اجتماعية مجردة من بعدها
الروحي. أما من ناحية الأمان وحفظ النسل، فالأسرة المسلمة تضع الزواج في مكانه
الطبيعي باعتباره الإطار الشرعي والوحيد لحفظ النسل واستقرار المجتمع، وتُعلي من
قيمة الأبوة والأمومة ورعايتهما للأبناء، بينما في نماذج أخرى قد تُهمَّش هذه
الروابط، وتنتشر العلاقات المؤقتة التي تهدد استقرار الطفولة والأجيال. كذلك فإن
التدين في الأسرة المسلمة ليس مظهرًا شكليًا بل هو مورد تربوي يومي، يُعيد تشكيل
الهوية ويربط الفرد بعقيدته وعبادته، ويجعله جزءًا من منظومة قيمية متكاملة، بينما
تغيب هذه المرجعية في كثير من الأسر الأخرى حيث تسود الفردانية أو النزعة
الاستهلاكية. وتأتي الأخلاق في قلب بناء الأسرة المسلمة؛ صدق وأمانة وإحسان وصبر،
وهذه ليست شعارات وإنما ممارسات يومية تترسخ عبر التربية والقدوة، بينما قد يطغى
في مجتمعات أخرى معيار النجاح المادي والنفعي على حساب الفضائل الأخلاقية.
غير أن هذه الحصون المنيعة لم تسلم من محاولات
الاختراق، فقد تسللت إليها أسلحة جديدة اتخذت من وسائل التواصل الاجتماعي أداة
لنقض أواصرها. وسائل التواصل في ظاهرها نعمة للاتصال والمعرفة، لكنها تحولت في
كثير من الأحيان إلى قناة للتطبيع مع السلوكيات المحرمة والمنافية للقيم، فتعوّد
الأبناء على مشاهدتها حتى تغدو مألوفة بعد أن كانت منكرة، وأصبحت أداة للتغرير
والإغواء، حيث يُستدرج الشباب والفتيات من خلال الصور والكلمات إلى عالم افتراضي
مليء بالمخاطر، وأضحت البوابات الإباحية متاحة في متناول اليد، مما يقوض قيم الطهارة
ويضعف الرقابة الذاتية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن العلاقات الافتراضية
الهشة أخذت تحل محل العلاقات الأسرية الأصيلة، مما فتح الباب أمام الخيانة
المعنوية والمادية، وزاد من هشاشة البيوت. يضاف إلى ذلك ثقافة الإعلانات
والاستهلاك التي صارت تسوّق لكل ما يهدم قيمة القناعة ويزرع بدلاً منها الطمع
والانغماس في الماديات، فضلًا عن العزلة الأسرية التي فرضتها الأجهزة الحديثة، حيث
ينشغل كل فرد بشاشته فينقطع الحوار الأسري، وتضعف التربية المباشرة، ويفسح المجال
للمحتوى الرقمي ليحتل موقع المربي والمعلم.
وهنا يظهر بجلاء وجه الإعجاز التربوي في
الإسلام، فقد سبق القرآن والسنة إلى وضع الضوابط التي تمنع الانحراف قبل وقوعه،
فالتشريعات لم تكن فقط لإصلاح الخطأ بعد حدوثه، بل كانت لحماية الأفراد من
الانزلاق إلى مواطن الخطر، وهذا ما نسميه بالمنهج الوقائي. فقد نهى القرآن عن
الاقتراب من الفواحش، وشرع أحكام الحجاب وغض البصر، ورسم معالم الحشمة في القول
والعمل، وكل ذلك حماية للأسرة وبنيانها. والنبي صلى الله عليه وسلم قدّم أروع
نموذج للتربية بالقدوة، وهي الوسيلة التي تحتاجها أسرنا اليوم أكثر من أي وقت مضى،
فيرون الآباء والأمهات وهم يستعملون وسائل التقنية برشد وضبط، فيتعلم الأبناء من
أفعالهم قبل أقوالهم. كما أن التربية الإسلامية شاملة، تهتم بالعقل والروح والجسد،
وهذه الشمولية هي ما نفتقده في التعامل الحالي مع وسائل التواصل حيث يغيب التوازن
وتطغى الشهوات. القرآن الكريم أيضًا لم يغفل عن بناء عقلية ناقدة متفكرة، تأمر
بالتدبر والتفكر، وهذه ملكة نحتاجها اليوم فيما يسمى بالوعي الرقمي، لكي يتمكن
أبناؤنا من التمييز بين الحق والباطل في بحر المعلومات الزائف.
إن التوصيات العملية المستوحاة من هذا الإعجاز
التربوي متعددة، منها أن نعيد بناء ثقافة الحوار داخل الأسرة، وأن نضع اتفاقات
واضحة حول استخدام الأجهزة، وأن نهيئ للآباء والأمهات برامج تدريبية لفهم العالم
الرقمي الذي يحيط بأبنائهم. علينا أن ننتج محتوى بديلًا ينافس المحتوى المنحرف،
وأن نعزز من دور المؤسسات التربوية والدينية في حماية الأسرة، وأن نغرس في الأبناء
منذ الصغر الرقابة الذاتية التي هي ثمرة الإيمان.
وفي الختام، لا بد أن ندرك أن حصوننا ليست من
حجر بل من قيم ومعانٍ تحتاج إلى رعاية يومية، وأن الاختراق لا يتم فجأة بل يتسلل
رويدًا عبر غفلة وتراخٍ، فإذا لم ننتبه ونحصّن بيوتنا اليوم فسندفع الثمن غدًا في
ضياع أجيال بأكملها. إن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون أداة نفع عظيم كما
يمكن أن تتحول إلى خنجر في خاصرة الأسرة، والفارق يصنعه الوعي والالتزام والتربية
المستلهمة من القرآن والسنة. ومن هنا فإن الأسرة المسلمة مطالبة بأن تعود إلى
أصولها ومنهجها، وأن تفعّل الدور التربوي في واقعها، لتحافظ على حصونها من الانهيار
ولتظل مصدر قوة وأمان للأمة.
الدكتور احمد سنان الكامل
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
والأمين العام لهيئة الإعجاز العلمي في القرآن
والسنة في الصومال والقرن الأفريقي