الحوارات المذمومة (01)
اعتنى بجمعها الدكتور منذر عبد الكريم القضاة
عضو رابطة علماء الأردن
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
الحمدُ لله وحدهُ ، والصَّلاة والسَّلام على من
لا نبي بعدهُ ، وبعد
إنَّ للحوار آداباً لابدَّ من تَحققها أثناء
الحوار؛ لأنَّ الحوار لا يمكن أنْ يَكون نَاجِحاً ومثمراً إلا إذا توفرت فيهِ
آدابه إلا أنَّ هُناك نوعاً آخَر من أنْواَع الحوارات موجود بيننا وَهْو
الْحِوَارُ بِمَعْنَى الْجِدَالِ الْمَذْمُومِ ،
وَهو الحِوار الَّذي لم تتوافر فيهِ شُروط وَآداب الحِوَار، وَلم يلتزم
أفراده بآدابِ التحَاور، وهذا النَّوع يَضم ألوانا عدَّة من ألوان الحوارات
المذمومة، نذكر منها :
أولاً : حوار الطريق المسدود
وهو الحوار الذي تعلن النتيجة فيه منذ البداية
ولا يُستمع فيه إلى رأي الطرف الآخر، ومما في القُرآن الكريم من هذا النوع حوار
ابني آدم في قوله تعالى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ
إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ
الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ
الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة المائدة: الآية 27] ؛ فقد أعلنت النتيجة أولاً ، وكانت النهاية كذلك.
ثانياً : الحوار الإلغائي (التسفيهي)
وهو الحوار الذي يسيرُ به أصحابه إلى حصر الصواب
في جهتهم فلا رأي إلا رأيهم، ولعلَّ من ذلك مقولة فرعون لقومه: ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ
مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾
[سورة غافر: الآية 29]، ولا يكتفي أصحاب هذا اللون بذلك بل يعمدون إلى تسفيه كل
وجهة نظر تخالفهم، ومن ذلك مقولة فرعون عن موسى – عَلَيهِ السَّلام – : ﴿ أَمْ
أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [سورة
الزخرف : الآية 52].
ثالثاً : الحوار السلبي التعجيزي
وهو الحوار الَّذي يُنظر فيه إلى سلبيات الطرف
الآخر ويعمد فيه إلى إبرازها ولو كانت عيوباً لفظيَّة، وينتهى فيه إلى عدم تحقيق
أي فائدة، وهذا النوع من الحوار يترك نوعا من الإحباط لدى أحد ، أو كلا الطرفين
المتحاورين، كما أنه يُوصد كل باب قد يُوصل إلى نتائج، ولعلَّ من هذا النوع
مَقُولة كُفَّار مكة لرسولِ الله - صلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم - : ﴿ وَإِذْ
قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ
عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيم﴾ [سورة
الأنفال : الآية 32]، إذ ليس غرضهم الوصول إلى الحقِّ بدليلِ ما طلبوا وإلا لقالوا
: " إن كان هذا هو الحق فإننَّا سنتبعه
".
رابعاً : الحوار السلطوي
وهو الحوار الذي يستخدم فيه المحاور سلطته في
تهديد الطرف الآخر، ويظهر فيه إلغاء كيان الطرف الآخر، ولعلَّ من ذلك ما كان من
حوار إبراهيم – عَلَيهِ السَّلام – مع أبيه حيث ينطلق والده في حواره مع الابن من
الواقع السلطوي مستخدما سلطة الأبوة: ﴿ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا
إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [سورة
مريم : الآية 46]، وأما نتائج هذا اللون من ألوان الحوار فهي مُتمثِّلة في إلغاء
قُدرات الطرف الآخر وإرادته، لكن يعلمنا القرآن كيف يتخلص المحاور من مثل هذا اللون
من ألوان الحوار: ﴿ قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ
كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [سورة مريم : الآية 47]، ومنه حوار فرعون مع السحرة حين خَروا
سُجداً: ﴿ قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ
الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ
خِلَافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا
أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ وانظر إلى ردِّهم عليه : ﴿ قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ
عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ
قَاضٍ﴾ [سورة طه : الآية 72].
خامساً : الحوار المبطَّن
وهو الحوارُ الذي يَستخدم فيه أحد الأطراف
المحاورة بعض الألفاظ فيجعل مِنهَا أداة للسخرية بالطرفِ الآخر، ولعلَّ من ذلك
مَقُولة فرعون: ﴿ فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي
صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [سورة القصص : الآية 38]، وقد
تكون التورية هي الأداة المستخدمة في هذا اللون بحيث يلمس المستمعون حجم التفاوت
بين الطرفين، بقصدِ إعلام النَّاسِ بالحقيقة وإقامة الحجَّة، ولعلَّ من ذلك
مَقُولة أبي الأنبياء إبراهيم - عَلَيهِ السَّلام - : ﴿ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ
كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [سورة الأنبياء : الآية
63].
سادساً : حوار المناورة أو السطحي
الذي يتمسَّك بظاهرِ الألفاظ، كما في حوار الذي
حاج إبراهيم في ربه، قال الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ
إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ
رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [سورة البقرة :
الآية 258] ( )
وآخر دعوانا أن
الحمد لله رب العالمين
([1]) - قام جزء كبير من هذا
المقال على كتاب أسلوب الحوار في القرآن الكريم (خصائصه الإعجازية وأسراره النفسية) وهو بحث
مفيد للدكتور عبد الله الجيوسي – رحمه
الله - / كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة اليرموك
منشور في المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية
2006م 1427هـ ( وقد استفدت كثيرا من هذا البحث ، ومن الكثير من مفرداته التي
استعنت بها ).
(2)
- للمزيد أنظر كتابي : النَّبْذَة
التَّعْرِيفِيَّة لِكِتَابِ جَامِع تَفْسِير الْحِوَارِات فِي الْقُرْآنِ
الْكَرِيمِ وَبَيَانِ مَا فِيهَا مِنْ أَحْكَام
لِلدكتور
مُنذِر عَبْد الكَرِيم القُضَاة ، مكتبة وائل للنشر – الأردن 1445ه – 2023م