تفكيك منظومات الاستبداد (٦٠): معركة تحرير القدس قادمة فهل نحن مستعدون؟
بقلم: د.جاسر عودة
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
—
لا يحب الحرب إنسان، وصدق الله العظيم الذي قال عن خير جماعة من المؤمنين، وهم البدريون من الصحابة رضي الله عنهم: (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين - الأنفال ٧)، ثم قال للمهاجرين والأنصار في المدينة رضي الله عنهم: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون - البقرة ٢١٦). بل نعلم من حديث عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ نهى أن نتمنى الحرب، فقال: إنه في بعض أيامه التي لقي فيها [أي الأعداء في الحرب]، انتظر حتّى مالتِ الشمس، ثم قام في الناس خطيبًا، فقال: (أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسَلُوا الله العافية، فإذا لقِيتُمُوهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)، ثم قال: (اللهم منْزِلَ الكتاب، ومُجْرِيَ السَّحاب، وهازِمَ الأحزاب، اهْزِمْهم وانْصُرنا عليهم) [البخاري ٢٩٦٥].
ولكنّ السنن الإلهية والعقل والمنطق يقول لكل عاقل إن هذه الهدنة -التي نحمد الله تعالى عليها وندعوه أن يغاث أهلنا في غزة فيها ويُجبرون-، أنها هدنة لن تدوم، وذلك لأسباب كثيرة، منها ما هو متعلق بالأعداء ومنها ما هو متعلق بسنن الله تعالى في هذه الأمة الإسلامية.
أما الأعداء، فما ردع قادتهم عن استمرار حرب يربحون من وراءها المال عن طريق صناعات الحرب المربحة لنادي الواحد بالمائة، حرب يحوزون بها رضا شياطين الإنس والجن من أجهزة الدول العميقة التي تشكل الإمبراطورية العنصرية الحالية، حرب يضمنون بها استمرارهم في كراسيهم -غربًا وشرقًا- نظرًا لاستثنائية ظرف الحرب وسهولة الطغيان على الشعوب فيه دون محاسبة، فما ردعهم واستدعاهم للتنادي لأخذ هدنة إلا اهتزاز الأرض من تحت أرجلهم في عواصم البلاد التي يحكمونها بالأساطير والأوهام، فإذا بالشعوب في العالم كله -وخاصة الشعوب الغربية- تنكشف أمامها -أو أمام العقلاء الشرفاء فيها بالأحرى- الخديعة الكبرى التي كانوا يعيشون فيها.
قد كان المتعلمون الشرفاء في الشعوب الغربية يعلمون أن بلادهم تحتكر الأسواق باتفاقات دولية ظالمة، وتخوض بعض الحروب من أجل أغراض السياسة، وتستشري فيها عنصرية بيضاء بغيضة رغم ما يجلبه إليها غير البيض من إنجازات حضارية واقتصادية، إلى آخر ذلك، وكانوا يكرهون هذه الظواهر ويتعايشون معها على مضض، إلا أن المتعلمين الشرفاء في الشعوب الغربية لم يكونوا يتصورون بالمرة أن الأفكار المؤسِّسة للحضارة الغربية: الكرامة الإنسانية، والحريات، والمساواة، وحكم الشعب بالشعب بالديمقراطية، وأخلاقيات المهنة، وأخلاقيات الحرب، وحقوق الإنسان، والقانون الدولي، والشرعية الدولية، والسيادة الوطنية، ودليل العلم، ومصداقية الإعلام، ومعايير الرفاه، وقس على ذلك — لم يكن الإنسان الغربي يعلم أن هذه الأفكار العظيمة كلها ”ضحك على الذقون“ كما يقال، وأن الشعوب الغربية مستغفلة أو مغفلة من أصحاب السلطات الاقتصادية والسياسية والإعلامية والثقافية فيها، إلى أن كشفت غزة العزة بطوفانها هذا كله!
اكتشف الإنسان الغربي أن الكرامة الإنسانية مجرد شعارات وأن دين الإنسان -خاصة إذا كان مسلمًا- ولون جلده ومستواه في سلم السلطة والمال يحدد مستوى كرامته، وهل يُعامل كإنسان أو كحيوان مأكول، وأن الحريات -وعلى رأسها حرية التعبير وحرية التجمع وحرية الخصوصية والحرية الأكاديمية وسائر الحريات المدنية- يمكن لحكومات الغرب أن تضحي بها في ليلة من أجل عيون الصهيونية، ومن أجل إرضاء لوردات الحرب الدائرة الذين لا يريدون لآلتها أن تتوقف عن جلب المال والسلطة لهم، وأن المساواة بين الناس أو حتى بين المواطنين في الدولة الغربية الواحدة كذبة كبيرة لا يؤمن بها أحد من أصحاب السلطات في دخيلة نفسه، وأن حكم الشعب بالشعب في النظم الديمقراطية الغربية قد أضحى مجرد غطاء يخفي تحته ”جمهوريات موز“ لا تختلف عن جمهوريات الموز التي يسمعون عنها في بلاد العالم البعيدة ”المتخلفة“، وأن أخلاقيات المهنة تنطبق حين ميسرة فحسب، ولكنّ القوى المهيمنة في بلادهم حين يجد الجد -كما كان الأمر في السنتين الماضيتين- سوف تجبر مواطنيها على خيانة أخلاق القضاء، وأخلاق الصحافة، وأخلاق الطب، وأخلاق البحث العلمي، وأخلاق التصميم الهندسي، وأخلاق الفنون التعبيرية، وقس على ذلك، وأن أخلاقيات الحرب لا وجود لها لأن حكوماتهم -وحكومات العالم معهم إلا قليلًا- على استعداد لتكرار قذف الشعوب بالقنابل النووية أو ما يكافؤها، وتكرار التجويع والإبادة الجماعية والتعذيب والاغتصاب على مستوى مليوني، بلا رادع، بل ومن أموال ضرائبهم وفي حماية شرطتهم وبقوة قانونهم، ومن يعترض يُحاكم بالإرهاب!
وقس على ذلك ما كشفته غزة العزة -تقبل الله شهداءها- عن أساطير وخرافات حقوق الإنسان، والقانون الدولي، والشرعية الدولية، والسيادة الوطنية، ودليل العلم، ومصداقية الإعلام، ومعايير الرفاه، وهلم جرًا، فلما اهتزت الأرض من تحت أقدام الإمبراطورية العنصرية البيضاء نظرًا لخروج أعداد معتبرة منهم إلى الشوارع والتنادي -أخيرًا- إلى التناوش الجاد مع النظم الفاسدة التي تحكمهم، تنادت تلك النظم على لسان المهرجين من ساستها إلى أخذ استراحة ووقف الحرب فورًا، ولكن النظام المهيمن سياسيًا واقتصاديًا، و”الدولة العميقة“ الفاسدة التي أصبحت سيدة القرار في تلك الإمبراطورية العنصرية لن ترضى بوقف الحرب نهائيًا، بل تستعد لفتح جبهات جديدة كما يخبرنا أهل الخبرة في هذه الشؤون ويؤكدون.
أما ما يتعلق بالأمة الإسلامية، فإن كل دروس السنن الإلهية تنبؤنا بأن معركة الأمة مع هؤلاء الناس لم تنتهي، وأن المعركة الكبرى لتحرير المسجد الأقصى آتية لا محالة، وأن ما ارتُكب من جرائم كبرى في حق الأمة الإسلامية وفي حق الإنسانية لن يمر طويلًا دون جزاء ومحاسبة وعقاب، في الدنيا قبل الآخرة - سواء عقاب الأباطرة المعاصرين الذين تمادوا في الطغيان وآذنت حضارتهم الدموية في الأفول كما أفلت الحضارات الظالمة قبلها إلى مزابل التاريخ، أو سواء عقاب البلاطجة المستأجرين في ”الدولة الوظيفية“ -ورحم الله عبد الوهاب المسيري- التي قامت عن أسيادها الأباطرة العنصريين بأقذر الأدوار وأحط الجرائم في حق أمتنا خلال العامين الماضيين، وذلك عن طريق محاولة تصفية البقية الصادقة فيها والثلة المجاهدة منها وفشلوا في ذلك والحمد لله، ومحاولة سرقة ما تبقى من مقدّراتها ومصادرها الطبيعية والبشرية لصالح آلة الاحتكار المجرمة -وسيفشلون إن شاء الله-، أو سواء عقاب المنافقين، الذين وصفهم لنا رسول الله ﷺ بأنهم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ولكنهم دعاة على أبواب جهنم، وقد فضحت غزة أن هؤلاء لا يريدون بهذه الأمة إلا شرًا، ولا يرقبون في مؤمن صادق إلّا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون، وهؤلاء المنافقون في بطانة -وأحيانًا واجهة- الحكم في دول أمتنا لولا إسنادهم للعدو لما كانت كل هذه المذابح والمآسي والانتهاكات، وهؤلاء لابد آتية ساعة حسابهم وعقابهم قريبًا إن شاء الله، وسنن الله لا تتخلف (فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا-فاطر٤٣)… وللحديث بقية عن معركة تحرير القدس التي هي آتية لا محالة، إن شاء الله.
تقبل الله شهداء غزة وكل من ساند غزة وأوذي بسببها، وجزى الله أهل غزة فردًا فردًا عن الإسلام وأهله وعن الإنسانية خيرًا، وضمد جراح جرحى غزة وكل من ساند غزة وأوذي بسببها، وعوّض خسائرهم، وجبر مصابهم، وشفى مريضهم، وأعان فقيرهم، وحرر أسيرهم، ونصر مجاهدهم، وعفا عنا في تقصيرنا وقصورنا وألحقنا بهم على خير. اللهم آمين.
—