فقه المتغيرات في سياق بناء المستقبل
بقلم: د. فهمي إسلام جيوانتو
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
رئيس قسم استشراف المستقبل والدراسات الاستراتيجية
إن من صور تخلف الأمة وضعفها تأخرها عن إدراك المتغيرات حولها وعدم
السيطرة فيها، فهي تجري خلف الأمم الأخرى تلاحقها وتتبعها بلا خيار ولا وعي، إن لم
تُجرّ نحوها رغم أنفها.
والأمة الحية هي التي تحدد مسارها بنفسها وتصنع هي متغيراتها، وفقا
لقيمها ومبادئها، وتحقيقا لرسالتها. فضلا عن أن كونها أمة أخرجت للناس تأمر
بالمعروف وتنهى عن المنكر يقتضي أن تكون قائدة للأمم، مرشدة لهم، وصانعة لهم
المتغيرات التي تلبي أهدافها وتقتضيها رسالتها.
إن الأمة التي تريد بناء مستقبلها يجب أن تخوض معركة المتغيرات،
متمسكة بثوابتها منتصرة لمبادئها مؤدية لرسالتها ومدافعا عن عقيدتها ومعتزة
بهويتها. وطريق الإصلاح والنهضة لا يتم إلا
بصناعة المتغيرات. والأمة المتخلفة لا تنهض بالجمود على الثوابت، بل عليها الخروج
من دائرة التخلف إلى مراقي التقدم بإحداث التغييرات الإيجابية الإصلاحية.
وبعد التأكيد على التمسك بالثوابت التي لا يجوز التخلي عنها، فإن
الاشتباك في عالم المتغيرات معركة لا مفر عنها. وقد تظافرت الجهود في الدفاع عن
الثوابت وتكاثرت – رغم الحاجة إلى المزيد والمزيد منها، إلا أن معركة الاشتباك في
عالم المتغيرات تشتكي غيابا تاما أو شبه تام عن المواجهة والمعالجة، والأخطر من
ذلك أن كثيرين يحسبون أن الدفاع عن الثوابت يقتضي محاربة المتغيرات أو الابتعاد
عنها جملة وتفصيلا!
فهناك من ذاب كيانه وغاب وعيه عن طروء المتغيرات وخطورته، وآخرون
متوجسون ومنفصلون عن الواقع خوفا من كل متغير.
والإسلام يطلعنا على التوازن والاعتدال في عالم التصورات، فالمبالغة
في الجانب الثابت من عالم التصور يؤدي إلى الجمود والتقوقع والانكماش، في حين أن
الإفراط والحماسة الزائدة في الانطلاق في عالم المتغيرات يفضي إلى الانفلات
والضياع والتيه وقد يصل إلى الذوبان فالتلاشي.
والكون كله خلقه الله ثنائي الطبع: إيجابا وسلبا، شفعا ووترا، بعدا
وقربا، حسنا وقبحا... إلى أخره، ومن هذه الثنائيات: الثابت والمتغير. فالمتغيرات
جزء مكمل للثوابت، فليس الكون كله ثابتا ولا كله متغيرا.
والمتغيرات أنواع، منها أحوال البشر المختلفة، والأفكار والآراء
المتقلبة، وطبائع الأزمنة المتعاقبة، وخصائص الأمكنة المتنوعة، ووسائل الحياة
المتبدلة والمتجددة إلخ. وهذه المتغيرات لها ثنائيات من خير وشر، ومفيد ومضر،
ومعروف معتاد ومستغرب غير معتاد، وهكذا.
أخطاء في التعامل مع المتغيرات
هناك تخبط وأخطاء في التعامل مع المتغيرات، من هذه الأخطاء: عدم
التفريق بين الثوابت والمتغيرات، كجعل القضايا النسبية التي تختلف باختلاف الحالات
والظروف قضايا ثابتة. وقد تنقل إشكاليات عصر من العصور إلى عصور أخرى مختلفة
وتثبَّت كمسائل ومقررات العقيدة، رغم انقراض متبنيها واختفاء جدليتها. أو الحكم
على الشعوب والمناطق حكما ثابتا كأنها أقدار نهائية لا تتغير ولا تتبدل، كحكم
التخلف أو التقدم على شعوب محددة بعينها، كأن التقدم والتأخر مرتبط بالعرق والقدر
المحتوم وليس بالسعي والجهد المبذول.
ومن الأخطاء أيضا اعتبار أن كل الأمور متغيرات. وهذا اعتقاد شاع لدى
شريحة من المثقفين الذين تأثروا بالثقافة الغربية، حيث قالوا إن الأشياء كلها ـ
بلا استثناء ـ متغيرة، والثابت الوحيد في الكون هو التغير ذاته، ونسوا أو جحدوا
قضية رب الكون الذي لا يتغير، والدين الحق الذي لا يتبدل، وحتى يتجاهلون القضايا
المنطقية البدهية الأزلية التي لا تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة.
ومن الأخطاء أيضا ـ في المقابل ـ تصور واعتقاد أن الأمور كلها ثابتة
لا يتغير، وعدم الاستعداد لطروء التغيرات الحتمية التي تجتاح كل العصور والأزمنة.
ومن أمثلتها تمسك بعض الدعاة بالخطابات النمطية القديمة التي سيقت في عصر من
العصور أو لمعالجة ظرف معين من القضايا التاريخية، فيجعلونها خطابات ثابتة ومقالات
مرجعية يحومون حولها ويذودون عنها.
ومن الأخطاء أيضا، التوجس من كل متغير، فالاحتماء بدائرة الأمان
الوهمية التي توهم بأن بقاء الحال أفضل دائما من التغيير والتحويل، وهذا من أسباب
التخلف والضعف، فعملية التغيير -بالإضافة إلى كونها حتمية في معظم الأمور- فإنها
أيضا مطلوبة في كثير من القضايا الأساسية. فالأمة ليست مطلوبة فقط بمواكبة
التغيرات بل مطلوبة منها أيضا أن تشارك بل تقود حركة التغيير التي أمرنا بها الشرع
الحكيم. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا
مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11] فمن لم يبادر بالتغيير الواعي المطلوب
داهمه التغيير الإجباري غير المرغوب.
ومن الأخطاء أيضا فقدان البوصلة في خضم تكاثر وتكاثف المتغيرات في
عصرنا الحاضر. بدءا من تغير الأفكار السائدة المهيمنة على عقول الناس التي تروجها
وسائل الإعلام المختلفة، ومرورا بتغير الأنظمة والقوانين، ولا ينتهي عند تغير
وسائل الحياة وأنماطها. فعدم المعرفة بالمعايير وعدم التمسك بالقيم والمبادئ وعدم
الإيمان بالدين الهادي يجعل الإنسان يضيع ويتيه وسط هذا الكم الهائل من المتغيرات.
ومن الأخطاء أيضا بل من أقبحها: عدم المعرفة بالمتغيرات الحاصلة
حولنا، فيجهل الإنسان ماذا يحدث حوله، وبالتالي ينصدم هنا وهناك بالأمور التي
خالفت تصوراته السابقة صداما يضر نفسه وغيره، فلا يفيق إلا بعد أن يقع الفأس على
الرأس كما يقال.
فهم النصوص التي تتحدث عن المتغيرات وجعلها من الثوابت
ومن أخطر الأخطاء في التعامل مع المتغيرات ما يتعلق بالنصوص الشرعية،
خاصة ما يتعلق بأخبار أشراط الساعة والفتن والملاحم، فإن هذه الأخبار الواردة ليست
كلها ثوابت تنطبق في كل العصور وفي كل الأماكن، بل كثير منها إن لم يكن أكثرها
أخبرت عن الأوضاع المتغيرة التي ستحدث بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. وليست
بالضرورة يصح تنزيلها في كل زمان وفي كل بلد.
ومن هذه الأخبار، الحديث عن غربة الإسلام كما رواه مسلم الدين عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا،
فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»
فرغم صحة هذا الحديث إلا أن التريث والتأني في تنزيل هذا الحديث
مطلوب، حتى لا يقع الناس في عكس ما قصده الرسول صلى الله عليه وسلم من مثل هذه
الأخبار. وإثبات ما لا يدل عليه الحديث يؤدي إلى عكس ما يرمي إليه الرسول صلى الله
عليه وسلم. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد غرس الضعف والتشاؤم والإحباط في
نفوس أمته -حاشاه صلى الله عليه وسلم. بل أراد من أمته الاستعداد والثبات في حال
حدوث ذلك لمن أدرك ذلك الحدث أو عاش في تلك المرحلة.
وفي حال حدوث ذلك فليس من الحكمة الاستسلام وقبول حال الضعف والقلة
كأنها حالة ثابتة لا يمكن تغييرها أو قدر محتوم يجب قبوله والرضى به. وقد أخبر
الله أن هذا الدين مصيره الظهور على غيره من الأديان، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي
أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ
كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33] فهذا هو الأصل في الدين
الإسلامي.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الدين سينتشر ويصل إلى كل
بيت في أرجاء المعمورة، ففي مسند الإمام أحمد عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
"لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا
يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا
الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ
الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللهُ بِهِ الْكُفْرَ." [قال الهيثمي: رواه
أحمد، والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح]
على أن غربة الدين قد تعني ضعف التمسك به ونقض عرى الدين وتناقصه شيئا
فشيئا. كما في صحيح ابن حبان عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم: "لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الإِسْلَامِ
عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي
تَلِيهَا، فَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا الْحُكْمُ وَآخِرُهُنَّ الصَّلَاةُ".
وهذا التغير الحادث الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، قابله
تغير آخر نتيجة جهود المجددين لهذه الأمة الذين بعثهم الله على كل رأس مائة سنة،
كما في الحديث الذي رواه أبو داود والحاكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ
اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ
لَهَا دِينَهَا»
فهي عوامل الزمان وعوائد الدهر التي تجري على كل شيء، عوامل التقادم
تليها التناقص والتآكل، تقابلها عوامل أخرى تحمل على التجدد والانتعاش. وهكذا يبقى
هذا الدين حيا ويستمر بقاءه إلى قيام الساعة، يعترضها ضعف في بعض الأجيال ويقابلها
أجيال أخرى تجدد وتواصل المسيرة.
ويظل هذا الدين يتجدد على مر الأزمان وتبقى خيرية هذه الأمة مستمرة لا
يقطعها التقادم ولا يمنعها تبدل العصور، كما في الحديث: أن النَّبِيَّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أُمَّتِي كَالْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ
خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ» [رواه الطبراني في الأوسط، وفي لفظ عند الطبراني في الكبير
عن عمار بن ياسر: "مثل أمتي كالمطر يجعل الله في أوله خيرا وفي آخره خيرا."
وأخرجه البزار بسند جيد عن عمران بن حصين]
وهكذا نفهم الأحاديث في ظل سياق المتغيرات التي هي من سنن الله التي
لا تتغير ولا تتبدل. ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ
لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43]
ومن الأخطاء الكارثية في هذا السياق أيضا، جعل أحاديث افتراق الأمة من
الثوابت بل من أصول العقيدة ومقررات المواد الدعوية الأساسية لدى بعض الناس،
توهُّما منهم أنها من ثوابت الدين وليست من متغيراته. رغم أن الأمر بالاتحاد
والنهي عن التفرق هي المُحكَمات الثابتة الشرعية التي لا ينسخها شيء ولا تعارضها
آية أو حديث.
فالأمر الثابت في هذا الباب هو قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ
اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103] وقوله تعالى: ﴿أَنْ
أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13] وكذلك الحديث
المتفق عليه: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ
بَعْضُهُ بَعْضًا." وغيرها كثير ومعروف.
فكل الأحاديث التي تخبرنا عن حدوث الافتراق في هذه الأمة لا تنسخ تلك
النصوص التي تأمرنا بالاتحاد وتنهانا عن التفرق. كما أن الإخبار عن حدوث الفتن
والاقتتال بين أفراد الأمة ليس طلبا لها ولا تشريعا. إنما هي التحذير والمطلوب منه
اجتنابها وليس اقترافها، فالأمور المنهية المحكمة تبقى منهية إلى يوم القيامة.
فمن الخطأ ـ بل من الجناية ـ أن يبني الداعية أو العالم كل نشاطه
الدعوي أو العلمي على حالة الفرقة ومتشبثا بها، فيظل يعمّق ويكرس حالة الفرقة،
فبدل أن يصلح وضع الأمة ويسعى إلى جمع الكلمة، يجتهد هذا المسكين في التفريق
والإفساد من حيث يشعر أو لا يشعر.
وهكذا فهذه نماذج من صور التخبط في التعامل مع المتغيرات.
المتغيرات وحتمية التغيير
إن المتغيرات ما هي إلا تجليات لظاهرة التغيير، والتغيير نوعان: تغيير
قام به الإنسان وتغيير خارج سعي الإنسان، والله تعالى لم يرد من الإنسان أن يكون
سلبيا تجاه ظواهر التغيير، وقد بيّن الله تعالى العلاقة التفاعلية بين التغييرين
في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا
مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]
روى ابن أبي حاتم بسنده عن إبراهيم النخعي قال: أوحى الله إلى نبي من
أنبياء بني إسرائيل: أن قل لقومك: إنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يكونون على
طاعة الله فيتحولون منها إلى معصية الله، إلا تحول لهم مما يحبون إلى ما يكرهون،
ثم قال: إن مصداق ذلك في كتاب الله: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}
وروى ابن أبي شيبة بسنده عن عمير بن عبد الله قال: خطبنا علي بن أبي
طالب على منبر الكوفة، قال: كنت إذا سكت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأني،
وإذا سألته عن الخبر أنبأني، وإنه حدثني عن ربه، عز وجل، قال: "قال الرب:
وعزتي وجلالي، وارتفاعي فوق عرشي، ما من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على ما كرهت
من معصيتي، ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي، إلا تحولت لهم عما يكرهون من
عذابي إلى ما يحبون من رحمتي."
فهاتان صورتان أساسيتان للتغيير: التغيير إلى الأحسن بسبب الطاعة،
والتغيير إلى الأسوأ بسبب المعصية، الصورة المطلوبة وعكسها. وقد يكون هناك قسم
ثالث هو التغيير إلى المساوي فهو تغيير مقبول إذا لم يفتح الذريعة إلى الأسوأ، بل
يكون مطلوبا إذا كان طريقا إلى الأفضل أو إلى المحافظة على الصلاح القائم، كقصد
التنويع والتجديد.
وهذا التصور المبسط يمكن جعله بوصلة هادية للخوض في معترك المتغيرات
الكثيرة المعقدة، فالنظرة المعيارية لرصد التغيرات تساعد على ضبط الوجهة في
الاشتباك مع تحركات المتغيرات حولنا.
والإنسان مع المتغيرات على ثلاثة مواقف: إما سلبي خاضع لأي تيار جارف
ومنجرّ بأي تغير حاصل، أو مقاوم لأي تغير داهم رافض لأي تحول قادم، أو مستقل
بإرادته وممسك بزمام أمره وعارف بما هو مطلوب من زمانه، فيستفيد من التيار المفيد
ويسلم ويحصن نفسه من الموجات الفاسدة. فالأول ضائع، والثاني تالف، ولا يربح
المعركة إلا الصنف الثالث بإذن الله تعالى وتوفيقه.
متغيرات مستقبلية يجب الاستعداد لها وإعدادها
لقد عشنا في عالم مليء بالتغيرات، وشاهدنا أنماطا كثيرة من المتغيرات،
ولا ينتهي العمر بالكلام عن تفاصيلها، إلا أنه بوسعنا أن نركز على ثلاثة ميادين
أساسية للمتغيرات:
الأول: تغير موازين القوى الدولية ويتبعها تغير السياسات والتوجهات
والمصالح الناتجة عنها. وهذا الميدان في هذه المرحلة التاريخية بالذات هو أكثر هذه
الميادين تحولا وأكبرها أثرا وأقواها ظهورا.
إن العالم تغير، هناك قوى صاعدة كانت في السابق ضعيفة، وأخرى ضعفت
كانت في السابق قوى عظمى. وهناك دول تقدمت بعد أن كانت متأخرة، وأخرى تأخرت بعد أن
كانت متقدمة.
ومن الخطأ البقاء على التصور السابق الذي يوهم الناس أن القوى العظمى
بقيت على عظمتها، وأن ما كان ضعيفا سيبقى ضعيفا إلى الأبد.
والأمة الناهضة هي أول من يطالب برصد هذه الحقيقة والاستفادة منها.
الثاني: تطور العلوم والتكنولوجيا. فهذا التغير ليس جديدا، فتطور
العلوم والتكنولوجيا الحديثة قد بدأ قبل ثلاثة قرون تقريبا، ولكن وتيرته تسارعت في
هذا الزمان مع تطور تقنيات الحوسبة والرقمنة، مما يؤدي إلى تسارع انتقال المعلومات
والأفكار، التي هي الأدوات الرئيسة للتغيير في الأساس.
فالمسلم المعاصر -بالإضافة إلى ضرورة مواكبة هذا التطور كيلا يسحقه
الزمان- فإن الموقع اللائق بالمسلم صاحب الرسالة الربانية أن يكون له دور ريادي
وإسهام إيجابي في هذا المضمار. وما أجمل أن يكون صاحب دين الرحمة للعالمين قائدا
للتغيير رائدا في التقدم الحضاري.
والميدان الثالث للمتغيرات هو ميدان الأفكار والمفاهيم، فهذا ميدان
قديم وعريق. وهو أساس كل تغيير ومحور كل تحول. فمن استوعب المتغيرات في هذا
الميدان ويعرف الطريق إلى السباق فيه على عقول الناس، فقد وصل إلى موقع القيادة
الإنسانية والريادة الحضارية، وحقق بذلك الرسالة العالمية.
واجباتنا نحو المتغيرات
ثم إن واجباتنا نحو المتغيرات تكون على مستويات: (1) مستوى الرصد
والمعرفة (2) ثم مستوى التقييم وتحديد الموقف (3) ثم مستوى المواكبة والتأقلم (4)
ثم مستوى المبادرة والابتكار.
أما مستوى الرصد والمعرفة فيتمثل في: التعرف على ظواهر التغير
وأنماطها ورصد آلياتها وعواقبها.
وبعده يأتي مستوى التقييم وتحديد الموقف تجاه هذه التغيرات، ما يقبل
منها وما يرفض، ما يمكن الاستفادة منها وما لا فائدة فيها وما فيها ضرر، فيحدد
الموقف بناء على هذه المعطيات.
ثم يأتي بعد ذلك مستوى المواكبة والتأقلم، فإن من المتغيرات ما يفرض
وجودها ويتعين قبولها وما لا محيد عن التعامل معها، فهنا يجب التأقلم معها، وبعض
تلك المتغيرات يجب مواكبتها لأنها عبارة عن مظاهر التقدم والرقي المدني، وما كان
كذلك فمسايرتها ومتابعتها شيء محمود ومطلوب، وهذا لا يتم ولا يصح إلا بعد مرحلة
التقييم وتحديد الموقف، حتى لا ننجر مع التيار بلا وعي وبغير بصيرة.
ويحسب الكثيرون من الناس أن التقدم هو في مواكبة العصر فحسب، وهذا
خطأ، وهو عبارة عن الأزمة العقلية والفكرية التي لا تتعدى موقف التبعية والتقليد.
أما الأمة التي أخرجت للناس لتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر فيجب عليها أن
تتعدى وترتقي إلى مستوى أعلى من ذلك. وهو مستوى المبادرة والابتكار.
فالأمة التي تحمل رسالة هداية
الناس لا تؤدي دورها المطلوب بغير المبادرة إلى سبل الخير فتقدم للناس أشكالا
وألوانا من صور الخير بكل أبعاده المادية والمعنوية. والله المستعان وعليه
التكلان.