معالم إرشادية في صناعة الإفتاء السياسي
بقلم: د.سالم الشيخي
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
بحمدِ الله وتوفيقه، انتهينا الأسبوعَ
الماضي من الدورة العلمية الموسومة بـ «مهارات الاجتهاد المقاصدي وتطبيقاتها في
النوازل السياسيّة المعاصرة»، وقد أفاض الله علينا من فضله ورحمته، فكانت النتائج
أطيبَ وأجملَ ممّا توقّعت.
شهدت الدورةُ حضورًا متميّزًا تجاوز مئةً
وعشرين أستاذًا وأستاذةً، إضافةً إلى عددٍ كبيرٍ من طلبة العلم الشرعي من اتجاهاتٍ
متعدّدةٍ ودولٍ مختلفة، وقد أفدتُ كثيرًا من ملاحظاتهم، وكان لمشاركتهم الفاعلة
دورٌ بارزٌ في إنجاح ورش العمل التي استغرقت ساعاتٍ طويلة، إلى جانب جلسات الدورة
التي توزعت على مدى ثلاثة أسابيع.
ومن جملة ما تناولناه في المقدمات
الممهّدة للدخول إلى الدورة التدريبيّة مقدّمةٌ تتعلّق بالمعالم الإرشاديّة في
الإفتاء في المجال السياسي، وقد طلب بعضُ الأفاضل نشرَ هذه المعالم باختصارٍ قدرَ
الاستطاعة، وهي عشرةٌ كاملة، أمّا التفصيلاتُ الموسّعةُ لتلك المباحث، فأسأل الله
تعالى أن يُعجّل طباعة الكتاب الذي أعددتُه بعنوان:
»مهارات الاجتهاد المقاصدي وتطبيقاتها في
الفتاوى السياسية المعاصرة.
«
وهذه – بإيجاز – هي أهمّ تلك المعالم،
وأعتذر عن الإطالة رغم حرصي على الاختصار قدرَ الإمكان.
أولًا:
موضوع الفقه هو أفعال المكلَّفين
من
المعلومِ أنَّ موضوعَ علمِ الفقه هو أفعالُ المكلَّفين، إذ تدورُ عليها الأحكامُ
الشرعيَّةُ بنوعيها: التكليفيَّةِ والوضعيَّةِ، وهما معًا يشكِّلان الإطارَ
العامَّ للمنظومةِ التشريعيّةِ الفقهيَّةِ في الإسلام، فـفعلُ المكلَّف لا يخرجُ
عن حُكمٍ من الأحكامِ التكليفيَّةِ المقرَّرةِ شرعًا، وهي: الوجوبُ، والحرمةُ،
والنَّدبُ، والكراهةُ، والإباحةُ.
وأفعالُ
المكلَّفين – التي تشملُ الأعمالَ والأقوالَ والنِّيّاتِ – هي ميدانُ الخطابِ
الشرعيِّ، وعليها تدورُ الأحكامُ الخمسةُ سلبًا أو إيجابًا.
وقد أجمعَ
العلماءُ على شمولِ الشريعةِ الإسلاميَّةِ لكلِّ تصرُّفاتِ المكلَّفين، وأنَّ
لكلِّ فعلٍ حُكمًا شرعيًّا محدَّدًا، وأنَّ الشريعةَ عامَّةٌ لا يخرجُ عن سلطانِها
مكلَّفٌ قط، فوقَ أيِّ أرضٍ وتحتَ أيِّ سماءٍ.
ومن هذا
المعنى انبثقت القاعدةُ الأصوليَّةُ المشهورةُ»: ما من حادثةٍ إلَّا وللهِ فيها حُكمٌ« وهي قاعدةٌ جاءت في صِيَغٍ متعدِّدة، منها
قول الإمامِ الشافعيّ – رحمه الله
–»:فليست
تنزل بأحدٍ من أهل دين الله نازلةٌ إلّا وفي كتاب الله دليلٌ على سبيل الهدى فيها«.
ومقصودُ
هذه القاعدةِ أنَّ كلَّ أمرٍ جديدٍ أو نازلةٍ طارئةٍ تقع في حياةِ الناس، فلا بدَّ
أن يكونَ لها في دينِ اللهِ حُكمٌ من هذه الأحكامِ الخمسة، يجبُ طلبُهُ بالبحثِ
والاجتهادِ ومعرفتِه والعملِ بمقتضاه.
ثانيًا:
السياسة من أفعال المكلفين
والحُكمُ
الشرعيُّ – الذي هو خطابُ اللهِ المتعلِّقُ بأفعالِ المكلَّفين بالاقتضاءِ أو
التخييرِ أو الوضعِ – يشملُ جميعَ الأفعالِ، ومن ذلك الفعلُ السياسيُّ وسائرُ
التصرفاتِ العامَّة.
فـالسِّياسةُ
– كغيرِها من أفعالِ المكلَّفين – لا تخرجُ عن عملٍ أو قولٍ أو نيَّةٍ، وهي بذلك
خاضعةٌ لأحكامِ الشريعةِ، محكومةٌ بمقاصدِها وضوابطِها، ولذلك فإنَّ الفعلَ
السياسيَّ أو القرارَ السياسيَّ أو التصرُّفَ أو الأداءَ السياسيَّ لا يمكنُ أن
يخرجَ عن مجالِ موضوعاتِ الفقه التي يُحدِّدها التشريعُ الإسلاميُّ.
فكلُّ
تدبيرٍ إداريٍّ أو قرارٍ سلطانيٍّ إنما يدورُ حكمُه بين الواجبِ والمندوبِ
والمباحِ والمكروهِ والمحرَّمِ، بحسبِ مقاصدِه ونتائجِه ومآلاتِه.
وعلى ذلك،
فإنَّ السِّياسةَ الشرعيَّةَ ليست أمرًا خارجًا عن نطاقِ الفقه، بل هي جزءٌ من
تطبيقاتِه العمليَّة في مجالِ تدبيرِ الشأنِ العامِّ للأمَّة، تحتَ سلطانِ
الشريعةِ وأحكامِها ومقاصدِها.
ثالثًا:
الأصل في الأفعال السياسية الإباحة
الأصل في
الأفعال السياسية هو الإباحة، وذلك جريًا على القاعدة المتفق عليها بين العلماء:
أنّ الأصل في العادات والمعاملات الإباحة، كما أنّ الأصل في العبادات التوقيف، فلا
يُشرَع منها إلّا ما شرعه الله تعالى.
فالأفعال
السياسيّة – وهي من جملة التصرفات العاديّة لا التعبدّيّة – يدخلها هذا الأصل، فلا
يُمنع منها شيءٌ إلّا بدليلٍ خاص، ومن أراد أن يُحرِّم فعلاً سياسيًّا بعينه،
فعليه أن يأتي بالدليل الشرعي على تحريمه.
غير أنّ
انتقال الفعل السياسي من الإباحة إلى الوجوب أو الندب، أو إلى التحريم أو الكراهة،
لا يكون إلّا بدليلٍ يقتضي ذلك الانتقال، وهذا الانتقال يكون على وجهين اثنين:
الاقتضاء الأصلي:
وهو أن
يكون الفعل السياسي مخالفًا لنصٍّ شرعيٍّ صريحٍ جاء بتحريمه، كالكذب، والغدر،
والخيانة، والقتل بغير حق، ونحو ذلك من الأفعال التي حُرِّمت ابتداءً، فلا يصح أن
تُوصَف بالإباحة لمجرد كونها تصرفًا سياسيًّا، فهذه الأفعال محظورةٌ على الإطلاق،
لأنّ التحريم فيها قائمٌ على اقتضاءٍ أصليٍّ ثابتٍ بنصوص الوحي.
الاقتضاء التبعي:
وهو أن
يكون الفعل في أصله مباحًا، ثمّ ينتقل عن الإباحة عند تزاحم المصالح والمفاسد،
فيُرجَّح أحد الطرفين وفقًا للقواعد المقاصديّة؛ فيُطلب الفعل إذا غلبت مصلحته، أو
يُترك إذا ترجّحت مفسدته،
ويبقى السؤال: هل ينتقل الفعل السياسي من
الإباحة إلى الندب أو الكراهة؟
الذي يظهر
– وفقًا لقاعدة الإمام الشاطبي رحمه الله – أنّ النظر الكلّي في المقاصد هو الذي
يحكم هذا الانتقال، فالإباحة حين تُنظر في إطارها الكلّي- أي ضمن المقاصد العامّة
والسياسة الشرعيّة الجامعة- تنتقل عادةً إلى الوجوب إذا ترتب على الفعل تحصيل
مصلحةٍ عامّةٍ ضروريّة، أو إلى التحريم إذا ترتب عليه تفويت مصلحةٍ ضروريّةٍ أو
جلب مفسدةٍ عامّة.
أمّا
الانتقال إلى الندب أو الكراهة في الأفعال السياسيّة فقلّ أن يقع، لأنّ السياسة
بطبيعتها فعلٌ كلّيٌّ مرتبطٌ بالمصالح العامّة لا الجزئيّة الخاصّة، ولهذا فإنّ
الأحكام الشرعيّة المتعلّقة بالفعل السياسي تدور غالبًا بين الوجوب، والتحريم،
والإباحة، حسب ما يغلب فيها من مقاصدٍ ومآلات.
رابعًا:
الأفعال السياسيّة تدور على قاعدة المصالح والمفاسد
الأفعال
السياسيّة في جوهرها تدور على قاعدة المصالح والمفاسد، ذلك أنّ السياسة الشرعيّة –
كما تبيّن في تعريفها – قائمةٌ على تحقيق الصلاح والإصلاح والمصلحة، وتدور أحكامها
على المعاني المصلحيّة التي ترعى مقاصد الشريعة وتسدّ ذرائع الفساد.
في واقعنا
المعاصر- حيث تشابكت المصالح وتداخلت المفاسد- أصبح الحكم الشرعي المتعلّق بالفعل
السياسي متوقفًا على قواعد إعمال المصالح والمفاسد، إذ لا يمكن النظر إلى الفعل
بمعزلٍ عن مآلاته ونتائجه العامة، فمتى تبيّن للمجتهد – بعد النظر المتوازن
والتقدير الصحيح – أنّ هذا الفعل السياسي يُرجّح جانب المصلحة، وجب عليه أن يحكم
بوجوبه إن كان تحقيق تلك المصلحة من قبيل الضرورات أو الحاجات العامّة، أو أن يحكم
بندبه إن كان من قبيل الآداب العامّة أو المصالح التحسينيّة التي يُستحب تحصيلها.
وعلى
العكس، إذا تبيّن أنّ الفعل السياسي يؤدّي إلى مفسدةٍ تُخالف مقصود الشرع، فإنّ
الحكم ينتقل إلى التحريم إذا كانت المفسدة واقعةً في شؤون الناس ومصالحهم العامّة،
أو إلى الكراهة إن كانت المفسدة يسيرةً وتدور في نطاق الآداب والسلوكيّات الفرديّة.
وعليه،
فإنّ مدار الحكم الاجتهادي في باب السياسة الشرعيّة هو المصالح والمفاسد؛ فحيثما
وُجدت المصلحةُ الراجحة فثمّ الوجوبُ أو الندب، وحيثما وُجدت المفسدةُ كان المنعُ
أو الكراهةُ، وبهذا يتضح أنّ المقصد الأعلى في الفعل السياسي هو تحقيق المصلحة
العامّة ودرء المفسدة، وفق ضوابط الشريعة وموازينها المقاصديّة الدقيقة.
خامسًا:
الاجتهاد في الإفتاء السياسي بين فقه الواقع وفقه الاستنباط
إنَّ
النظرَ الاجتهاديَّ في النوازلِ السياسيّةِ عملٌ بشريٌّ راقٍ يقوم على جهدٍ علميٍّ
مركَّب، ومن ثمّ فهو يتفاوتُ باختلافِ المجتهدين، تبعًا لمدى إحكامهم للمعاييرِ
الشرعيّةِ التي ينبغي مراعاتها عند النظر في الوقائعِ السياسيّةِ المتجدّدة.
وأصلُ هذه
المعايير أن يدركَ المجتهدُ أنَّ تنزيلَ الأحكامِ الشرعيّةِ على الوقائعِ السياسيّةِ
إنّما هو ثمرةُ تفاعلٍ بين نوعين من الفقهِ والفهمِ والنظر، هما:
فقهُ الاستنباط، وهو الفقهُ بالنصوصِ
الشرعيةِ وأصولِها ومقاصدِها وكيفيةِ استنتاجِ الأحكامِ منها،
وفقهُ الواقع، وهو الفهمُ الدقيقُ لطبيعةِ
الواقعِ السياسيِّ، وملابساته، والعواملِ المؤثرةِ فيه، وأبعادهِ الاجتماعيّةِ
والاقتصاديّةِ والإقليميّة.
وهذا الأصلُ مقرّرٌ عند أهلِ العلم،
ومجمَعٌ عليه بين الأصوليّين، إذ لا يمكنُ تصوّرُ تكييفٍ وتنزيلٍ صحيحٍ للأحكامِ
الشرعيّةِ على الوقائعِ السياسيّةِ المتغيّرة دون وجودِ تصويرٍ دقيقٍ للواقع،
فالواقعُ هو الأرضيّةُ الحقيقيّةُ التي يُبنى عليها الحكمُ الشرعي، ودونِها يكونُ
الاجتهادُ قاصرًا أو منحرفًا عن وجهِه الصحيح،
وقد نبّهَ
إلى هذا المعنى كلٌّ من الإمامِ الشاطبيِّ وابنِ القيمِ رحمهما الله، مؤكِّدَين
أنَّ الحكمَ على الشيءِ فرعٌ عن تصوّره، وأنّ سلامةَ التصوّرِ مقدّمةٌ لازمةٌ
لصوابِ التنزيل.
ومن هنا،
فإنَّ أهميةَ فقهِ الواقع لا تقتصرُ على مرحلةِ التنزيل فحسب، بل يحتاجُ إليه
المجتهدُ في مرحلتين أساسيتين:
المرحلة الأولى: عند النظرِ الابتدائيِّ في النازلة،
لتكييفِها وتوصيفِها على نحوٍ دقيقٍ يضعها في موضعِها الصحيح ضمن الخريطةِ
المعهودةِ عند الفقهاء.
المرحلة الثانية: عند تنزيلِ الحكمِ الشرعيِّ على تلك
النازلة، أي في تحقيقِ المناط، إذ لا يُمكنُ تحقيقُ مناطِ الحكم دون فهمٍ شاملٍ
للعواملِ الواقعيّةِ المؤثرةِ في المسألة.
وبذلك يتبيّن أنَّ الاجتهادَ السياسيَّ
الصحيح لا يكتملُ إلا بامتزاجِ فقهِ الاستنباطِ بالنصوصِ مع فقهِ الواقعِ
والوقائع، حتى يتكوَّنَ من مجموعِهما نظرٌ شرعيٌّ متوازنٌ يُحسنُ قراءةَ النصِّ
والمشهدِ معًا، في ضوءِ مقاصدِ الشريعةِ وضوابطِها الكليّة.
سادسًا:
دور الخبير السياسي في تصوير المسألة
إنَّ
المجتهد في الفتاوى السياسية يحتاج – كما سبق بيانه – إلى حُسنِ تصوّر المسألة في
أبعادها المختلفة، لأنّ النوازل السياسيّة في هذا العصر قد تشعّبت فيها المعاني
المصلحيّة، وتداخلت فيها الاعتبارات المحليّة والإقليميّة والدوليّة، حتى أصبح من
العسير على المتخصّص الواحد أن يُدرك جميع أبعادها وآثارها، فضلًا عن الفقيه الذي
ليس من أهل التخصّص السياسي الدقيق؛ فتصوّره للمسألة يكون أشدّ صعوبةً وأعظم
التباسًا.
لذلك فإنّ تصوير المسألة وإدراك حقيقتها
الواقعيّة – وهو الركن الأول في الاجتهاد الصحيح – لا بدّ أن يُبنى على أحد طريقين
لا ثالث لهما:
الطريق الأول: مباشرة المجتهد للنازلة
بنفسه
وذلك بأن
يقف المجتهد بنفسه على تفاصيل النازلة ويعاين وقائعها ومعطياتها، وهذا ممكن في بعض
النوازل الماليّة أو الطبيّة أو الاقتصاديّة أو الاجتماعيّة، حيث يستطيع الفقيه
الاطلاع على العقود والوثائق، أو لقاء أصحاب المؤسّسات، أو مشاهدة الممارسات
مباشرة، إلّا أنّ هذا الطريق يصعب تطبيقه في القضايا السياسيّة، نظرًا لتعقّدها
وتشابك عناصرها، وتعدّد مستوياتها الزمانيّة والمكانيّة، وتداخل الموازين المصلحيّة
فيها بين المصالح والمفاسد، فضلًا عن صعوبة الوصول المباشر إلى مراكز صناعة القرار
ومصادر المعلومات الدقيقة.
الطريق الثاني: الاستعانة بأهل الخبرة
والاختصاص
وهذا هو
الطريق الأيسر والأكثر اعتمادًا عند أهل الاجتهاد، وهو أن يتعرّف المجتهد صورة
المسألة وأبعادها من خلال أهل الخبرة الموثوقين في المجال السياسي، الذين يملكون
فهمًا دقيقًا للوقائع وتحليلًا متوازنًا للمآلات.
ودور
الخبير هنا لا يقتصر على نقل المعلومات المجرّدة، بل يتمثّل في بيان الأوصاف
المصلحيّة – المصالح والمفاسد – التي يتوقّف عليها الحكم الشرعي وجودًا وعدَمًا،
أي إيضاح المعطيات الواقعيّة التي تُبنى عليها عمليّات التكييف الفقهي والنظر
الاستدلالي.
من الأفضل
أن يكون هذا التصوير جماعيًّا، بأن يُستمع إلى مجموعة من الخبراء المتخصّصين في
مجالات متعدّدة – سياسيّة، اقتصاديّة، اجتماعيّة، أمنيّة – بحيث تتكامل رؤاهم،
ويتفحّص المجتهد أقوالهم، ويستوضح منهم الجوانب التي يبني عليها حكمه في النهاية.
وهنا ينبغي التنبيه إلى أنّ مجال الاعتماد
على قول الخبراء إنّما يكون في المسائل السياسيّة المركّبة التي تتشابك فيها
العوامل، وتتداخل فيها المصالح والمفاسد، ويعسر على غير المتخصّص الإحاطة بأبعادها
وآثارها، أمّا المسائل السياسيّة البيّنة الواضحة التي يدرك حقيقتها عامّة الناس
وتُعرف صورتها من غير خفاء، فهذه لا تحتاج إلى استعانةٍ بخبيرٍ أو متخصّصٍ، لأنّ
تصورها متاحٌ ومكشوف، ولا يختلف عليه الناس في جوهره.
فالمجتهد لا يستغني عن أهل الخبرة إلّا
فيما وضح وجهه وظهر مسلكه، أمّا ما اشتبه وتعقّد من النوازل السياسيّة، فلابد فيه
من العلماء والخبراء معًا؛ العلماء لفهم النصوص وضبط المقاصد، والخبراء لتصوير
الواقع وتقدير المآلات، وهذه الطريقة هي التي سار عليها أهل الاجتهاد منذ صدر
الإسلام.
إنّ في هذه المنهجية مظهرًا من مظاهر
استفراغ الوسع في الفهم قبل الإفتاء، ودليلًا على فقه المآلات وحُسن التبصّر في
النوازل السياسيّة. غير أنّ على المجتهد أن ينتبه للجهة التي يستفتيها أو يستعين
بها من الخبراء، وأن يتثبت من أمانتهم ومهنيّتهم واستقلال نظرتهم، لأنّ فساد
المصدر يؤدّي إلى فساد التصوّر، ومن ثمّ إلى انحراف الحكم الشرعي عن مقصده.
سابعًا:
أمانة الخبير في توصيف الواقع السياسي
يتفرّع عن
دور الخبير في تصوير المسألة السياسيّة واجبٌ شرعيٌّ وأخلاقيٌّ عظيم، هو أداء
الأمانة في نقل صورة الواقع كما هي دون تحريفٍ أو انتقاءٍ أو تضليل.
فيحرُم
على أهل الخبرة والاختصاص في المجال السياسي أن يُخفوا بعض المعاني المصلحيّة، أو
أن يُشوِّهوا صورة الواقع تكبيرًا أو تصغيرًا، أو أن يُلبِسوا الحقائق لبوسًا غير
لبوسها، ابتغاءَ فتوى شرعيّةٍ تُحقّق لهم أو لجهاتهم مكاسب شخصيّة أو حزبيّة أو
سلطويّة.
إنّ هذا المسلك يُعدّ في ميزان الشريعة
كتمانًا للشهادة وخيانةً للأمانة، لأنّ المجتهد إنّما يبني حكمه على ما يُقدَّم له
من معطياتٍ ووصفٍ للنازلة، فإذا كان الوصف مزيَّفًا أو ناقصًا أو موجّهًا، انحرف
الحكم تبعًا لذلك، وهذا من أخطر ما يواجه الاجتهاد السياسي المعاصر، حيث يُلحظ –
في واقع بعض الأزمنة والبلدان – أنّ توصيف المسائل السياسيّة لا يُعبّر عن
حقيقتها، بل يُصاغ بما يخدم أهواء جماعاتٍ أو مصالح حكوماتٍ وسلاطين، فتُطلب
الفتوى مسبقة النتيجة، ويُحرّف مسارها من خلال تصويرٍ مغلوطٍ للواقع، حتى تُخرِج
الحكم الشرعي في المآل مطابقًا لأهواء المستفيدين.
لقد أدرك
العامة قبل الخاصة فساد هذه الممارسة، إذ يظهر التناقض بين الفتوى المعلنة والواقع
الماثل، فيعلم الناس أنّ الخلل لم يكن في النصوص الشرعيّة، وإنّما في تحريف توصيف
الواقع الذي بُنيت عليه الفتوى.
إنّ الخطر لا يقف عند حدّ تضليل المفتي،
بل يمتدّ إلى تشويه الوعي العام وتبديد ثقة الناس بالعلماء، لأنّ الفتوى – في
صورتها النهائيّة – تُنسب إلى الشرع، بينما حقيقتها متأثرةٌ بتلاعب الخبراء أو
السائلين الذين غلّفوا الصورة الواقعيّة بمصالحهم الحزبيّة أو السياسيّة، فحجبوا
عن المجتهد الرؤية الصافية،
ولمعالجة هذا الخلل، ينبغي أن يُعتمد –
كما أُشير سابقًا – على الصيغة المؤسسيّة الحديثة في جمع المعلومات السياسيّة
وتحليلها، من خلال مراكز الدراسات السياسيّة الموثوقة والحياديّة، التي ترصد
النوازل السياسيّة وتشخّصها، وتحرّر المعاني المصلحيّة – المصالح والمفاسد – فيها
بموضوعيّةٍ ودقّةٍ علميّة، وبذلك يُتاح للمجتهد أن يبني نظره وموازناته على
معطياتٍ صحيحةٍ وموثوقة، فيصدر حكمه الشرعي بعد تحقيق مناطٍ سليمٍ ورؤيةٍ واقعيّةٍ
متكاملة.
ثامنًا:
حدود دور الخبير السياسي وتحريم إفتائه في الأحكام الشرعيّة
إنّ
الخبير السياسيّ، مهما بلغ من العلم والدراية بوقائع السياسة وتعقيداتها، ليس من
أهل الإفتاء الشرعي، ولا يجوز له أن يتصدّى لبناء الأحكام أو إصدار الفتاوى في
النوازل السياسيّة، لأنّ الإفتاء عملٌ اجتهاديٌّ يقوم على معرفةٍ عميقةٍ بأدلّة
الشريعة، وقواعد الترجيح، والموازنات المقاصديّة، وهي علوم لا تدخل في نطاق اختصاص
الخبير السياسي.
فدور الخبير ينحصر في الشهادة على الواقع
وكشف معطياته، أي في بيان الصورة الواقعيّة للأحداث والعلاقات والمصالح والمفاسد،
دون أن يتجاوز ذلك إلى إصدار حكمٍ شرعيٍّ عليها، أمّا بناء الحكم، وتقدير المآلات،
وتطبيق القواعد الأصولية والمقاصديّة على هذا الواقع، فهو من اختصاص أهل الاجتهاد
الشرعي الذين جمعوا بين فقه النصوص وفقه المقاصد.
ولذلك، يحرم على الخبير السياسي أن يُفتي
في المسائل الشرعيّة، ولو كانت من نطاق تخصّصه الواقعي، لأنّه جاهلٌ بكيفيّة إعمال
قواعد الموازنات المقاصديّة، ولا يملك أدوات الترجيح بين الأدلة الشرعيّة أو
المعاني المصلحيّة أو فهم مناطات الأحكام، كما لا يصحّ أن يُوضع قول الخبير
السياسي المنحرف أو المتجاوز في مقابل قول أهل العلم والاجتهاد، لأنّ هذا خلطٌ بين
الشهادة على الواقع والفتوى في الدين.
إنّ الاحتياج إلى الخبراء والمتخصّصين في
المجال السياسي هو احتياجٌ إلى فهم الواقع وتشخيصه، بسبب تشابك منظومة المصالح
والمفاسد فيه، وليس احتياجًا إلى مشاركتهم في بناء الحكم الشرعي أو ترجيح الأدلة، فإذا
تجاوز الخبير هذا الحدّ، وتجرّأ على القول في الدين، أو حاول أن يوجّه الفتوى وفق
رؤيته السياسيّة، فقد تعدّى طوره، وقال على الله بغير علم، وهو من أعظم المحظورات
في ميزان الشريعة.
إنّ التكامل الصحيح في مجال الإفتاء
السياسي يقوم على تعاونٍ منضبطٍ بين العالم المجتهد والخبير المختص؛ فيُقدِّم
الخبير الواقع كما هو، ويُنزِّل المجتهد النصوص على هذا الواقع في ضوء المقاصد
والضوابط، دون أن يتجاوز أحدهما حدّه أو يحلّ محلّ الآخر.
تاسعًا:
الخلاف في توصيف الواقع بين أهل الخبرة السياسيّة وأثره في توثيق الفتوى
قد يقع
الخلاف بين أهل الخبرة السياسيّة في توصيف الواقعة أو النازلة محلّ البحث، وخاصةً
في النظر المصلحي المرتبط بها، إذ يختلف تقديرهم في بيان الأوصاف المصلحيّة التي
يتوقّف عليها إصدار الحكم الشرعي، فقد يرى بعضهم أنّ الفعل السياسي المعيّن تترتب
عليه مصالح راجحة، بينما يرى آخرون أنّ فيه مفاسد غالبة، أو يختلفون في تقدير
مقدار المصلحة أو المفسدة من حيث امتدادها الزمني أو وزنها في ميزان المصالح العامّة
والخاصّة.
وفي مثل هذه الحالات، لا يجوز للمجتهد أن
يتعامل مع آراء الخبراء على حدٍّ سواء، بل عليه أن يُعمل منهج الترجيح في الشهادات
الخبرية، ليعرف من منهم أقرب إلى الواقع وأصدق في توصيفه، ويتحقّق ذلك أولًا
بالنظر في مدى التخصص والخبرة العملية؛ فإن كانت المسألة السياسيّة من صميم اختصاص
خبيرٍ بعينه دون غيره، وكان له باعٌ في ممارستها ومعرفة تفاصيلها الدقيقة، قُدِّم
قوله على سواه، فإن تساووا في درجة التخصّص والخبرة، انتقل النظر إلى معيارٍ آخر،
هو الاستقامة في الموقف والانحياز للمصلحة العامّة؛ فيُقدَّم من كان أقرب إلى
الإنصاف وأبعد عن الهوى، ممن عُرف بالصدق والنزاهة، ولم يُعرف عنه انحيازٌ حزبيٌّ
أو مصلحيٌّ أو تبعيٌّ للسلطة أو لجماعةٍ بعينها.
فمن كان من أهل الخبرة أصدقَ وصفًا
للواقع، وأحرصَ على تحقيق المصلحة العامّة، وأبعدَ عن المنافع الذاتيّة أو الحزبيّة
أو الحكوميّة، وجب على المجتهد أن يُقدّم قولَه، لأنّه الأقرب إلى تصوير الحقيقة
التي تُبنى عليها الفتوى الشرعيّة، وبذلك يكون المجتهد قد وثَّق فتواه على أساسٍ
من الشهادة الراجحة، وجمع بين فقه النصوص وصدق الواقع، وأمِنَ من الانحراف الناشئ
عن التباس التصوير أو تلوّث الشهادة بالهوى، وهو ما يُعدّ من أهم الضوابط المنهجيّة
في الاجتهاد السياسي المقاصدي المعاصر.
عاشرًا:
دور المجتهد في بيان الحكم الشرعي في النوازل السياسيّة
بعد أن يأخذ المجتهدُ الشرعيُّ تصويرَ
المسألة من أهلِ الخبرةِ والاختصاص في المجالِ السياسي، يبدأ في مباشرةِ مراحلِ
النظرِ الاجتهاديِّ التي تتدرّج من توصيفِ المسألة إلى صياغةِ الحكمِ الشرعيِّ
النهائي.
المرحلة الأولى: توصيف المسألة ووضعها على
الخريطة الفقهية
يحلّل المجتهدُ أوّلًا التصويرِ
المقدَّم من الخبراء، فيضعُ المسألةَ على الخريطةِ الفقهيّةِ المعهودةِ عند
الفقهاء، محدِّدًا نوعَها وموضوعَها ومحلَّ الحكمِ فيها.
وهنا يبدأ النظرُ في مدى انضباطِ هذا
التصويرِ بالواقع، وهل الوصفُ الذي قُدِّم له صحيحٌ ومعتبرٌ شرعًا أم فيه خللٌ أو
انحراف، لأنّ الحكمَ الشرعيَّ فرعٌ عن التصوّرِ الصحيحِ للمسألة.
المرحلة الثانية: الدخول في دائرة الأدلّة
والاستدلال
بعد التوصيف، ينتقل المجتهدُ إلى
مرحلةِ الأدلّةِ الشرعيّة، فيبحث عن النصوصِ والقواعدِ والأصولِ التي يمكن أن
تندرجَ تحتها هذه الواقعة، فإذا كانت المسألةُ مما يندرجُ تحت أدلةٍ نصيّةٍ أصليّةٍ،
كانت من قبيلِ الاقتضاءِ الأصلي، أي أنّ الحكمَ الشرعيَّ فيها قد ورد بدليلِه
المباشر من الكتابِ أو السنّةِ أو الإجماعِ أو القياسِ الصحيح.
وهنا يستخرجُ المجتهدُ حكمَها وفق
القواعدِ الأصوليّةِ المقرّرة، دون التفاتٍ إلى أيّ وصفٍ واقعيٍّ يخالفُ النص، إذ
لا عبرةَ لرأيِ الخبيرِ أو تصوّره إذا صادمَ المقرّراتِ الشرعيّةَ القطعيّةَ
والمحكماتِ النصّيّة، ومن أمثلةِ ذلك: أن يقول بعضُ الخبراءِ إنّ هناك مصلحةً
اقتصاديّةً أو سياحيّةً في تقنينِ الخمرِ أو إباحةِ الزنا أو المشاركةِ في اتفاقيّاتٍ
دوليةٍ تتضمّنُ محرّماتٍ شرعيّة؛ فكلّ هذه الأوصافِ مردودةٌ، لأنّ النصَّ الشرعيَّ
حاكمٌ عليها ومقدَّمٌ على كلّ مصلحةٍ متوهَّمة، إذ لا مصلحةَ في معصيةِ الله تعالى.
المرحلة الثالثة: التعامل مع المسائل ذات
الاقتضاء التبعي
أمّا إذا كانت الواقعةُ من المسائلِ
التي تتزاحمُ فيها المصالحُ والمفاسد، أو تتداخلُ فيها اعتباراتٌ متعدّدةٌ من
النفعِ والضرر، فهي من قبيلِ الاقتضاءِ التبعي، وفي هذه الحالة، يُعمل المجتهدُ
قواعدِ الموازناتِ المقاصديّة، فيوازنُ بين المصالحِ والمفاسد وفق القواعدِ
الحاكمةِ في الشريعة، مستعينًا بالمعاييرِ المقرَّرة في فقهِ الموازنات، مثل:
-اعتبارِ
الكليّاتِ الخمسِ وإلحاقِ الجزئيّاتِ بها.
-ترتيبِ
المصالحِ بحسبِ مراتبِها الثلاث: الضروريّات، الحاجيّات، التحسينيّات.
-تحقيقِ
المناط العامّ والخاصّ في ضوء النصوصِ والمقاصد.
-اعتبارِ
المآلاتِ وتقديرِ النتائجِ الواقعيةِ المترتبةِ على الفعلِ السياسي.
ومن خلال هذه المهارات، يُرجّحُ المجتهدُ ما يغلبُ من المعاني المصلحيّة،
فيصدرُ حكمًا يجمعُ بين تحقيقِ مصالحِ الخلقِ ومقاصدِ الشرع، فلا يُغلّبُ جانبَ
السياسةِ على حسابِ النص، ولا يُجمدُ عند ظاهرِ النص فيغفلُ عن حكمتِه ومقصده.
المرحلة الرابعة: صياغة الحكم التكليفي
بعد إتمامِ النظرِ والترجيح، يصوغُ
المجتهدُ الحكمَ الشرعيَّ في صورتِه التكليفيّةِ النهائيّة:
إمّا أن يكونَ الفعلُ السياسيُّ
واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا أو مكروهًا أو محرَّمًا، حسبِ ما يغلبُ من المصلحةِ
أو المفسدة، وبحسبِ موقعِه من الكليّاتِ الشرعيّة، ويكونُ هذا الحكمُ هو ثمرةَ
التكاملِ بين فقهِ النص، وفقهِ الواقع، وفقهِ المصلحة، وهو ما يُمثّلُ الصورةَ
الناضجةَ للاجتهادِ السياسيِّ في ضوءِ المقاصدِ الشرعيّة.