البحث

التفاصيل

سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة

الرابط المختصر :

سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة

(الحلقة الثالثة)

بقلم: التهامي مجوري

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

واقرأ أيضا:

*  سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة الحلقة الأولى

* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة الحلقة الثانية

***

 

خريطة ميلاد الأمة

يطلق لفظ الأمة[1] على كل جماعة يجمعهم أمر ما، إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيرا أو اختيارا، وجمعها أمم (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) [الأنعام 38] أي: كل نوع منها على طريقة قد سخرها الله عليها بالطبع وفي قوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) [البقرة 213] أي: صنفا واحدا وعلى طريقة واحدة في الضلال والكفر، وقوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً) [هود 118] أي: في الإيمان، وفي قوله (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) [آل عمران 104] أي: جماعة يتخيرون العلم والعمل الصالح يكونون أسوة لغيرهم.

ورغم أن اللفظ –أمة- استعمل في أكثر من معنى، فاستعمل في معنى الجماعة، وفي معنى المجتمع والفئة من الناس...إلخ، فقد استعرناه للتعبير عن هذه الفئة التب يجمع بينها العقيدة، نزولا عند المصطلح القرآني، الذي وصف أهل الإسلام بالأمة الواحدة (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء 92]، (وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) [المؤمنون 52]، وقياسا على ذلك يمكن اعتبار كل أصحاب دين أمة من دون الناس، كما هو شائع بين الناس في نسبة الأمم إلى أنبيائها، أمة محمد، وأمة موسى، وأمة عيسى...إلخ.

وإذا كان مصطلح الأمة مرتبط بالدين، فمن الدين ما هو صحيح ومنه ما هو باطل، ومن ذلك ما جاء في الشرائع السابقة، التي نص القرآن الكريم على بطلانها، مع احترام أهلها واحترام خياراتهم ما دامت متبناة تدينا، (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ([التوبة 30 - 31]، ومع ذلك احترم اختيارهم الديني، مراعاة للتكريم الذي خص الله به الإنسان ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [الإسراء 70]، فقرر عدم الإكراه على قبول الدين الحق؛ لأن الحقائق في الوجود أضحت تعبر عن نفسها صحة وبطلانا (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة 256]، ومن لم يهتد إلى الدين الحق، فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا.

فالأمة هذا إذن هي الكوكبة التي تمثلت الوحي برسالته الخاتمة وفق ما قرر الله من ضوابط وقوانين، مصدرها الخبرة الإنسانية على مستوى تفاعل الإنسان مع الوجود، والوحي فيما يتعلق بالغيب والاستعداد لليوم الآخر. 

أما خريطة الأمة، فتشمل جميع المنعرجات والمنحنيات التي مرت بها صعودا ونزولا، في إطار تشكلها الذي اكتمل على يد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم... ونخص بالذكر منه فترة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لعلاقتها المباشرة بالقرآن الكريم، الذي لم يهمل جزئية من جزئيات الحياة، لها علاقة بتشكل الأمة إلا وعرج عليها، بقصة، أو بتوصية، أو بتوجيه، أو بتقرير مسألة علمية أراد الله إظهارها.

لقد كانت البشرية تفرق بين ما هو ديني وما هو دنيوي، حيث لم تستطع الجمع بين عالمي الغيب والشهادة، فما هو مشاهد خاضع للملاحظة وللتجربة والتطبيق، بينما الغيب ليس كذلك، فهو عبارة عن خبر إلهي ينقله الأنبياء إلى البشر... فكان التفريق بين الدنيا والآخرة، وبين العلم والوحي، ولعل ذلك ينطبق على الديانات السابقة لما بها من قصور تشريعي، أما رسالة الإسلام، فشريعة تامة ومتضمنة لجميع ما شرع الله في الشرائع السابقة، وناسخة لكل ما انتهت صلاحيته منها (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [المائدة 3].

واكتمال صورة ميلاد هذه الأمة، قد مر بمراحل نمو مثل سائر المخلوقات، فمثلما مر الجنين بمراحل نمو في رحم أمه (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ *  ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) [المؤمنون 13 - 16]، سواء على مستوى بداية الخلق وما بعدها، أو في تشكلها خلال أنشطة الرسالة الخاتمة المحددة في 23 سنة، وهي الصورة النهائية التي استقر عليها مفهوم الأمة واكتمل الدين الموجه للبشرية جمعاء.

وكمثال على مراحل النمو التي مر بها الإنسان في علاقته بالأرض، يعرض القرآن تسخيرها وحاجة الإنسان إليها في صور مختلفة توحي باختلاف مراحل علاقة الإنسان بالأرض وتنوعها، وفق مراحل نمو الإنسان ومستوى تفاعله مع تحولاتها[2]، وتطور مستواه في ذلك.

فكانت الأرض بالنسبة للإنسان في البداية فيما يشبه المهد الذي يحتاج إليه الصبي بعد الولادة (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا) [النبأ 6]، ثم كانت الأرض فراشا تقبل افتراشها وكأنها فراشا للانبساط عليها (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة 11]، (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا) [نوح 19]، ثم جعلت هذه الأرض لتكون مستقرا للإنسان (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [غافر 64]، ثم مرتعا للسير والمشي فيها (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) [الملك 15]، وقبل ذلك وبعده، سخرت هذه الأرض لتكون موطن الاستخلاف (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) [الأنعام 116].

والتحولات التي يشهدها الإنسان في جميع هذه المراحل، تمثل مستوى الرقي والكمال الذي توصل إليه، ليبلغ هذا المستوى من الرشد والرقي المستحق، الذي سُجِّلت أصوله في التكريم الذي خص الله به هذا الإنسان في آية الإسراء المشار إليها آنفا.

وكذلك المراحل التي مرت بها الأمة للوصول إلى مرحلة ميلادها على يد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد مرت بتجارب كثيرة على أيد أنبياء الله ورسله، لتُبْنى كما يبنى البيت حجرا حجرا وطوبة طوبة، لتولد راشدة كاملة الأوصاف في المدينة المنورة، فتكون الأمة الوسط التي أرادها الله شاهدة على الناس كافة (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) [البقرة 143].

والأمة بهذا البعد، ليست مجرد تكتل بشري، تجمع بين أفراده وجماعات قيما وروابط جزئية، كما هي مجسدة في الأسرة، أو مصالح آنية عاجلة يتم فيها تبادل المصالح، مثلما هو الحال في المجتمعات وتجارب الدول التي شهدها الناس عبر التاريخ، في تجاربهم الاجتماعية السياسية، أو هي قاصرة على الغايات البشرية المحدودة زمانا ومكانا وحالات معينة، وإنما هي كاملة وشاملة لجميع مرامي الإنسان وأهدافه وطموحاته الكبرى، التي تتجاوز الأرض لتبلغ عنان السماء، لأن مبناها على الاصطفاء الإلهي الذي يربط الدنيا بالآخرة (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [القصص 77]، ويجمع الناس على الدعوة إلى الخير والإيمان بالله والأمر بالعروف والنهي عن المنكر، وعلى التراحم الأسري، والتعاقد الاجتماعي، والحاجات الإنسانية، كما تقررها الجبلة التي فطر الله عليها البشر.

فاعتبار الله الأمة الإسلامية أمة واحدة (وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) [المؤمنون 52]، وان أفراد هذه الأمة إخوة فيما بينهم كنا كانت أخوة النسب (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الحجرات 10]، واصطفائه لها لتكون هي الأمة الشاهدة على الناس، كما كان الرسول عليها وعلى أفرادها شهيدا، إنما لتمزيها عن غيرها من الأمم والشعوب بميزات ليست متوفرة في غيرها...، بفضل ما تتمتع به بإذعان لله ولكتابه ولرسوله، -كما هو مفترض بحسب مقررات الوحي-، ولما تقرر من قيم وأحكام اكثر ملاءمة لحركة الوجود وصلاحا للإنسان في آله ومآله.

وعلاقة القرآن ومقرراته بميلاد هذه الأمة ومسيرها ومسارها، لا شك في تأثيره على منعرجاتها التي حدثنا عنها القرآن بإسهاب، سابقا وحاضرا ومستقبلا، ولا أدل على ذلك من الإشارات المتكررة في تناول الكلام عن النبويات السابقة والأقوام الذين بعثوا فيهم، وعلى الأحداث التي كانت في عهد النبي محمد وأصحابه والقرآن ينزل، والمستقبل الذي أشير إلى بعضه القرآن تلميحا وتصريحا، وأبرز ما يكون هذا التميح والتصريح في الكلام عن نهاية العالم والمصير الإنساني المحتوم، حيث النهاية والخلود.

يتبع



[1]- الراغب الأصفهاني، مفردات القرآن، مادة: أم

[2]- هذا اقتباس من الشيخ  محمد القرمي اليمني، 


: الأوسمة


المرفقات

التالي
فتوى حول التعامل مع المحتلين والمعتدين
السابق
البوسنة والهرسك تحتفي بتسليم الإجازات الدينية للأئمة في تعزيز التعليم الديني والهوية الثقافية

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع