فلسطين: أثمن
منتجات الأمة وأعلاها قيمة وأندرها وجوداً
بقلم: أ. رجب
صونكول
جلسنا - نحن أفراد أسرة يعمل أحدنا
في العلوم الشرعية، وآخر في الاقتصاد، وثالث في اللوجستيات، ورابع في
القانون - نتباحث في قضية فلسطين، فكان لكلٍّ منا زاوية يرى من خلالها الحقيقة،
وعمقٌ خاص يستخرج منه دلالاتها. رأى المتخصص في الشريعة بُعد الإيمان والصبر، ورأى
الاقتصادي كيف ينهض وطن محروم من موارد الإنتاج، ورأى اللوجستي استحالة تنفّس أرض
محاصرة، ورأى القانوني كيف يُمزَّق العدل تمزيقاً منظّماً. ومن تلاقي هذه الزوايا
وُلد هذا النص؛ نصّ يجمع نظرة مشتركة، وضميراً مشتركاً، ومسؤولية مشتركة تجاه هذه
القضية.
موارد فلسطين
وإنتاجها الحقيقي
كلّ دولة تملك موارد مختلفة
ومصادر دخل متنوعة:
منها من تملك النفط، ومنها من
تقوم على السياحة، ومنها من تبني اقتصادها على الصناعة والتجارة… وهكذا.
وتسعى الدول إلى تنمية هذه
الموارد وإدارتها وتوظيفها لخدمة شعوبها. أمّا ما تعجز عن إنتاجه فتستورده بأثمان
مرتفعة، تُضاف إليها الضرائب والرسوم حتى تصل إلى رفوف المستهلك بثمن مُضاعَف.
فما هو إذن دخل فلسطين؟
وماذا تُنتج فلسطين؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها كتب
الاقتصاد التقليدية. ففلسطين منذ عقود تحت الاحتلال؛ تُحاصَر أرضها وسماؤها
ومياهها وموانئها ومنافذها، بل حتى أنفاسها. في ظل هذا الخنق، يصبح الحديث عن
الصناعة والسياحة والسوق الحر واللوجستيات كلاماً نظرياً لا واقع له.
لكنّ فلسطين - تحت النار والحصار
- تُنتج شيئاً آخر تماماً:
فلسطين تُنتج الرجال.
فلسطين تُنتج المقاومة.
فلسطين تُنتج الحلم والصمود.
فلسطين تُنتج اليقظة والإنذار.
وفوق ذلك كلّه: فلسطين تبني للأمة
ملامح مستقبل حرّ كريم.
قد لا تملك دخلاً ثابتاً، لكنها
تملك قدرة عجيبة على استخراج أعظم "منتَج" بفقرها وركام بيوتها ورائحة
زيتونها المحروق: الكبرياء، الصبر، الشهادة، والكرامة.
وما لا يراه البعض أن أرضاً صغيرة
محاصرة قد تتحوّل إلى طاقة معنوية هائلة، من لم يُحسن التقاطها لا يفهم فلسطين،
ومن لم يتغذَّ منها لا يستطيع إصلاح داخله.
العالم ينظر إلى النفط والغاز
والذهب؛ لكنّ هناك أراضٍ تُنتج شيئاً أعظم: الأمل، الكرامة، الصمود، الوعي. وهذه
المنتجات أثمانها أثقل من كل اقتصاديات الدنيا.
تكاليف الوصول إلينا
قبل أن تصل “منتجات فلسطين” إلى
وعينا، تمر بعدّة عمليات تشويه:
تقارير إخبارية تُقصي الحقيقة،
غرف سياسية تساوم بها، شاشات تغيّر تسمياتها إلى “أزمة” أو “اشتباك”. نرى صورة،
لكن خلف الصورة آلاف الجراح وآلاف التضحيات وآلاف الشهداء.
ومن جانبنا، نضيف إلى هذا الثمن -
للأسف - تكلفة أخرى:
صمتنا، شعورنا بالعجز، رؤيتنا
للحقّ على أنه "ثمن باهظ"، بحثنا عن أعذار لعدم الدفع، أو ادعاؤنا أننا "لسنا
بحاجة". وهكذا نضيف إلى فاتورة فلسطين فاتورة جديدة من تقصيرنا.
ثم نبحث عن بدائل رخيصة:
غضب لحظي على مواقع التواصل،
حملات تُنسى غداً، مبادرات تُريح الضمير دون أن تغيّر الواقع… لكنها كلها سلع
معيبة لا تصنع وعياً ولا تنهض بأمة.
والحقّ أنّ ما نحتاجه اليوم - لإصلاح
أنفسنا وبناء وعينا والوقوف في وجه ظلم العالم - هو قيم فلسطين ووعي القدس.
كتالوج منتجات فلسطين: ماذا نشتري
حقاً؟
ننظر اليوم إلى فلسطين كأنها تعرض
علينا "كتالوج منتجات".
منتجات ليست من قطن أو حديد أو
نفط.. بل من نور ودمع وصمود.
ودخل فلسطين الحقيقي هو رأس مال
الأمة:
التضحية، الدعاء، الوعي، الثبات،
العطاء.
ومن أراد منتجاً عالياً فعليه أن
يدفع ثمنه.
ومن أراد فلسطين قوية فعليه أن
يكون أمّة قوية.
والأهم: فلسطين ليست ضحية فحسب.
فلسطين معالجٌ روحي يغذّي
أرواحنا، ومدرّب يُقوّي عزائمنا، ومصحّحٌ يزيل أثقالنا، ومدرّب لياقة روحية يعيد
إلينا القدرة على النهوض.
فلسطين هدية ربانية للأمة؛
تهبها القدرة على استعادة
الإرادة، واكتشاف معاني الصبر، والحرية، والعدل، والوفاء.
أما من أراد الكرامة والذوق
والسمو والجمال والعدالة - عليه أن يلبس "المواصفات الفلسطينية".
فمن تزيّن بفلسطين ازداد شرفاً،
ومن احتمى بها ازداد قوة، ومن اتشح بروحها اتشح بمعايير محمّدية خالدة.
المقاومون: ليسوا ضحايا… بل صانعو
التاريخ
تعلّمنا فلسطين أنّ الشعوب
المقهورة ليست بالضرورة شعوباً مهزومة.
فالمقاوم الفلسطيني - طالباً كان
أو معلماً، أو مزارعاً، أو نجاراً، أو عاملاً - يجعل جسده سداً، وبيته متراساً،
وذاكرته أرشيفاً، ودعاءه بياناً.
هم بشر قبل أن يكونوا مقاومين؛
ومع ذلك يصنعون تاريخاً لا تصنعه
جيوش.
وتزدهر في فلسطين "الضمير
الجمعي" الذي تحدّث عنه دوركهايم: فالألم يوحّد، والخطر يلمّ الشمل، والتضحية
تصنع وحدة لا تصنعها السياسات.
أما "رأس المال الرمزي"
عند بورديو، فهو في فلسطين في أعلى درجاته:
شعب محاصر، لكنه الأعلى قامة،
والأقوى معنى، والأثبت قدماً بين الأمم.
نساء فلسطين: المهندسات الصامتات
للثبات
نساء فلسطين معجزات من نور.
ربما قُتل الأزواج، واعتُقل
الأبناء، ودمّرت البيوت - ومع ذلك ينهضن فجراً ليضعن الأمل في أطباق الإفطار.
هنّ الأمهات، والمرشدات،
والمعلمات، والمعالجات النفسيات، وقائدات المعنويات.
بكاؤهنّ تاريخ، ودعاؤهنّ وصية،
وصمودهنّ مدرسة.
أمّ نضال - التي قدّمت أبناءها
واحداً تلو الآخر - هي أكبر دليل على أنّ الأم الفلسطينية ليست "حالة فردية"،
بل منتجاً من منتجات المقاومة ووجهاً من وجوه الحقّ الصاعد من تحت الركام.
أطفال فلسطين: أثقل سؤال في ضمير
العالم
الطفل في فلسطين ليس مستقبل الوطن
فحسب، بل شاهده وجرحه وصوته.
الطفل الذي أوّل كلمة تعلّمها
“قصف”، وأوّل لعبة مارسها “الاختباء”، والذي لا يجد اللون الأزرق ليرسم السماء… هو
الطفل الذي يحكم على العالم كلّه.
هؤلاء الأطفال اليوم أطفال.. وغداً
قادة.
اليوم هم "يحيى".. وغداً
هم “إسماعيل هنية" و"أحمد ياسين".
اقتصاد الأمل: النموذج الروحي
الذي تقدّمه فلسطين
فلسطين ليست حدثاً سياسياً فقط،
بل مختبراً يعيد تشكيل نظرية المجتمع.
تجتمع فيها معاني التضامن،
والقيمة الرمزية، والخيال الجمعي، فلا عجب أن يكون حلم القدس، والعودة إلى القرى،
وهدم الجدار… أكبر صادراتها الروحية.
فهذه الأرض - رغم حصارها - تمتلك
أعظم ما تحتاجه أمة تبحث عن نهضة:
مشروع أمل، وقيم مقاومة، ورأس مال
أخلاقي لا يُشترى.
الخاتمة: فلسطين مرآة الأمة
بعض الدول تُنتج النفط، وبعضها
الصناعة، وبعضها السياحة.. لكنّ فلسطين تُنتج الإنسان.
تُنتج الشرف، والصبر، والوعي،
والرجاء.
والنظر في "كتالوج منتجاتها"
ليس شراءً… بل إعادة بناء للنفس وارتقاءٌ بالضمير.
لقد أوضحنا أن بدائل فلسطين
المزيّفة - من غضب لحظي أو مبادرات عابرة - لا تصنع شيئاً.
أما ما تصنعه فلسطين حقاً فهو: الشجاعة
للنظر إلى أنفسنا، والقدرة على مساءلة راحتنا، وإعادة تعريف رسالتنا في هذا
العالم.
ويبقى الختم من كتاب الله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (البقرة: 257).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أ. رجب صونكول: عضو مجلس أمناء
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورئيس جمعية روّاد بيت المقدس.
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.