بين المبدأ والعمل
بقلم: د. محمد أكرم الندوي
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
إنّ الإنسان
لم يُخلق عبثًا، ولم يُلقَ في هذا الوجود ليكون آلةً تُكرّر الأفعال بلا معنى، ولا
ليحيا حياةً صماء قائمة على التقليد فقط، بل وُجد ليعمل بمعرفة، ويفهم الغرض، ويجمع
بين الفكر والتطبيق، وبين المبدأ والواقع. فسواء نظرنا إلى خلقه من منظور دينيّ، أو
فلسفيّ، أو عمليّ، وجدناه مشدودًا منذ لحظة وجوده إلى الغاية، موجّهًا نحو الهدف، متطلّبًا
من كل فعلٍ يقوم به أن يكون ذا معنى.
ولا يتحقّق
بلوغ هذه الغايات بمجرد كثرة الجهد، أو الإتقان الظاهري للأفعال، بل يحتاج الإنسان
إلى قدرة أرقى وأعمق: القدرة على الانتقال بين الكلّيّ والجزئيّ، بين المبدأ العامّ
وتطبيقه في المواقف المختلفة، بين الفكر والنفس، بين النظر والعمل. فإذا انقطع هذا
الانتقال، تعطّل العقل، وتخشّبت الحركة، وأصبح الفعل الإنساني محصورًا في حلقةٍ ضيقة
من التكرار، فاقدًا مرونته، عاجزًا عن التجديد، ومنفصلًا عن الحياة الواقعية التي هو
جزء منها.
ذلك أنّ المبدأ
إذا انفصل عن العمل صار مجرد فكرةً بلا روح، والعمل إذا انفصل عن المبدأ غدا حركةً
ميكانيكيةً بلا هدى. وبين قطبي الخلل هذين، يتكوّن سلوكٌ طقوسيّ، متكرر بإلحاح، غارق
في الممارسة الشكلية، ظاهر في الحرص على الدقة، ولكنه خالٍ من القدرة على الإبداع والتكيّف.
ويكون مثل هذا السلوك مرضًا أخلاقيًا وفكريًا، إذ يترك صاحبه راضيًا عن جهده، بينما
يفقد العالم والمجتمع أثره الحقيقي.
ويتجلّى هذا
المعنى في ميدان الصناعة والهندسة، حيث يظهر بوضوح كيف أن فهم المبادئ هو أساس القدرة
على التطبيق. فالهندسة، في حقيقتها، ليست مجرد مهارة يد، ولا إتقان استخدام الأداة،
ولا تكرار ما صُنِع سابقًا، بل هي علم الانتقال من الفكرة إلى الواقع، من الرسم المجرد
إلى الشيء المحسوس. والمهندس الحقّ هو من يفهم القواعد الأساسية التي تسمح له بتوليد
نماذج متعددة من الشيء نفسه، أو ابتكار أشياء جديدة تخضع للمبادئ أنفسها، تختلف أشكالها
وتتوافق غاياتها. أما من يجهل هذه القواعد، فيظل أسير التقليد، قادرًا على إعادة إنتاج
نموذج واحد، عاجزًا عن تجاوز الصورة إلى المبدأ، وعن الانتقال من النتيجة إلى المنهج.
وكذلك الحِرَفيّ
الذي أتقن صنع طاولةٍ خشبيةٍ واحدة بإتقان شديد، قادر على تكرارها أو تعديل أبعادها،
ويحافظ على جمالها وتناسقها، إلا أن براعته تظل محدودة إذا عجز عن صناعة كرسي أو خزانة.
وليس القصور هنا في يده، بل في فكره وفهمه. فقد تعلّم شيئًا محددًا، ولم يتعلّم كيف
يتعلّم، تعلّم النتيجة دون فهم المنهج. ومن ثم، يصير عمله مجرد تكرار محسّن، لا ابتكار،
ولا معرفة حقيقية.
وهذا الخلل
نفسه يظهر في الحياة الأخلاقية والدينية. فكم من عباداتٍ يُؤديها الإنسان بجِدٍّ واجتهاد،
ومع ذلك تظلّ بلا أثر في قلبه أو في أخلاقه، إذا ما انفصلت الممارسة عن الغاية، أو
إذا غابت عن ذهنه الأسئلة الجوهرية: لماذا أعبد؟ وما الذي تهدف إليه هذه العبادة؟ فحين
تُعامل العبادة كغاية قائمة بذاتها، بدل أن تكون وسيلة لتربية النفس، وتعميق الوعي،
وتحقيق العدل وتحميل المسؤولية، تُفقد قدرتها على الإصلاح والتغيير.
كم من الناس
يُداومون على الذكر، والأوراد، والصلاة، ويجدون في ذلك راحةً للنفس، وسكينةً للقلب،
وهي آثار صادقة لا يمكن إنكارها، لكن الخطر في أن تظل هذه الآثار محدودة داخل نطاق
الممارسة نفسها، فلا تنتقل إلى ميادين السلوك اليومي، ولا تُغيّر تصرفات الفرد تجاه
أهله، أو أعماله، أو مجتمعه. فيخرج المرء من خلوته أهدأ نفسًا، لكنه يعود إلى ظلم نفسه،
وإهمال واجباته، وكأنّ العبادة كانت في عالمٍ، والحياة في عالم آخر.
وفي الصلاة،
يتضح هذا المعنى أكثر. فالصلاة ليست مجرد أداء الحركات والأركان، ولا مجرد الالتزام
بالمواقيت، بل هي وسيلة لتربية الحضور، وربط الإنسان بربه، وجمع الجماعة على ذكرٍ مشترك،
لا يخضع للأهواء ولا للمصالح الشخصية. وإذا غاب الحضور القلبي، وأصبح الحضور الجسدي
مجرد تقليد آلي، تتحول الصلاة إلى عادة بلا روح، ويختفي هدفها السامي. ومع مرور الزمن،
يضعف تعلق الإنسان بها، ويصبح أداؤها واجبًا متعبًا، لا مصدر نور وتوجيه.
وليس هذا
الانفصال بين المبدأ والعمل محصورًا في الأفراد، بل يشمل المؤسسات والجماعات أيضًا.
فكثير من الجماعات ترث تعليمات وممارسات كانت تخدم زمانًا وظرفًا معينًا، ومع تغيّر
الزمان واستبدال الظروف، تظلّ هذه الممارسات قائمةً على عادة سابقة، دون أن تُراجع
أو تُساءل عن الغاية منها. ويُستدعى في ذلك مفهوم الأمانة والتقليد لتبرير التكرار،
بينما يُعتبر الاجتهاد والتأمل خروجًا وخيانة.
في هذه المؤسسات
يتحوّل الانضباط إلى تصلّب، والطاعة إلى عمى، وتبقى الأشكال قائمةً بينما تضيع المعاني.
تُحفظ الإجراءات، وتُهمَل النتائج، وتُضحّى الغايات باسم الولاء للشكل. وهكذا تُعيد
المؤسسات إنتاج العادة، كما يفعل الفرد حين يُكرر العبادة بلا فهم.
إن العمل
الحقّ، في أي ميدان كان، لا يكتمل إلا بربط المبدأ بالتطبيق، والغاية بالوسيلة. فليس
كثرة الجهد هي المقياس، بل فهم ما يقوم به الإنسان، ووعيه بالهدف، وربطه بالواقع. ومن
لا يسأل نفسه لماذا يعمل، ولا يتأمل ما الذي ينبغي أن يثمره عمله، فلن يتجاوز التكرار،
وإن أحسن الأداء، وسيظل مجهوده بلا ثمر.
وبهذا الوصل
وحده تبقى الممارسة حيّة، قادرة على التجدد، ومثمرة، وقادرة على الإصلاح، وموجّهة نحو
الغاية. أما إذا غاب السؤال، واستراح العقل إلى العادة، فقد يصبح العمل مهما بدا جادًا،
أشبه بالحياة، ولكنه ليس حياةً حقيقية، بل مجرد صورةٍ صمّاء، تفتقد المعنى، وتغدو عبئًا
على النفس، دون أن تغيّر شيئًا في الذات أو المجتمع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.