سورة
الكهف في خريطة ميلاد الأمة
(الحلقة السادسة)
بقلم: التهامي مجوري
عضو الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين
* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح1
* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 2
* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 3
*سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 4
* سورة الكهف في خريطةميلاد الأمة ح 5
سبب نزول سورة الكهف
أما سبب
نزول سورة الكهف فقد روى ابن إسحاق أن قريشا أرسلت النضر بن الحارث وعقبة بن أبي
معيط، "إلى أحبار يهود بالمدينة فقالوا لهما: سلوهم عن محمد، وصِفُوا لهم
صفته، وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ما ليس عندنا من علم
الأنبياء، فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم، ووصفوا لهم أمره، وأخبروهم ببعض قوله، وقالوا لهم: إنكم أهل التوراة فقد
جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، فقالت لهم أحبار يهود: سلوه عن ثلاث يأمركم بهن
فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم، سلوه عن
فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم، فإنه كان لهم حديث عجب، وسلوه عن رجل
طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان بناؤه، وسلوه عن الروح ما هو، فإن أخبركم
بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فهو رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم.
فأقبل
النضر وعقبة حتى قدما مكة على قريش فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم
وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور، فأخبروهم بها، فجاءوا رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد أخبرنا، فسألوه عما أمروهم به فقال لهم رسول
الله صلى الله عليه وسلم: أخبركم عما سألتم عنه غداً، ولم يستثن فانصرفوا عنه،
فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة لا يحدث الله تعالى إليه في ذلك
وحياً، ولا يأتيه جبريل عليه السلام حتى أرجف أهل مكة، وقالوا: وعَدَنَا محمد غداً
واليوم خمس عشرة وقد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه، حتى حزن رسول
الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه، وشقّ عليه ما تكلم به أهل مكة، ثم جاءه
جبريل من الله بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه وخبر ما سألوه عنه
من أمر الفتية، والرجل الطواف".
يذكر أهل
التفسير هذه القصة على أنها هي سبب نزول السورة، ولكن بقطع النظر عن علاقة هذا
السبب بالنزول، فإن سياق الأحداث والواقع المكي الذي كانت عليه حركة النبي صلى
الله عليه وسلم في تلك الأيام، وما يكتنفها من مواجهات حادة للمشركين له، يقتضي
مثل هذا التوجيه الإلهي، حيث أن ما جاءت به السورة يوحي بأنه استجابة لحاجة
اقتضتها هذه المرحلة من الدعوة إلى الإسلام، وهذه الخطوات الأولية في زرع بذور
ميلاد الأمة الذي سيتحقق بعد حين، في جميع المجالات وعلى جميع الأصعدة.
وما كانت
القصص التي وردت في السورة في مجملها إلا توجيهات ربانية لما ينبغي أن يكون عبر
محاكاة ما وقع للأقوام السابقين من المؤمنين في مواجهاتهم لمعارضيهم من خصومهم
وأعدائهم، فكانت السورة برمتها عبارة عن برنامج منهجي لمحمد صلى الله عليه وسلم
وللمسلمين معه، قابل للتنفيذ في مواجهة ذلك الواقع الذي يمر به، سواء في معاناته
هو عليه الصلاة والسلام، وهو يمر بحالة من القلق والانكسار بسبب رفض قومه له، أو
واقع المشركين في رفضهم لدعوته ومجابهته ومحاربة أتباعه، وكل ذلك يحتاج إلى طمأنة
وراحة نفسية، تمكن الكوكبة المؤمنة من الاطمئنان على مستقبل دعوتهم التي تتلاعب
بها الأمواج، وتطاردها أعراف المجتمع المكي، فكانت سورة الكهف بقصصها إجمالا
وتفاصيلا، هي الخطة الجهادية المناسبة بجميع مقرراتها الإيمانية والعلمية
والأخلاقية.
فكان لا
بد من أن يعرف المؤمنون يومها، أن هناك أقوام مروا بهذه التجربة، مثل الفتية الذين
رفضوا الاندماج في مجتمع مشرك لا يؤمن بالله، وهم شباب أهل الكهف، الذين تحملوا في
سبيل ذلك متاعب كبيرة...، وهنا تجدر الإشارة إلى ورقة بن نوفل، الذي ذكر له شيئا
من ذلك عندما قال له: "ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي"، عندما ذهبا
هو خديجة إلى ورقة يوم فوجئ بالوحي في غار حراء.
وكان لا بد من أن تكون إجابات عن قضايا مثارة في
الواقع، مثل يوم القيامة كيف يقع؟ ولماذا يقع؟ ثم ما مصير هذه الحياة الدنيا، التي
فيها ما لذ وطاب؟ وكيف تندثر هذه الأمور وتفقد جمالياتها ببساطة، هكذا من غير
مبررات مفهومة كما جاء في قصة صاحب الجنتين، ومسألة العلم وما له من علاقة
بالإيمان والدعوة إليه والصبر على المعاناة في سبيله...إلخ.
وأمر آخر
ينبغي الانتباه إليه فيما يتعلق بأثر أسباب النزول في مدلول الألفاظ القرآنية وفق
اللسان العربي...، هل القرآن بقيمه خاضع للأسباب التي نزل لمعالجتها، أم أن سبب
النزول فرصة مناسبة وحسب، أما دلالات الألفاظ فحرة لا يتحكم فيها السبب.
في هذه
القضية قرر العلماء بأن العبرة في نصوص الوحي بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لتحرير
نصوص ودلالاتها المطلقة، من التحكم الزمني؛ لأن الربط العضوي والمطلق بين السبب
والنزول، يعني تمكين السبب من الإطلاق وتقييد مدلول اللفظ بالزمن وبالحادثة التي
كانت سببا في نزول هذه الآية أو ورود ذلك الحديث...
صحيح أن
سبب النزول يساعد على فهم النص الذي نزل لمعالجة هذا السبب أو ذاك، ولكنه لا يقيد
النص؛ لأن الوحي هو رسالة الله إلى البشر، وله الإطلاق الذي للذات الإلهية، فمثلما
أن الذات الإلهية ليس كمثلها شيء، فإن كلام الله ليس كمثله كلام.
فسبب
نزول قوله تعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيۡءٍ إِنِّي فَاعِلٞ ذَٰلِكَ غَدًا * إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ...)، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقريش عندما سألوه
تلك الأسئلة التي أشر بها اليهود عليهم، قال لهم سأخبركم غدا... فلم تكن الإجابة
إلا بعد أكثر من خمسة عشر يوما... فهذا التنبيه الإلهي يفهم في سياقه، ولكن هل
النبي صلى الله عليه وسلم كان في مستوى من الغفلة التي تنسيه أن الله هو الفاعل
الحقيقي؟ لا أبدا...، وإنما في تقديري أن النبي صلى الله عليه وسلم يعتقد جازما أن
الله سيجيبه عن تلك الأسئلة، فلا يمكن أن يعتقد أنه سيجيب من تلقاء نفسه؛ لأن الله
هو الذي أرسله وهو الذي سيتولى التدخل في جميع الإشكالات، التي تطرأ عليه في طريق
دعوته... ولم يكن تنبيه الله في ذلك إلا تقريرا لجانب من جوانب فن الأدب مع الله،
الذي يزين حقيقة التوحيد ويبرز جمالياته في الفطرية.
وقبل
تناول خريطة السورة في الطريق إلي ميلاد الأمة، لا بد من الإشارة إلى فضائل هذه
السورة، وأهميتها في المنظومة الإيمانية.
يتبع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.