قضاء حوائج المسلمين فريضة العصر
بقلم: د. سعد الحلبوسي
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
في
عالمٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتراكم فيه المآسي حتى تكاد تُطبع في الوعي العام
بوصفها مشاهد اعتيادية، فيبرز سؤال الإيمان الحقيقي بإلحاحٍ لا يقبل التأجيل: أين
نحن من عبادة قضاء حوائج الناس والسعي في تفريج كرباتهم؟ إنها العبادة التي لا
تُقاس بطول القيام ولا بكثرة الاعتكاف فحسب، بل بمدى حضور القلب في آلام الآخرين،
وبمقدار الحركة الصادقة نحو المكسورين والمنكوبين، وقد حسم النبي صلى الله عليه
وسلم هذا الميزان حين قال: (ولأن أمشي مع أخٍ في حاجة أحبّ إليّ من أن أعتكف في
هذا المسجد شهرًا)(أخرجه الطبراني)، فرفع السعي في حاجة المسلم إلى منزلةٍ
تهزّ التصورات الساكنة، وتعيد ترتيب الأولويات في فهم العبادة ومقاصدها.
هذا
التوجيه النبوي لا يُفهم بمعزل عن روح الإسلام التي جعلت الإيمان منظومة متكاملة،
قوامها صدق الصلة بالله، وحسن المعاملة مع خلقه، فالدين ليس انعزالًا عن آلام
الناس، ولا هروبًا إلى الزوايا عند اشتداد الأزمات، بل هو نزولٌ واعٍ إلى ساحات
المعاناة، وحملٌ للأمانة حيث تثقل، وبذلٌ للوسع حيث يشتدّ الاحتياج، ولذلك قرن
الله تعالى بين التقوى والتعاون، فقال: (وَتَعَاوَنُوا
عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ) (المائدة: 2)، فالتقوى التي لا تُترجم
برًّا نافعًا للناس تقوى ناقصة الأثر، محدودة الثمرة.
وإن الأخوة في الإسلام ليست رابطة
وجدانية مجردة، بل مسؤولية عملية، تُختبر عند الحاجة، وتُقاس عند الكرب، وقد
صوّرها النبي صلى الله عليه وسلم تصويرًا حيًّا حين قال: (المؤمن للمؤمن
كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا) (البخاري: 2446)، وقال: (مثل المؤمنين في
توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد) (متفق عليه)، فالجسد لا يفاوض
ألمه، ولا يؤجّل استجابته، بل تهبّ أعضاؤه جميعًا لنصرة العضو المشتكي، وهكذا
ينبغي أن تكون الأمة، لا سيما حين تتوالى عليها الجراح.
ومن
سنن الله الكونية التي لا تتبدّل أن الناس متفاوتون في الأرزاق والقوى والمكانات،
لا تفضيلًا عبثيًا ولا تشريفًا مطلقًا، بل ابتلاءً واختبارًا، قال تعالى: (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ
لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) (الانعام:165) فالغني ممتحن بماله،
والقوي ممتحن بقوته، وصاحب الجاه ممتحن بنفوذه، والعالم ممتحن بعلمه. وكل نعمة لا
تتحول إلى عونٍ للناس، تنقلب وبالًا على صاحبها، وشهادة عليه لا له.
ومن
هنا كانت عبادة قضاء الحوائج من أحبّ الأعمال إلى الله، لأنها تُخرج النعمة من
دائرة الأنانية إلى أفق الرسالة، وتحوّل الامتياز إلى أمانة، والقدرة إلى وسيلة
للإصلاح، وقد قال سبحانه في وصف ذاته العليّة: (أَمَّنْ
يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) (النمل: 62)،
فجعل كشف الكرب صفة من صفات ربوبيته، ودعا عباده إلى التشبه بهذه الصفة على قدر
طاقتهم، رحمةً وتكافلًا وإحسانًا.
وإذا
نظرنا إلى واقع الأمة اليوم، فإن صور الاضطرار لا تحتاج إلى بحث، ولا إلى تضخيم
إعلامي، بل تفرض نفسها بوجعها الثقيل، ففي غزة، يعيش الناس تحت حصار خانق، تُقصف
فيه البيوت على رؤوس ساكنيها، ويُقتل الأطفال والنساء، ويُحرم المرضى من الدواء،
والجائعون من الغذاء، حتى صار الحصول على الماء والغذاء معركة يومية للبقاء، هناك،
لا تُقاس الكارثة بعدد الشهداء وحدهم، بل بكمّ الألم المتراكم في النفوس، وبمشاهد
الأمهات اللواتي يودّعن أبناءهن، وبأطفالٍ كبروا على صوت القصف قبل أن يعرفوا معنى
الأمان.
وفي
السودان، تمتد المأساة بصمتٍ موجع، حيث النزوح الجماعي، وانهيار الخدمات، وضياع
الأمن، وتحوّل مدنٍ كاملة إلى ساحات خوف وجوع، وأسرٌ فقدت بيوتها، وأطفالٌ انقطعت
بهم سبل التعليم، ومرضى لا يجدون مستشفيات تأويهم، إنها كربات مركّبة، لا تقل
ألمًا عن غيرها، لكنها تختبر صدق الضمير الإسلامي، وقدرته على تجاوز الجغرافية
والحدود السياسية ليبقى وفيًّا لمعنى الأمة الواحدة.
وهذه المشاهد ليست للتباكي، ولا
للاستهلاك العاطفي، بل هي نداء شرعي صريح، يضع كل مسلم أمام مسؤوليته: ماذا قدّمت؟
وبماذا ساهمت؟ فالدعاء عبادة، والإنفاق عبادة، والسعي في الإغاثة عبادة، ونصرة
المظلوم بالكلمة الصادقة عبادة، وكل ذلك داخل في معنى تفريج الكرب الذي وعد الله
ورسوله عليه أعظم الجزاء.
وقد
جسّد الأنبياء هذا المعنى في أقسى الظروف، فهذا موسى عليه السلام، وهو خائف طريد،
لم يمنعه ضعفه ولا غربته من أن يسقي للمرأتين، لأن روح الإحسان لا تنتظر اكتمال
الشروط، وهذا يوسف عليه السلام، وهو في السجن، كان ملاذًا للضعفاء، حتى قالوا له: (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف:
36)، فالظرف القاسي لا يُسقط التكليف الأخلاقي، بل يبرزه ويُظهر صدق الإنسان.
أما
نبيّنا صلى الله عليه وسلم، فقد كان نموذجًا متكاملًا في قضاء الحوائج، حتى شهدت
له خديجة رضي الله عنها قبل البعثة بأنه يعين على نوائب الحق، وما سُئل شيئًا قط
فقال: (لا)، وكان يمشي مع الضعفاء، ويُؤخذ بيدهم لقضاء حاجاتهم، وكان يقول صلى
الله عليه وسلم: (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته) (صحيح
البخاري:2442)، فجعل الجزاء من جنس العمل، وربط معونة الله بمعونة العبد لإخوانه.
وسار
الصحابة والتابعون رضي الله عنهم على هذا النهج، فكان أبو بكر يخدم ضعفاء الحي
بيده، وكان عمر يتعاهد العجائز ليلًا، لا ينتظر ثناءً ولا شهرة، وكان أهل المروءات
يرون في غياب أصحاب الحاجات عن أبوابهم مصيبة، لأن في ذلك انقطاعًا لفيض الخير،
وخسارة لفرص الأجر.
ولقضاء
الحوائج ثمار عظيمة في الدنيا والآخرة، منها تثبيت القدم يوم القيامة، حين يزلّ
الخلق على الصراط، ومنها تيسير العسر، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ومن يسّر
على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة)، ومنها تفريج كرب الآخرة: (من
نفّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) (الترغيب
والترهيب:2333) وهي وعود صادقة، لا تتخلف، لأن قائلها هو الصادق المصدوق.
إن
الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى استعادة هذا الفهم العميق للعبادة، فهمٍ يُخرج الدين
من دائرة الفردية الضيقة إلى أفق المسؤولية الجماعية، ويحوّل النصوص إلى مشاريع
رحمة، والأقوال إلى أفعال، فقضاء حوائج الناس ليس ترفًا أخلاقيًا، ولا عملًا
موسميًا، بل هو فريضة الوقت، وعنوان النجاة، وميزان الصدق في زمن الفتن، وطوبى لمن
جعل نفسه بابًا للخير، وملجأً للمكروبين، وسببًا في تفريج الكربات، فإن المعروف لا
يضيع، ومن كان في عون عباد الله كان الله له أوفى وأقرب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.