بسم الله الرحمن الرحيم
تعزية للأمة الإسلامية في رحيل الشيخ الداعية أحمد
ميلاد قدور (رحمه الله)
كتبه: د. علي محمد الصلابي
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
تعزية للشعب الليبي وللأمة الإسلامية بوفاة الشيخ
الداعية أحمد ميلاد قدور عضو دار الإفتاء الليبية (رحمه الله تعالى).
قال تعالى: ﴿قُلْ
يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ
تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: 11]
بقلوبٍ مؤمنةٍ بقضاء الله وقدره، يتقدم أبناء ليبيا،
وعموم الأمة الإسلامية، بأحرّ التعازي وأصدق المواساة في فقدان عالمٍ جليل،
وداعيةٍ رباني، وأحد أعمدة العلم الشرعي والدعوة الإسلامية في ليبيا "الشيخ
أحمد ميلاد قدور" الذي انتقل إلى جوار ربه بعد حياة حافلة بالبذل والعطاء،
قضاها في خدمة كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وتعليم الناس، وإرشادهم، والدفاع عن ثوابت
الدين بالحكمة والموعظة الحسنة، كان – رحمه الله – مثالًا للعالم العامل، جمع بين
رسوخ العلم، وصدق الدعوة، وتواضع العلماء، فكان مرجعًا في الفتوى، ومنارة في
الوعظ، ومربّيًا لأجيالٍ من طلبة العلم، ترك بصماته الواضحة في المساجد، والمعاهد،
والمنابر، ووسائل الإعلام، داخل ليبيا وخارجها.
مولده ونشأته:
وُلد الشيخ أحمد ميلاد قدور سنة 1936م بمدينة طرابلس، في
منطقة سوق الجمعة – محلة شط الهنشير. وبدأ مسيرته العلمية في سن مبكرة، حيث حفظ
القرآن الكريم وتلقى تعليمه الأول على يد الشيخ الطاهر عبد المولى، والشيخ شكري بن
أحمد بن حمادي، رحمهما الله تعالى.
مكانته العلمية والدعوية:
يُعتبر الشيخ – رحمه الله تعالى – من أعلام الشريعة
الإسلامية في ليبيا، إذ كان له أثر بارز في ميادين العلم والدعوة، وامتدت عطاؤه
لعدة عقود في مجالات التعليم، والوعظ، والإرشاد، والفتوى، مما جعله من الشخصيات
العلمية المرموقة في البلاد.
طلبه للعلم في المعهد الأسْمَري:
في سنة 1949م، انتقل إلى المعهد الأسْمَري بمدينة زليتن،
حيث درس العلوم الشرعية واللغوية، ونهل من علم نخبة من كبار العلماء، من بينهم
الشيخ الطيب الطاهر المصراتي، والشيخ منصور أبو زبيدة، والشيخ أبو بكر حمير،
وغيرهم. إلا أنه اضطر إلى التوقف عن مواصلة دراسته لاحقًا بسبب ظروف اجتماعية خاصة
ووفاة والده، رحمه الله تعالى.
استئناف المسيرة العلمية:
عاد الشيخ إلى طلب العلم سنة 1957م، جامعًا بين العمل
والدراسة في جامع أحمد باشا بطرابلس، حيث تتلمذ على يد عدد من العلماء البارزين،
من أبرزهم: الشيخ علي الغرياني، والشيخ عبد السلام البيزنطي، والشيخ خليل المزوغي،
والشيخ علي حسين المسلاتي، وغيرهم.
دراسته الجامعية:
في سنة 1971م، التحق الشيخ بالدراسة الجامعية، وتخرّج
منها متحصّلًا على درجة الليسانس في الشريعة الإسلامية سنة 1974م. وقد تلقّى العلم
في هذه المرحلة على أيدي مجموعة من الأساتذة، منهم: الشيخ مصطفى التريكي، والشيخ
عمر الجنزوري، والشيخ الطيب النعاس، والدكتور أحمد الخليفي، والدكتور محمد الجربي.
مهامه العلمية والدعوية:
تولى الشيخ – رحمه الله – خلال مسيرته العملية عددًا من
المناصب والمهام العلمية والدعوية، من أبرزها:
·
مدرسًا بمعهد الإمامة والخطابة
بطرابلس سنة 1977م.
·
مديرًا لمعهد الإمامة والخطابة
سنة 1983م.
·
مدرسًا بمدرسة الفنون والصنائع
الإسلامية سنة 1985م.
·
واعظًا وخطيب جمعة بعدد من
مساجد طرابلس منذ سنة 1970م.
·
مفتشًا على المساجد بقسم
المساجد حتى سنة 1974م.
·
واعظًا للحجاج لعدة سنوات.
·
مكلفًا بإلقاء دروس علمية
بالحرم المكي والمسجد النبوي الشريف خلال الفترة من 1976م إلى 1980م.
·
موفدًا واعظًا من قبل جمعية
الدعوة الإسلامية خلال شهر رمضان إلى عدد من الدول، منها: البرتغال، وفرنسا،
وكوريا الجنوبية، وسيرلانكا، وذلك بين سنتي 1982م و1985م.
·
مقدّمًا لبرنامج «الموعظة
الحسنة» بإذاعة طرابلس الغرب من سنة 2005م إلى سنة 2020م.
·
عضوًا مفتيًا بدار الإفتاء
الليبية منذ سنة 2012م.
جهوده في التعليم والوعظ:
واظب الشيخ، خلال الفترة من 1971م إلى 2020م، على إلقاء
دروس الوعظ في شهر رمضان المبارك بجامع السنوسية بشارع عمر المختار، كما التزم
بالتدريس بجامع الناقة، حيث تتلمذ على يديه عدد من طلبة العلم والمشايخ، وكان له
أثر واضح في تكوينهم العلمي والدعوي.
وفاته:
وافته المنية فجر الاثنين (29 ديسمبر 2025م) ونعته دار
الإفتاء الليبية وقالت دار الإفتاء إن الشيخ كان عالما عاملا أمضى عمره في تبليغ
أحكام الله ونشرها بين الناس مجتهدا حريصا، واعظا مرشدا، عطوفا على الفقراء
والمعوزين، تشهد له مساجد طرابلس ومنابرها التي عرفته أزيد من سبعين عاما وكان من
أول من انضم إلى دار الإفتاء الليبية إبّان تأسيسها.
وإن رحيل الشيخ أحمد ميلاد قدور – رحمه الله تعالى –
لخسارةٌ عظيمة للعلم والدعوة في ليبيا، غير أن عزاءنا فيما خلّفه من علمٍ نافع،
وتلاميذ صالحين، وأثرٍ باقٍ يشهد له بالخير، مصداقًا لقول النبي ﷺ: «إذا مات ابنُ
آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو
له»، نسأل الله العليّ القدير أن يتغمّد الفقيد بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح
جناته، وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأن يجعل ما قدّمه في ميزان
حسناته، وأن يعوض الأمة في فقده خيرًا، وأن يلهم أهله وذويه وتلاميذه ومحبيه الصبر
والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون،
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.