الغَزاليّان بين إخلاص المُجاهدة وإخلاص الكمال
أيُّهما أقرب لميزان الشريعة؟
بقلم: رانية نصر
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
تُعدُّ النيّة
والإخلاص من الركائز الأساسية في قبول الأعمال، ومن القضايا المركزية في الشريعة
الإسلامية، إذ تقوم عليهما قيمة العمل واعتباره الشّرعي. وقد أجمع الفقهاء على أنّ
النيّة شرط في صحة الأعمال التعبّدية، وأن الإخلاص هو الميزان الذي تُقاس به مراتب
القبول عند الله تعالى، غير أنّ الخلاف الفقهي لم ينصرف إلى أصل النيّة في ذاتها؛ بقدر
ما انصبّ على مدى تأثُر العمل بشوائب الرّياء، وحدود قبول العمل إذا شابتهُ مقاصد
غير خالصة.
في هذا
السياق؛ يُقدّم الإمام الفقيه والأصولي أبو حامد الغزالي (ت505هـ) رؤية
فقهية-تربوية متوازنة، تتّسم بالدّقة والعمق، وتراعي طبيعة النّفس البشرية ومجاهدة
القلب، ففي "إحياء علوم الدّين" يُقرر الغزالي أن العمل إذا أُدّي لله
تعالى ثم طرأت عليه شوائب لاحقة من حبّ ثناء أو التفاتٍ للنفس، فإن ذلك لا يُبطل
العمل ما دام هذا القصد غير مستقر في القلب، وما دام العبد قد جاهد نفسه على دفعه.
يقول الغزالي
في إحيائه في باب الإخلاص: "فمن عَمل عملاً لله وخالطه قصدٌ آخر، فإن كان ذلك
القصد طارئاً بعد انعقاد النّية، لم يضرّه ما لم يكن مُستقراً في القلب، فإن
قاومه، وقلّبه بالإخلاص، لم يُحرَم الأجر".
ويضيف في
موضع آخر أن الرياء إن لم يكن هو الدافع الأصلي للعمل، بل عارضاً وضعيفاً؛ فإن
الأجر يُكتب بقدر ما خلصت به النيّة، لا بإهدار العمل كلياً، وهو ما ينسجم مع قوله
في المستصفى: "النية روح العمل، فإذا فسدَت فسدَ العمل، وإذا تلوّثت بشوائب
الرياء لم يكن لها ذلك الوزن في الميزان، وإن جاهد صاحبها نفسه، قُبِل منه ما وافق
الإخلاص".
وهذا
التفصيل ينسجم مع أصول الشريعة وقواعدها الكلية، وقاعدة العدل الإلهي التي تُقرر
أن الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة، بل يجزي على القليل إذا وُجد، قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾
الزلزلة:7، كما يؤيّده حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله لا يظلم
مؤمناً حسنة يُعطى بها في الدنيا ويُجزى بها في الآخرة"، رواه مسلم.
في
المقابل، يذهب الشيخ الداعية محمد الغزالي (1996م) في بعض خطبه الوعظية إلى تشديد
ظاهر في مسألة الإخلاص، حيث يقول: "إنّ الله قد يقبَل نصف الجُهد في سبيله،
ولكنه لا يقبل نصف النيّة؛ إما أن يخلص القلب له وإما أن يرفضه كله"، ويُفهم
من هذا القول أن العمل لا يُقبل إلا بإخلاصٍ كاملٍ خالص، وأن وجود أي شائبة يُفسده
من أساسه. وعلى الرغم من أن هذا الطرح يُحمل على التحفيز الأخلاقي والتزكية
التربوية، إلا أن أخذه على إطلاقه قد يُفضي إلى نتائج إشكالية، منها: توسيع دائرة
الوسوسة، وإغلاق باب الرجاء، وإشعار المكلّف بأن الإخلاص التّام شرط تعجيزي، وهو
ما لم تكلّف به الشريعة.
ذلك أن
جمهور الأصوليين والفقهاء فرّقوا بين الرّياء المحض الذي يكون باعثاً على العمل من
أصله، فيُبطله، وبين الرّياء العارض الذي يطرأ بعد الشروع فيه، فيُنقص الأجر ولا
يُعدمه، كما قرّره كثير من العلماء، مثل ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم.
وعليه؛
فإن الرّاجح فقهاً وأصولاً هو ما قرّره الإمام الأصولي أبو حامد الغزالي، من أن
الإخلاص درجات، وأن العبرة بما استقرّ في القلب وأن الله تعالى يُثيب على
المجاهدة، ولا يُحبط العمل كلّه بسبب شائبة عارضة لم يرضَ بها العبد ولم يُصرّ
عليها. وهذا المنهج يعكس فهماً عميقاً للميزان الإلهي القائم على العدل والفضل
معاً، حيث يجازى العبد على قدر صدقه، ويُعان على ما ضعف فيه، ما دام في حال مجاهدة
وسعي.
أما
تشديد الشيخ الغزالي؛ فيبقى خطاباً وعظياً يُحمل على التّنزيه والحث على الكمال،
لا على التقرير الفقهي المُلزم، حتى لا يتحول من باعث على الإخلاص إلى سبب في
القنوط واليأس، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ العنكبوت: 69، فالإخلاص المطلوب شرعاً ويستطيعه العباد
هو إخلاص المجاهدة، لا إخلاص الكمال.
إذن،
الغزالي الأصولي يوازن بين الجهد البشري والفضل الإلهي، ويؤمن بأن الإخلاص درجات
وأن رحمة الله أوسع من أن يحبط عمل العبد المشوب بالشوائب، والغزالي المعاصر يميل
إلى التنزيه المطلق ويركّز على قيمة الإخلاص التام تحفيزاً للنفس على تحقيق الصفاء
الكامل ويُحمل على الوعظ، لكنه قد يُغلق باب الرّجاء والأمل إذا فُهم كلامه على
ظاهره دون تفصيل.
وبذلك
يتّضح أن فقه الغزالي الأصولي يفتح باب الرّجاء، ويوازن بين ضعف الإنسان وسعة رحمة
الله، ويؤكّد أن القبول الإلهي لا يُقاس بالكمال المطلق، بل بصدق المجاهدة وسلامة
المقصد الغالب.
وختاماً؛
لو أراد الله سبحانه وتعالى من عباده كمال الإخلاص المطلق، لخََلَقَهم ملائكة لا
تعتريهم شهوة ولا يداخلهم ضعف، لكنه شاء لهم أن يكونوا بشراً يخطئون ويصيبون، ويُجاهدون
نفوسهم ويقاومون دوافع الرياء، ويجدّدون مقاصدهم في كل مرة، وفي هذا الجهاد المتواصل
تتجلّى قيمة حقيقة العبودية، ويتحقق معنى التكليف، ويُوزن العمل بصدق السعي لا
بكمال الصفاء.
فالإخلاص
المعتبر شرعاً ليس إخلاص العصمة والكمال، بل إخلاص المجاهدة والاستمرار، وعلى قدر
صدق هذه المجاهدة يكون الأجر والقبول كما دلّت عليه نصوص الوحي وقواعد الشريعة،
حيث يُثيب الله على ما خَلص من العمل، ويعفو عمّا دخله ضعف ما دام العبد لم يرضَ
به ولم يستقرّ في قلبه، وبذلك يستقيم الميزان الإلهي القائم على العدل والفضل،
ويتّسع باب الرجاء دون تفريط، ويُصان مقام الإخلاص دون تعسير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.