الشيخ علي مصطفى الطنطاوي رحمه الله: الداعية
والأديب والمصلح
بقلم: د. علي محمد الصلابي
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين
يمثل الشيخ علي مصطفى الطنطاوي (رحمه الله) إحدى القامات
الفكرية والدعوية البارزة في التاريخ الإسلامي المعاصر، إذ جمع في شخصيته بين
الفقيه والأديب، والداعية والمصلح، والمؤرخ الشاهد على عصر التحولات الكبرى في
العالم الإسلامي. ولم يكن الشيخ علي الطنطاوي عالماً يكتب للنخبة أو يخاطب
المتخصصين فقط، فهو كان رحمه الله صاحب رسالة عامة، أوصلها إلى الناس جميعاً بلغة
قريبة من القلوب، تجمع بين عمق الفكرة وجمال العبارة، وبين صدق التجربة ونفاذ
البصيرة. ومن هنا تكتسب الكتابة عنه، أو عن أثره في مسيرة الدعوة والفكر، قيمة
تتجاوز حدود السيرة الفردية، لتغدو قراءة في مرحلة مفصلية من تاريخ الأمة.
- الجذور العلمية والتكوين المبكر في بيت
العلم والفتوى
يمثل الشيخ علي مصطفى الطنطاوي (1327–1420هـ /
1909–1999م)، نموذجاً فريداً للعالم الموسوعي في القرن العشرين، حيث جمع بين الفقه
والأدب، والعمل القضائي، والنشاط الوطني، والحضور الإعلامي المؤثر في عموم الناس.
وقد عُدَّ من كبار أعلام الدعوة الإسلامية والأدب العربي في العصر الحديث، لما
امتاز به من عمق علمي، وسعة أفق، وقدرة نادرة على مخاطبة العامة والنخبة معاً.
ولقد وُلد الشيخ علي مصطفى الطنطاوي في دمشق يوم 23
جمادى الأولى 1327هـ الموافق 12 حزيران (يونيو) 1909م، في أسرة عُرفت بالعلم
والفتوى؛ فكان والده الشيخ مصطفى الطنطاوي من كبار علماء الشام، وانتهت إليه أمانة
الفتوى في دمشق، كما ترجع أصول أسرته إلى مدينة طنطا في مصر. أما أسرة أمه
(الخطيب) فهي من الأسر العلمية المعروفة في الشام، وكان خاله الكاتب والداعية محبّ
الدين الخطيب من أبرز أعلام الصحافة والدعوة في مصر في مطلع القرن العشرين، وصاحب
صحيفتي الفتح والزهراء، وكان لذلك أثر بالغ في تكوينه الفكري والأدبي المبكر. وله
ثلاثة إخوة أصغر منه، كلهم من النابهين: الفقيه القاضي الشاعر ناجي الطنطاوي،
والدكتور في الرياضيات عبد الغني الطنطاوي، والفيزيائي الأديب محمد سعيد الطنطاوي.
وكان الشيخ علي الطنطاوي من أوائل الذين جمعوا في
التكوين العلمي بين التلقي على المشايخ والدراسة في المدارس النظامية الحديثة،
فتعلم في هذه المدارس حتى آخر مراحلها.
وحين توفي والده ولم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، وجد
نفسه مسؤولاً عن أسرة فيها أم وخمسة من الإخوة والأخوات، وهو أكبرهم، فكاد يترك
الدراسة ويتجه إلى التجارة، غير أن عناية الله صرفته عن ذلك، فعاد إلى طريق العلم
ليكمله، ويبدأ منه مسيرة ستصنع واحداً من أبرز أعلام القرن العشرين.
- العالِم المشتبك مع قضايا أمته: من
العمل الوطني إلى القضاء
برز الشيخ علي الطنطاوي مبكراً في العمل الوطني، فرأس
اللجنة العليا لطلاب سوريا في ثلاثينيات القرن الماضي مدة ثلاث سنوات، وكانت هذه
اللجنة بمنزلة اللجنة التنفيذية للكتلة الوطنية التي كانت تقارع الاستعمار الفرنسي
في سورية، وهو ما يعكس مبكراً تداخُل العلم والدعوة بالهمّ العام في شخصيته.
وكان إلى جانب ذلك أديباً مرموقاً، كتب في كثير من الصحف
والمجلات العربية لسنوات طويلة، وكان من أبرز ما كتب ما نشره في مجلة الرسالة
المصرية، لصاحبها الأديب أحمد حسن الزيات، حيث استمر يكتب فيها قرابة عشرين سنة، من
سنة 1933م إلى أن احتجبت سنة 1953م، وأسهم من خلالها في ترسيخ المقالة الإسلامية
الأدبية ذات البعد الإصلاحي.
وفي مسيرته المهنية، عمل منذ شبابه في سلك التعليم
الابتدائي والثانوي في سوريا والعراق ولبنان حتى عام 1940م، ثم ترك التعليم ودخل
سلك القضاء، فأمضى فيه خمسةً وعشرين عاماً، بدأها قاضياً في النبك، ثم في دوما، ثم
انتقل إلى دمشق فصار القاضي الممتاز فيها من 1943 إلى 1953م، ثم نُقل مستشاراً
لمحكمة النقض في الشام، ولاحقاً مستشاراً لمحكمة النقض في القاهرة أيام الوحدة مع
مصر. وفي عام 1947م كُلّف بوضع قانون كامل للأحوال الشخصية، فأوفد إلى مصر مدة
سنة، درس خلالها مشروعات القوانين الجديدة المتعلقة بالمواريث والوصية وغيرها، ثم
أعد مشروع قانون الأحوال الشخصية كله، والذي صار هذا المشروع أساساً للقانون
المعمول به لاحقاً.
وفي مرحلة لاحقة من حياته، أقام في المملكة العربية
السعودية مدة خمسةٍ وثلاثين عاماً، قدّم خلالها برامج إذاعية وتلفازية حظيت بنجاح
كبير وأثر واسع، وأسهمت في إيصال الخطاب الإسلامي المعتدل إلى شريحة واسعة من
المجتمع، وحصل هو وبناته على الجنسية السعودية.
- من الذكريات إلى الشهادة التاريخية: السيرة
بوصفها وعياً بالعصر
بعد هذه السيرة الغنية والمتعددة المسارات، تأتي التجربة
الشخصية التي تجعل من الحديث عن علي الطنطاوي حديثاً حيّاً نابضاً، فقد تعرّفتُ
على الشيخ علي الطنطاوي مبكراً، وقبل هجرتي لطلب العلم، وكان يدخل علينا في السبعينيات
من القرن الماضي، عبر شاشة التلفاز في وقت الإفطار في شهر رمضان المبارك، في مشهدٍ
ارتبط في الذاكرة بروح السكينة والصفاء. وكان والدي – رحمه الله – من المتابعين له
والمعجبين بشخصيته وأسلوبه، فكان حضوره جزءاً من تكويننا الثقافي والوجداني. وعندما
كنا في المعتقل السياسي، كنا نستمع إليه عبر الأثير في برنامجه الشهير (مسائل
ومشكلاته)، ذلك البرنامج الذي جمع بين الفقه والواقع، وبين السؤال الصادق والجواب
المسؤول. ومن برامجه المشهورة كذلك (نور وهداية)، و(رجال من التاريخ)، و(على مائدة
الإفطار)، وهي برامج شكّلت جسراً بين العلم الشرعي والناس، دون تكلف أو تصنع
(الصلابي، من مسودة مذكرات وذكريات في طلب العلم والإصلاح).
وحين أقمت في المدينة المنورة، كنت حريصاً على اقتناء
الكتب، وكان من أوائل ما اشتريته كتب الشيخ علي الطنطاوي، وذلك في السنة الأولى من
الكلية عام 1410ه/ 1990مـ. وكنتُ يومياً، وقبل النوم، لا أترك قراءة ذكريات علي
الطنطاوي، تلك الأجزاء الثمانية التي لا تُقرأ قراءة عابرة، وإنما تُعاش تجربةً
كاملة. فهو الأديب الفقيه، وصاحب الأسلوب السهل الممتع؛ لا تملك نفسك معه من الضحك
أحياناً، ولا من البكاء أحياناً أخرى، وتتفجر في داخلك عاطفة التدين، وتشعر بعظمة
الإسلام من خلال دفاعه المستميت عنه، وهجومه بقلمه – السيف البتّار – على أعدائه،
دون مواربة أو خوف.
ومن خلال كتاباته أحببتُ دمشق، وتعرفتُ إلى الشام
وتاريخها، وأحيائها، ومساجدها، وعلمائها، ونبضها الاجتماعي، والثقافي.
وكان مما شجعني على كتابة هذه الذكريات، وتأملها، تأثري
العميق بتجربة الشيخ علي الطنطاوي في مسيرتي العلمية، وكذلك ما كتبه الشيخ أبو
الحسن الندوي – رحمه الله – في كتابه مسيرة الحياة. فهذه الكتابات لم تكن ذكريات
شخصية، وإنما شهادات على عصر، ورسائل إلى أجيال لم تأتِ بعد، أو وُلدت فسارت على
طريق دعوة الإسلام مخلصةً لله الدين، وما ذلك على الله بعزيز.
وقد عبّر الشيخ علي الطنطاوي عن منهجه في كتابة ذكرياته
بصدق نادر، حين قال: "بدأت كتابة الذكريات وليس في ذهني خطة أسير عليها، ولا
طريقة أسلكها، وأصدق القارئ أني شرعت فيها شبه المكرَه عليها…"، ومن ثم مضى
يشرح كيف جاءت ذكرياته بعيدة عن الأساليب التقليدية للمؤرخين، أقرب إلى الحياة
بتقلباتها، وصحوها ومطرها، ويسرها وعسرها، فجاءت صادقة، حيّة، تشبه الدنيا التي
نعيشها، لا الدنيا التي تُصنَّف في الكتب.
وكتب الشيخ علي الطنطاوي في مذكراته عن دمشق وذكريات
الطفولة من جوار الجامع الأموي إلى سفح جبل قاسيون، وعن أول خطبة له ضد المحتل
الفرنسي، وعن رحلته من مصر إلى الشام، وعن جده الشيخ أحمد الطنطاوي، وعن مشايخه،
والأسس العلمية في دمشق، وعن الثورة على الفرنسيين وبدايات المقاومة الوطنية، وعن
أمه وأبيه، ومسقط رأسه، وقبر والديه، وعن الامتحانات والجامعات والأساتذة
والمشايخ، وعن فارس الخوري، وعن دفاعه عن فلسطين، وأصعب الأيام في حياته، ورحلته
إلى ألمانيا، وصلاة الجمعة في بروكسل وهولندا، ورحلته إلى الحجاز، وذكريات بغداد،
والجزائر، وفلسطين، وباكستان، وكيف استقبلت دمشق جمال عبد الناصر، وقمة الوحدة بين
مصر وسوريا، ثم الانفصال، ورحلته إلى إندونيسيا، وتحدث عن ابنته بنان التي استشهدت
في ألمانيا.
كانت هذه الذكريات بالنسبة لي تاريخاً، وأدباً، وتجربة
إنسانٍ عظيم عاش للإسلام بقلمه، ومقالاته، ودروسه، في فترة حرجة من تاريخنا
المعاصر. وقد استفدتُ كثيراً من كتاباته عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر بن
الخطاب (رضي الله عنهما) في دراسته لعهد الخلافة الراشدة، حيث قدّم النموذج
الإسلامي في الحكم والعدل والقيادة بأسلوب علمي أدبي رفيع.
ولم تقتصر جهود الشيخ علي الطنطاوي – رحمه الله – على
جانب واحد، بل شملت ميادين الإصلاح كافة: التشريعية، والسياسية، والاجتماعية،
والتربوية، والتعليمية، والدعوية، والفقهية. وكان في طليعة من حاربوا البِدع
والخرافات، والعادات والتقاليد البالية التي لا يقرها الشرع، والسلوكيات المنافية
لقيم الإسلام، ودعا إلى الاعتزاز باللغة العربية، لغة القرآن الكريم، والتصدي
لمحاولات تهميشها أو تشويهها. ومن هنا كان الشيخ علي الطنطاوي متعدد الجوانب،
وغزير العطاء، ووافر العلم، ويقتحم الميادين، ويغوص في غمار المعارك الفكرية، ويلج
كل الأبواب ليصل إلى الناس، ويسمعهم كلمة الحق، ويعرّفهم بدين الإسلام، ويجمعهم
على الخير، والتعاون على البر والتقوى، والحب في الله، والعمل في مرضاته. وقد
تُوّج عطاؤه بمنحه جائزة الملك فيصل العالمية سنة 1990م.
ويجمع الباحثون على أن الشيخ علي الطنطاوي كان من رواد
إدخال الخطاب الإسلامي الرصين إلى الإذاعة والتلفاز، وأنه أسهم في تشكيل وعي أجيال
كاملة في المشرق العربي، بأسلوب يجمع بين الفقه والأدب، وبين التاريخ والواقع، حتى
غدت ذكرياته من أهم كتب السيرة الذاتية في القرن العشرين، لما تحمله من توثيق
اجتماعي وثقافي وسياسي بالغ الأهمية.
توفي الشيخ علي الطنطاوي في جدة سنة 1420ه/ 1991م.
وصُلّي عليه في المسجد الحرام بمكة المكرمة، وقد بلغ من العمر تسعين عاماً، وذلك
بعد حياة حافلة بالبذل والعطاء..
رحمه الله رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وأعلى ذكره
في المصلحين.
- الأثر والبقاء: مدرسة علي مصطفى الطنطاوي
في الدعوة والفكر والإصلاح
ترك علي الطنطاوي عددًا كبيرًا من الكتب، أكثرها يضم
مقالات مما سبق نشره في الصحف والمجلات، وهذه هي أهم مؤلفاته (مرتبة على تواريخ
صدور طبعاتها الأولى):
1. أبو بكر الصديق (1935)
2. قصص من التاريخ (1957)
3. رجال من التاريخ (1958)
4. صور وخواطر (1958)
5. قصص من الحياة (1959)
6. في سبيل الإصلاح (1959)
7. دمشق (1959)
8. أخبار عمر (1959)
9. مقالات في كلمات (1959)
10. من نفحات الحرم (1960)
11. حكايات من التاريخ (1–7) (1960)
12. هتاف المجد (1960)
13. من حديث النفس (1960)
14. الجامع الأموي (1960)
15. في إندونيسيا (1960)
16. فصول إسلامية (1960)
17. صيد الخاطر لابن الجوزي (تحقيق وتعليق) (1960)
18. فِكَر ومباحث (1960)
19. مع الناس (1960)
20. بغداد: مشاهدات وذكريات (1960)
21. تعريف عام بدين الإسلام (1970)
22. فتاوى علي الطنطاوي (1985)
23. ذكريات علي الطنطاوي (1–8) (1985–1989).
(الصلابي، من مسودة مذكرات
وذكريات في طلب العلم والإصلاح)
ونشر حفيده مجاهد مأمون ديرانية بعد وفاته عددًا من
الكتب جمع مادتها من مقالاتٍ وأحاديثَ لم يسبق نشرها، وهي (مرتبة حسب تاريخ
صدورها):
وخلاصة القول: إن الشيخ علي الطنطاوي كان مدرسة متكاملة
في الدعوة والفكر والإصلاح.
وقد عاش للإسلام في زمن الاضطراب، فثبت على المنهج،
وواجه الانحراف بالفكرة، والباطل بالكلمة، والجهل بالعلم، وترك للأمة تراثاً
باقياً لا يُقاس بعدد الكتب أو البرامج، بل بعمق الأثر في القلوب والعقول. وإذا
كانت الأمم تحفظ ذاكرتها برجالاتها، فإن علي الطنطاوي كان من أولئك الذين حفظوا
للأمة ذاكرتها، وربطوا حاضرها بماضيها، وأضاءوا لها طريق المستقبل. رحمه الله،
وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
المراجع:
1. الصلابي، علي محمد. (2025). من مسودة مذكرات وذكريات في طلب
العلم والإصلاح والسياسة، قيد التأليف.
2. الطنطاوي، علي (1996م). في سبيل الإصلاح. دار المنارة، جدة.
3. الطنطاوي، علي. (1993). ذكريات علي الطنطاوي، دارة المنارة،
جدة. الأجزاء 1- 8، ط5.
4. الطنطاوي، علي. (2008). فصول في الدعوة والإصلاح. دار المنارة،
جدة.
5. الندوي، أبو الحسن علي. (1985). مسيرة الحياة. دار القلم، دمشق.