تمهّل، لا تُسارع
فيهم..
تشخيص خلل التّكوين،
ومسؤوليّة العلم والتّربية!
بقلم: د. رياض فرج عبدات
عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين
حين تتطاير الفتاوى كالمقذوفات،
وتُلقى الأحكام الشّرعيّة بلا خطام ولا زمام، فإنّ
السّؤال الملحّ ما منشأ هذه الجرأة المستعرة؟
والجواب: في تقديرٍ علميٍّ أنّ أصل الدّاء ضعفٌ بنائيٌّ عميق، تشكّل
عبر مسارٍ مختلٍّ في التّعلّم والتّربية معًا.
فمن جهة، ثَمّة ضعف تكوينيّ
معرفيّ تمثّل في بناءٍ علميٍّ عارٍ عن المنهج الواضح، ومجرّدٍ من المنهجيّة المنضبطة،
يفتقر إلى الشّيخ الحصيف الّذي يربّي قبل أن يعلّم، ويؤصّل قبل أن يُرسل، ويهذّب قبل
أن يُجيز؛ فوجد علمٌ بلا أصول، وفقهٌ بلا مسالك، ونظرٌ بلا موازين.
ومن جهة أخرى، برز ضعف تربويّ
إيمانيّ غاب فيه أثر العلم في تزكية النّفس، ومراقبة الله، والخشية من القول عليه بغير
علم، والتّورّع عن الخوض في كلّ شيء، والاحتياط في الأحكام، والتّوقّف الصارم في قضايا
الدّماء والأعراض، ومآلات الفتن، وأزمنة الهرج والمرج؛ حتّى صار العلم عند بعضهم أداةَ
تصدّر لا عبوديّة، ومنبرَ غلبة لا أمانة.
ثم تراكم هذا الخلل مع حبّ
الظّهور، وحظوظ النّفس، ومنافساتٍ غير شريفة في التّعلّم والتّقدّم، واستثمارٍ لبعض
أدعياء المعرفة، وتجييرٍ للرّموز في معارك إقصاء لا في ميادين هداية، حتّى تغذّت هذه
الانحرافات على الأهواء، وبُنيت على شفا جرفٍ هارٍ من الظّنون؛ فكانت وقودًا تُسعَّر
به النّفوس، وتُذكى بها نيران الاحتراب، ويُغذّى بها الاضطراب الفكريّ والاجتماعيّ.
وأمام هذه المآلات الخطرة،
فإنّ المعالجة الحقيقيّة تقتضي إعادة الاعتبار للتّكوين المنهجيّ الرّصين: علمًا مؤصّلًا،
متدرّجًا، مضبوطًا بالأصول، بعيدًا عن القفزات والاختزال المخلّ وثقافة القراءة السّريعة.
كما تقتضي إحياء مركزيّة التّربية
مع العلم؛ إذ العلم بلا خشية وبالٌ على صاحبه وعلى الأمّة، ولا بدّ من ربط الفقه بمقام
التّعظيم لله، والخوف من الزّلل، واستحضار المسؤوليّة بين يدي الله.
ويُلحَق بذلك إحياء فقه التّوقّف
والاحتياط، لا سيما في الدّماء والأعراض والنّوازل العامّة والفتن؛ فالتّوقّف هنا عبادة،
والسّكوت علم، وترك الأمر لكبار العلماء الرّاسخين عينُ الحكمة.
كما يلزم كبح ثقافة التّصدّر
المبكّر بتعظيم قيمة التّزكية العلميّة، ومنع تمكين غير المؤهّلين من منابر التّأثير،
مهما أحسنوا الخطاب أو راجوا إعلاميًّا؛
فالإعلام له نشوة وشهوة، لا
تصلحان ميزانًا للعلم.
ويجب في السّياق نفسه تحرير
مفهوم الخلاف والاختلاف؛ ليكون اختلافَ تنوّعٍ ورحمة، لا صراع تصفيةٍ وإلغاء، ولا وقود
تحريضٍ وتجييش؛ فالرّكون إلى الباطل ظلم، والحياد في الفتنة فعلٌ مسؤول.
وحاصل ذلك كلّه أنّ التّناول
في دين اللّه بغير علم تجرؤٌ لا اجتهاد، وتعالمٌ لا تعلّم؛ وهو خطٌّ سريع إلى الزّيف
والتّغرير، وسبب مباشر لاغترار العامّة، وتشويه الوعيّ، وتمزيق الصّف.
وإنّ صيانة الدّين، وحماية
العقول، وتحصين الأجيال، لا تكون إلّا بردّ الأمر إلى أهله، والوقوف عند حدود الاختصاص،
ووقف الخوض قبل البيان، والجرأة قبل الأمانة؛ فذلك أصدق في النّصح، وأوفى للعلم، وأبرأ
للذّمّة، وأقرب إلى مرضاة اللّه.
رضي اللّه عنّا أجمعين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة:
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين.