المسجد الأقصى قلب القدس ومسرى النبي
ﷺ
بقلم: د. إسماعيل صديق عثمان
عضو الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين
المعلوم أن معجزة الإسراء والمعراج من أعظم معجزات
نبينا الكريم محمد ﷺ ، وهي ثابتة في الكتاب والسنة؛ بنصوص قطعية فيها وصف القرآن
الكريمُ وفي كثير من آياته بيتَ المقدس ومسجدَه بالبركة؛ وفيها إثبات للإسراء، يقول
تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ
لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي
بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ}،
وفي السنة أيضاً وردت أحاديث صحيحة تتحدث عن مكانة
المسجد الأقصى منها حديث أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ) عَنِ
النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ:
المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
وَمَسْجِدِ الأَقْصَى).
مما يؤكد أهمية ومحورية المسجد الأقصى في سيرة
النبي ﷺ وعند المسلمين اعتقاداً وتعظيماً، وفي معنى
تسمية المسجد الأقصى يقول الزَّمَخْشَرِيّ: سُمِّيَ اَلْأَقْصَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ
يَكُنْ حِينَئِذٍ وَرَاءَهُ مَسْجِد؛ وقال بعضهم سُمِّيَ اَلْأَقْصَى لِبُعْدِهِ
عَنْ الْمَسْجِدِ اَلْحَرَام فِي الْمَسَافَةِ، والمسجد الأقصى هو أولى القبلتين
جهةً، وثاني المسجدين وجوداً، وثالثُ الحرمين الشريفين، طهارةً وقداسة، وأول من
بنى المسجد الحرام والمسجد الأقصى هو سيدنا إبراهيم (عليه السلام).
وهو مسّرى رسول الله محمد ﷺ ليلاً من المسجد الحرام؛
وإليه تشدُّ الرحال كما تشد إلى مسجد مكة والمدينة، والاعتكاف في المسجد الأقصى
فيه فضل عظيم،
فأكمل الاعتكاف ما كان في المساجد الثلاثة، وقد ورد
عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ بن اليمان (رضي الله عنه) لِعَبْدِ
اللهِ بن مسعود (رضي الله عنه): (عُكُوفٌ بَيْنَ دَارِكَ وَدَارِ أَبِي مُوسَى لَا
تُغَيِّرُ؟!) وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: ( لَا اعْتِكَافَ إِلَّا
فِي الْمَسَاجِدِ الثَلَاثةِ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ, وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ
وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟) قَالَ عَبْدُ اللهِ: (لَعَلَّكَ نَسِيتَ
وَحَفِظُوا، وَأَخْطَأتَ وَأَصَابُوا)،
وقد ثبت أن الشام أرض المحشر والمنشر، فعَنْ
سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ لَنَا: (إِنَّكُمْ
تُحْشَرُونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ تَجْتَمِعُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)،
وعلى الرغم من هذه المكانة السامية والرفيعة للمسجد
الأقصى عند المسلمين وعلى مدار عقود ظل تحت الاحتلال الصهيوني لفلسطين وسيطرتهم
عليه، ومارس فيه المحتلون أعمال التهويد والتخريب، وظلوا على الدوام يعتدون على المصلين،
ويستبيحون حرمته باعتداءات واعتقالات وقتل وتدنيس واقتحامات متكررة ومستمرة إلى
يومنا هذا.
وقد يتسآل البعض عن الحكمة من الإسراء ولماذا خُص
المسجد الأقصى به؟! ولعل هناك حكم كثيرة وراء
الإسراء لا يمكن حصرها؛ نلخص أهمها في أن:
- أرض فلسطين وما حولها أرض مباركة، - كما أسلفنا -
وقد عاش فيها أغلب الأنبياء (عليهم السلام)، ودفن في أرضها إبراهيم ولوط ويعقوب
ويحيى وزكريا (عليهم السلام)، ولقد مدحها الله في القرآن الكريم في مواضع كثيرة؛
-
وتتجلى
أيضاً الحكمة في الإسراء في أن النبي ﷺ عانى من من مشقة ومصاعب كثيرة في ذلك الوقت
– وقت الإسراء -، بسبب فقدانه لعمه أبو طالب وزوجه خديجة بنت خويلد (رضي الله عنها)،
وكذلك عندما ذهب إلى أهل الطائف يطلب منهم الوقوف بجانبه؛ والدخول في الإسلام فلقى
منهم الصدود والعنت، وسلطوا عليهم السفهاء والأطفال، وساموه أشد أنواع العذاب حتى
سالت الدماء من قدمه الشريفة، ثم أوى إلى الشجرة ودعا ربه دعائه المشهور: ( اللهم
إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب
المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري، إن لم
يكن بك علي غضب فلا أبال ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له
الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو تحل علي سخطك لك
العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك). فنزل جبريل (عليه السلام) قائلاً: إذا
كان أهل مكة آذوك وطردوك فإن رب البرية لزيارته يدعوك، فكان الإسراء تكريم له ﷺ وتشريفًا
وتسلية وتسرية على ما عانى ومر به من متاعب،
-
وكذلك
كانت حادثة الإسراء إظهاراً لصدق دعواه ﷺ فحين سألته قريش عن وصف بيت المقدس، وصفه
لهم وأخبرهم عن عيرهم التي مر عليها في طريقه، ولو كَانَ عروجه إِلَى السماء من
مكة لما حصل ذلك، لأنهم لا علم لهم بالعالم العلوي، إذ لا يمكن إطلاعهم عَلَى ما
في السماء لو أخبرهم عنه، لكنهم اطلعوا على بيت المقدس فأخبرهم بوصفه ونعته، لذلك
قال لقريش: (وآية ذلك أنى مررت بعير بنى فلان بوادي كذا وكذا، فأنفرهم حس الدابة،
فند لهم بعير فدللتهم عليه وأنا متوجه إلى الشام، ثم مررت بعير بنى فلان، فوجدت
القوم نياماً ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشئ، فكشفت غطاءه وشربت ما فيه، ثم
غطيت عليه كما كان، وآية ذلك أن عيرهم تصوب الآن من ثنية التنعيم البيضاء، يقدمها
جمل أورق عليه غرارتان إحداهما سوداء والأخرى برقاء. قال: فابتدر القوم الثنية فلم
يلقهم أول من الجمل الذي وصف لهم وسألوهم عن الإناء وعن البعير، فأخبروهم كما ذكر
صلوات الله وسلامه عليه، وذكر عن إسماعيل السدي، أن الشمس كادت أن تغرب قبل أن
يقدم ذلك العير، فدعا الله عز وجل فحبسها حتى قدموا كما وصف لهم. قال: فلم تحتبس
الشمس على أحد إلا عليه ذلك اليوم وعلى يوشع بن نون)،
-
وهكذا كانت
معجزة الإسراء تمهيداً ومقدمة للتصديق بالمعراج؛ فلما طلبوا منه وصف المسجد أظهر
الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أمامه المسجد، فأخذ يراه رأي العين ويصفه لهم حتى
أيقنوا وصدقوا أنه قد أسري به، وكان ذلك تصديقاً قلبياً وليس تصديقاً إيمانياً،
ووقر ذلك في قلوبهم، كما قال الله تعالى: {فَإِنَّهُمْ
لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}،
فجحدوه بعد أن وقر في قلوبهم،
-
كما أن
بيت المقدس هو مهبط النبوة قبل نبوة النبي ﷺ فأنبياء بني إسرائيل بعثوا في تلك
الأرض المقدسة، وبه القبلة الأولى التي كَانَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وأصحابه يستقبلونها، وهو امتداداً للرسالات السابقة التي جاء النبي ﷺ
مكمِّل ومتمِّمٌ وخاتم لها، فكان لابد أن يواصل ما دعا إليه الأنبياء السابقين ويكمله
بوصفه الخاتم للرسالات،
-
وفي
الإسراء ظهرت مكانة النبي ﷺ عند ربه حيث أم الأنبياء والمرسلين السابقين في الصلاة
ببيت المقدس، فأكد وحدة الرسالات السابقة في المصدر الإلهي؛ والهدف لتعبيد الناس
جميعاً لله تعالى والغاية السامية الواحدة التي جاء بها الأنبياء (صلوات الله
عليهم) من ربهم، والتي أكملها النبي ﷺ القائل: (مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل
رجل بنى دارًا فأتمها إلا موضع لبنة؛ فكان الناس يقولون: لولا هذه اللبنة، فأنا
هذه اللبنة).
-
وقد مهد
الإسراء للمعراج الذي رأى فيه النبي ﷺ الحقائق الغيبية فليس من رأي وجرّب كمن علم
وسمع، وفي ذلك يقول تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ
الْيَقِينِ}، وبعدها علم النبي ﷺ علم اليقين وعين اليقين؛ وكانت رؤيته في
المعراج وفي آيات المعراج حق اليقين، والتي قال فيها جل وعلا: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى}.
نسأل
الله أن يُعِدَ المَسْجِدَ الأقْصَى إِلَى رَحَابِ الْمُسْلِمِينَ وَيطَهَّرَهُ
مِنَ الْيَهُودِ الْغَاصِبِينَ؛ وأن يكون عوناً للمرابطين في فلسطين وينصرهم على
أعدائهم، ويرد إلينا فلسطين ومسجدها الأقصى رداً جميلاً، اللهم لا ترد دعاءنا ولا
تخيب رجاءنا وأنت أرحم الراحمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
بروفيسور/ إسماعيل صديق عثمان إسماعيل؛ أستاذ العقيدة والأديان المشارك – جامعة
بحري. عضو الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
* ملحوظة: جميع المقالات
المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين.