البحث

التفاصيل

قراءة نقدية في الخطاب الهجومي على الشيخ علي القره داغي والاتحاد العالمي

الرابط المختصر :

قراءة نقدية في الخطاب الهجومي على الشيخ علي القره داغي والاتحاد العالمي

كتبه: سالم الشيخي

 

في زمنٍ تتسع فيه المنصات، وتتقلّص فيه المعايير، يصبح الخطر الأكبر ليس في اختلاف الناس، ولا في تضارب الرؤى، بل في التحول من النقد إلى الفجور، ومن التحليل إلى التهمة، ومن الخطأ إلى الإصرار على الخطأ عبر صناعة سرديات تعويضية تُغطي عليه.

ومن هنا يمكن فهم مسار الأزمة التي فجّرها الكاتب جمال سلطان في حديثه عن فضيلة الشيخ الدكتور علي محيي الدين القره داغي- حفظه الله- وعن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: إذ بدأت القصة من زعمٍ لا يقوم على بيّنة، ثم لما انكشف أساسه، لم تُقابل الكذبة بما يليق من رجوعٍ وتوبةٍ وتصحيح، بل اتجهت الكتابة نحو نموذج معروف في الأدبيات الإعلاميّة والسياسيّة: نموذج الهروب إلى الأمام.

أوّلًا: من الادعاء إلى التحوّل… حين يسقط الاستدلال.

المنطلق الأول للأزمة كان زعمًا محدّدًا: أنّ الدكتور محمد جورماز -حفظه الله-استقال من منصبه بسبب خلافٍ مع الشيخ القره داغي -حفظه الله- مرتبط بالموقف من قسد في سوريا.

وهنا نحن لا نتحدث عن خطأ تحليلٍ قابل للاجتهاد، وإنّما عن نسبة سببٍ محدّد إلى شخصٍ بعينه دون توثيق، ثم بناء نتائج كبرى عليه.

لكن الذي وقع لاحقًا-حسب سياق الأحداث- أنّ الدكتور قرماز نفسه حسم المسألة وبيّن سبب الاستقالة الحقيقي، وهو التفرّغ لعمله الأكاديمي، وبذلك انهار الأساس الذي بُني عليه ذلك الادعاء.

وفي المنطق العلمي: إذا سقطت المقدّمة سقط ما بعدها.

لكن المشكلة أنّ بعض الخطابات حين تُهزم بالحقائق، لا تتراجع، بل تُبدّل ساحة المعركة.

ثانيًا: صناعة المظلومية بوصفها تقنية للهروب من المسؤولية.

عوضًا عن الاعتذار والتوبة والتصحيح، انتقل الخطاب إلى تهمة أخرى من جنسٍ مختلف:

أنّ الهجوم عليه هو تجنيد من الإخوان للدفاع عن الاتحاد، وأنّه يتعرض لـ حملة منظمة.

وهنا نحن أمام آليّة دعائيّة لا علاقة لها بالنزاهة العلميّة:

عندما تفشل حجتك… اتهم خصمك بأنّه عصابة!

والأخطر من ذلك: أنّ هذه الآليّة تقوم على قلب قواعد الأخلاق والبحث:

- بدل التحقق من صحة الخبر: يُبنى خطاب شَبَكي وتنظيمي.

- بدل الاعتذار عن الزلل: تُصنع رواية اضطهاد.

- بدل تقديم دليل: تُطلق تهمة تجنيد بلا برهان.

وهذا لونٌ من ألوان التضليل الذي يُحفظ في باب: الاستعاضة عن الحقيقة بالثأر النفسي.

ثالثًا: الثابت في مواقف الشيخ القره داغي تجاه قضايا الأمة.

إنّ من يُنصف نفسه قبل أن يكتب، يعلم أن فضيلة الشيخ علي القره داغي -حفظه الله- شخصيّة علميّة ومؤسسيّة، لها تاريخٌ طويل في نصرة قضايا الأمة شرقًا وغربًا.

وأنّ مجرّد متابعة دقيقة لصفحته الرسميّة، أو لبيانات الاتحاد العالمي وأنشطته، كافٍ لإدراك حجم الجهود العلميّة والدعويّة والحقوقيّة التي بُذلت في نصرة المستضعفين، وفي قضايا الحريّة والكرامة والهويّة الإسلاميّة.

وفي ميزان الإنصاف لا يُقبل أن يُختزل تاريخٌ بهذه السعة في اتهامٍ عابرٍ ولحظة انفعال إعلامي.

رابعًا: ربط الموقف السياسي بالانتماء القومي… سقوط أخلاقي قبل أن يكون فكريًّا.

من أخطر ما تضمّنه خطاب جمال سلطان-كما يظهر من مضمون كلامه- محاولة ربط الادعاء السياسي المتعلّق بـ”قسد” بما يوحي بالانتماء الكردي للشيخ القره داغي- حفظه الله-وهذا الربط ليس خطأً عاديًا؛ بل هو مستنقعٌ أخلاقي ومعرفي، لأنّ: الانتماء القومي لا يصلح دليلًا على المواقف السياسيّة.

وهو يفتح الباب إلى خطاب كراهية وعنصريّة مستترة.

ويحوّل النقاش من أفكار ووقائع إلى أصول وهويّات.

والحق أنّ هذا المنهج لا علاقة له بالكتابة الإسلاميّة الرشيدة، ولا بالمهنية الإعلاميّة، وإنّما هو من جنس السقوط الذي يفضح أزمة في المنهج قبل أن يفضح الموقف.

خامسًا: التوقيت السياسي للهجمة وموقعها الموضوعي في خارطة الاستهداف.

إذا كان للوقائع لغة، فللتوقيت لغة أبلغ.

إنّ توقيت الهجوم على الشيخ القره داغي -حفظه الله- وعلى الاتحاد العالمي في هذا الظرف الإقليمي والدولي يحمل دلالات عميقة؛ لأنّ الساحة الغربية- بل وبعض الأنظمة العربية- تتوسع في تصنيف العاملين للإسلام والمؤسسات الدعويّة والحقوقية ضمن توصيفات الإرهاب.

فحين يأتي خطابٌ إعلامي عربي، ويضع رموزًا مؤسسيّة إسلاميّة في خانة الشُّعب التنظيمية، والتجنيد، فإنّه- شاء أم أبى- يعمل بالضبط داخل المجال الدلالي نفسه الذي تستخدمه أجهزة الاستهداف والتشويه.

ولهذا فالقول هنا ليس انفعالًا، بل تشخيصًا: من يكتب بهذه اللغة، وفي هذا التوقيت، يشارك في صناعة المناخ الذي يُجرّم المؤسسات الإسلاميّة.

سادسًا: الأزمة الأعمق… سقوط الأخلاق داخل بيت من يزعم الانتساب للإسلاميين.

إنّ أخطر ما تكشفه هذه الحادثة ليس خطأ تقريرٍ واحد، ولا زلّة مقالٍ واحد، بل أزمة أخلاقيّة في الوعي السياسي والإعلامي عند بعض من يزعمون أنّهم إسلاميون.

فحين يصبح الكذب وسيلة، والتشكيك صناعة، واتهام النيات تجارة، تُفتح ملفاتٌ كبرى:

- أين الصدق؟

- أين الورع؟

- أين العدل مع المخالف؟

أين قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ}؟.

بل إن الوقائع التاريخيّة لجمال سلطان وأمثاله ممن يزعمون أنّهم من الإسلاميين في الملف المصري منذ حكم الدكتور الشهيد محمد مرسي -رحمه الله- يكشف أنّ بعض من دخلوا هذا المعترك الإعلامي والسياسي لم يُحسنوا منطق الإصلاح ولا خطاب البناء، وأنّهم بدل ذلك جلبوا على الأمة خصومات وانقسامات، ثم أنتجوا ثقافة تصفية الحسابات داخل الصف الواحد.

خاتمة: كلمة لازمة في زمن الفتن.

إنّ الخلاف العلمي والسياسي لا يفسد للود قضية، إذا بني على الحقائق، والتثبت، والتجرد، واحترام رموز الأمّة وعلمائها، أمّا تحويل أخطاء الكتابة إلى مظلومية، وتحويل سقوط الادعاء إلى معركة ضد التنظيم، وتحويل النقاش من الوقائع إلى الهويّات فهذا هو عين العبث.

والخلاصة التي ينبغي أن تقال بوضوح:

أنّ ما وقع من جمال سلطان ليس نقدًا علميًّا، بل نموذجًا مكشوفًا للهروب إلى الأمام؛ بدأ بكذبة، ثم انتهى بصناعة رواية مضادة تُغطي على الكذبة.

والواجب في مثل هذه المواطن ليس أن نُحسن تزيين الكلام، بل أن نردّ الأمور إلى أصولها:

اتق الله في الأعراض، ولا تجعل خلافاتك السياسيّة جسرًا إلى بهتان العلماء والمؤسسات.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

* أ. د. سالم الشيخي عضو المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث. عضو مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا.


: الأوسمة


المرفقات

التالي
مجلس القره داغي يعقد ندوة علمية حول اختلال ميزان التديّن وأثره في واقع الأمة
السابق
عن أستاذنا الشيخ القره داغي والحملات المغرضة عليه

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع