على درب الحب
بقلم: زهرة سليمان أوشن
عضو الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين
الحب أحبابنا الكرام قوة دافعة للعطاء،
بذرة نزرعها في نفوسنا، نسقيها بالتقوى والإخلاص فتتحول إلى شجرة يانعة تؤتي أكلها
كل حين بإذن ربها، والانطلاق دائما من دائرة الحب الأكبر، حب الله ورسوله -صلى الله
عليه وسلم-، ثم حب الوطن والخير والحق، حبنا للناس الذين هم عيال الله يتجلى فيهم إبداعه
وعظيم صنعه، فنمد روابط مع إخواننا في
الدين والوطن لتكون جسور المودة ووشائج القربى صلات توثق العلائق بيننا وتزيد
تماسكها، فإذا بالحب العميق يزرع مساحات من التسامح والألفة، ليثمر بعد ذلك تعاونا
على البر والتقوى، وسيرا في الدرب على الهدى والفضيلة.
لعل أعظم كلام يلخص هذه العلاقة القوية
ليجعل من أحدنا مرآة لأخيه، فيرقى في
تعامله ويسمو في تواصله ليكون لله وفي الله وبالله، لعل أروع ما يلخص هذه العلاقة
الطيبة المباركة قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه عنه سيدنا أنس
رضى الله عنه: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) رواه البخاري ومسلم، ففي
هذا الحديث تتجسد الأخوة الحقيقية، وتنعكس معانيها في واقع الحياة تطبيقا عمليا
يظهر طيبة وخلقا، محبة ورفقا، رحمة وإحسانا، فإذا بنا نجد بين أفراد المجتمع لين
الكلام وطيب الفعال، وتختفي من القلوب الأحقاد والضغائن، ليعم الصفح والعفو، ويسود
الكرم الإحسان.
ولأن الإنسان لا يحب أن يعامل إلا
بالأفضل، ولا يتمنى أن يرى إلا الأجمل، لذا فإن عليه أن يبذل لإخوانه الأحسن والأروع،
موقنا أن الجزاء من جنس العمل وأنه سيعامل وفقا للقانون الإلهي الذي يقول فيه رب
العزة: (هَلۡ جَزَآءُ
ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ) سورة الرحمن/ 60، وليتذكر أنه في تعامله مع العباد إنما يتعامل مع الله
عز وجل، ومن ثم لا يصدر منه إلا ما يحب أن يصدر من الآخرين نحوه.
إنها العلاقة الراقية والأخلاق الرفيعة
نمدها جسورا للتواصل بين إخواننا فلا نحب لهم إلا ما نحبه لأنفسنا، لأنهم انعكاس
لنا، نحن منهم وهم منا، فإذا أنت أنا وأنا أنت، وصدق أحد الأدباء عندما لخص هذا
العمق الوجداني في هذه الخاطرة فقال: (قال لي المحبوب لما زرته، من بالباب؟ قلت: بالباب
أنا. قال أخطأت تعريف الهوى حين فرقت فيه بيننا، ومضى عام فلما جيئته أطرق الباب عليه
موهنا، قال من أنت؟ قلت انظر، فما ثم إلا أنت بالباب ها هنا. قال أحسنت تعريف
الهوى وعرفت الحب فادخل يا أنا).
لقد لخص الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه
هذا الرباط الوثيق في عبارته المعجزة الموجزة، وهي ما نحتاجه اليوم لنصنع مجتمعا
متماسكا تسوده روابط المحبة وتؤلف بينه وشائج المودة ويتخلق أفراده بكل خلق كريم
فتتجلى عظمة هذا الدين ويظهر الانتماء الحقيقي له في مرآة المجتمع.
إننا بحاجة لأن نتغلب على أهوائنا
ونزعات الشر في نفوسنا فنحسن تزكيتها لترقى إلى هذا المستوى من الحب، فإذا الصفا
يسمو بنا عن الأنانية ونزعات الفتنة الشيطانية، ليكون مجتمعنا كالبنيان المرصوص
يشد بعضه بعضا، مجتمعا متعاونا على البر والتقوى، يسوده التسامح ويظلله الخلق
الكريم.
اليوم أيها الكرام في ظل الأمواج
المادية التي تجتاح مجتمعاتنا وسيطرة الأنانية وتفشي القسوة والخلل الذي حدث في علاقاتنا،
نحن في حاجة كبيرة للعودة لهذا الحديث النبوي الشريف واستشراف دلالاته الرائعة وأبعاده
العميقة حتى نستطيع أن نبني مجتمعا إسلاميا متماسكا، تربط بين أفراده روابط الأخوة
الإيمانية التي تعلو بهم على العصبية الجاهلية، وترقي فيهم مكارم الأخلاق، وتجعلهم
معاول بناء تسهم في نهضة الأمة وتقدمها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا
تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.