البحث

التفاصيل

"فقه الميزان" مشروع تجديدي في ضبط الاجتهاد المعاصر

الرابط المختصر :

بسم الله الرحمن الرحيم

"فقه الميزان" مشروع تجديدي في ضبط الاجتهاد المعاصر

(قراءة منهجية في إسهام د. علي محيي الدين القره داغي)

بقلم: الشيخ نشوان عادل البدراني

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

فقه الميزان كما نظّر له وطوّره الدكتور العلامة علي محيي الدين القره داغي بوصفه مشروعا تجديديا في المنهج الاجتهادي المعاصر لا يقتصر على المعالجة الجزئية، بل يسعى إلى إعادة بناء آليات الفهم والترجيح والتنزيل في الفقه الإسلامي، ويقوم هذا المشروع على تحقيق التوازن المنضبط بين النصوص الشرعية ومقاصدها، وبين الثوابت والمتغيرات، وبين فقه الواقع والالتزام بأصول الاستدلال.

وتتبين القراءة هذه الأسس القرآنية والمنهجية لفقه الميزان، وأبعاده المقاصدية والحضارية، مع بيان تطبيقاته في القضايا المعاصرة، وقيمته في ترشيد الخطاب الفقهي وتعزيز الاجتهاد الجماعي، وعليه ففقه الميزان يمثل إطارا علميا رصينا لإحياء فقه العدل والوسطية، وإعادة ضبط مسار الاجتهاد في زمن الاستقطاب الفقهي.

مقدمة:

يشهد الفقه الإسلامي المعاصر تحديات غي مسبوقة، تمثلت في تعقّد الوقائع، وتسارع التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتزايد النوازل ذات الأبعاد المركبة بما جعل كثيرا من المناهج الاجتهادية التقليدية عاجزة عن الإحاطة بالواقع أو عن تحقيق مقاصد الشريعة في تنزيل الأحكام، وقد أفضى هذا الوضع في كثير من الأحيان إلى اختلال في الموازين الفقهية تمثّل إما في الجمود على ظواهر جزئية أو في توسيع دوائر الترخيص باسم المقاصد دون ضوابط منهجية.

في هذا السياق يبرز مشروع فقه الميزان الذي قدّمه شيخنا القره داغي بوصفه أحد أبرز مشاريع التجديد المنهجي في الاجتهاد المعاصر، ولا يقوم هذا المشروع على إضافة مصطلح جديد إلى المعجم الفقهي فحسب، بل يسعى إلى إعادة بناء آلية النظر الفقهي ذاتها من خلال ضبط العلاقة بين النص والواقع، وبين الجزئيات والكليات، وبين المقاصد والتنزيل العملي للأحكام، ومن هنا فإن فقه الميزان يمثل محاولة علمية جادة لإعادة الاعتبار للعدل والوسطية بوصفهما قيمتين حاكمتين في الفهم والاجتهاد والتطبيق.

أولا: مفهوم فقه الميزان وتأصيله الشرعي.

١. الميزان في القرآن الكريم:

يُعد مفهوم الميزان من المفاهيم المركزية في الخطاب القرآني، وقد ورد في سياقات متعددة تؤكد معاني العدل والاستقامة والتوازن كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: 25).

شيخنا القره داغي يفهمُ الميزانَ هنا بوصفه مبدأ حاكما للفهم والتطبيق، لا مجرد أداة مادية، بل معيارا قيميا ومنهجيا يضبط حركة الإنسان في الاعتقاد والسلوك والتشريع.

٢. تعريف فقه الميزان:

عرّفه شيخنا القره داغي بأنه: منهج فقهي يقوم على تحقيق التوازن العادل بين النصوص الشرعية ومقاصدها، وبين المصالح والمفاسد، وبين الواقع والمتطلبات الشرعية، على أساس من الفهم الكلي للشريعة، وعليه ففقه الميزان ليس مذهبا فقهيا جديدا، وإنما هو منهج ترجيح وضبط، يهدف إلى منع الاختلال في الفهم أو التطبيق، سواء كان ذلك بالتشدد والغلو أو بالتساهل والتفريط.

ثانيا: الأسس المنهجية لفقه الميزان.

١. الجمع بين النص والمقصد:

يرتكز فقه الميزان على الجمع المنهجي بين النصوص الجزئية والمقاصد الكلية، بحيث لا يُفهم النص بمعزل عن غايته، ولا تُستعمل المقاصد في تعطيل النصوص، وهذا التوازن يعالج إشكالية شائعة في الفكر المعاصر، حيث يُغلَّب أحد الطرفين على حساب الآخر.

٢. الموازنة بين المصالح والمفاسد:

يؤكد شيخنا القره داغي أن من جوهر فقه الميزان إعمال قاعدة الموازنة الدقيقة بين المصالح والمفاسد وفق ضوابط علمية، لا وفق الأهواء أو الضغوط الواقعية، فليس كل مصلحة معتبرة شرعا، ولا كل مفسدة موهومة مانعة من الحكم.

٣. مراعاة فقه الواقع:

لا ينفصل فقه الميزان عن فهم الواقع وتشخيصه، إذ يرى شيخنا (حفظه الله) أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وأن اختلال الميزان كثيرا ما ينشأ عن ضعف في فقه الواقع، لا عن خلل في النص ذاته.

ثالثا: فقه الميزان وعلاقته بالمقاصد الشرعية:

يُعد فقه الميزان امتدادا منهجيا متقدما لمدرسة المقاصد الشرعية، إلا أنه يتميز عنها بتركيزه الواضح على آليات الوزن والترجيح وضبط التنزيل، فالمقاصد تمثل الغايات الكلية للشريعة، بينما يقدّم فقه الميزان الأداة المنهجية التي تضمن تحقيق تلك الغايات دون إخلال بالنصوص أو انفصال عن الواقع.

ويرى الدكتور القره داغي أن الخلل في كثير من الاجتهادات المعاصرة لا يرجع إلى غياب المقاصد، بل إلى سوء توظيفها أو تجريدها من الموازين العلمية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تعطيل النصوص أو تحميلها ما لا تحتمل، ومن هنا يؤكد أن المقاصد لا تعمل في فراغ، وإنما ضمن منظومة متكاملة من الضوابط الأصولية والفقهية، يكون الميزان فيها هو الحاكم على عملية الفهم والترجيح، ويجعل هذا التصور من فقه الميزان أداة مركزية في تنزيل مقاصد الشريعة الكبرى، وعلى رأسها العدل، ورفع الحرج، وحفظ الكرامة الإنسانية، مع مراعاة اختلاف السياقات وتغيّر الأحوال دون المساس بثوابت الشريعة.

رابعا: التطبيقات المعاصرة لفقه الميزان.

١. في فقه النوازل:

أثبت فقه الميزان فاعليته في معالجة النوازل المعاصرة، خصوصا في مجالات الاقتصاد الإسلامي، والفقه الطبي، وقضايا الأقليات المسلمة، حيث تتشابك المصالح وتتعارض الظواهر النصية أحيانا.

٢. في إصلاح الخطاب الديني:

يسهم فقه الميزان في ترشيد الخطاب الديني من خلال تقليل حدة الاستقطاب الفقهي وإعادة توجيه النقاش من الجزئيات الخلافية إلى القيم الكلية المشتركة بما يعزز وحدة الأمة وسلامها الفكري.

خامسا: القيمة العلمية لفقه الميزان في الفكر الإسلامي المعاصر:

يمثل فقه الميزان إضافة نوعية إلى مشاريع التجديد الفقهي المعاصر؛ لكونه لا يعالج إشكالات جزئية فحسب، بل يتجه إلى إصلاح المنهج الاجتهادي من جذوره، وتكمن قيمته العلمية في عدد من الجوانب من أبرزها:

- إعادة الاعتبار للعدل بوصفه قيمة حاكمة في التشريع والتنزيل.

- تقديم إطار منهجي متوازن يجمع بين النص والمقصد والواقع دون تعارض.

- الإسهام في تجاوز حالة الاستقطاب الفقهي بين التشدد المفرط والتسيب غير المنضبط.

- تعزيز مفهوم الاجتهاد الجماعي والمؤسسي بوصفه الضامن الأوثق لضبط الموازين في القضايا الكبرى.

- تأهيل الفقه الإسلامي ليكون فقها عالميا قادرا على مخاطبة الإنسانية بلغة أخلاقية وعقلانية دون تفريط في هويته ومرجعيته.

خاتمة:

خلصت القراءة إلى أن فقه الميزان عند الشيخ الدكتور علي محيي الدين القره داغي يشكّل مشروعا تجديديا متكاملا في المنهج الاجتهادي المعاصر، يتجاوز المعالجات الجزئية إلى إعادة ضبط البنية المنهجية للنظر الفقهي، وقد تبيّن من خلال التأصيل القرآني والمقاصدي، ومن خلال التطبيقات المعاصرة أن هذا المشروع يسعى إلى تصحيح اختلال الموازين في الفهم والتنزيل، وإلى ترسيخ فقه يقوم على العدل والوسطية والواقعية المنضبطة، وفي زمن تتزايد فيه التحديات، وتشتد فيه مظاهر الغلو والتسيب معا، يبرز فقه الميزان بوصفه إطارا علميا قادرا على ترشيد الاجتهاد الفردي، وتعزيز الاجتهاد الجماعي، وخدمة وحدة الأمة بما يجعله جديرا بأن يكون مرجعية منهجية للمؤسسات العلمية والدعوية وفي مقدمتها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في سعيه إلى تحقيق الشهود الحضاري للشريعة الإسلامية في عالم متغير.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

* الشيخ نشوان عادل البدراني؛ عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. مدير إدارة المجمع الفقهي العراقي/ نينوى.


: الأوسمة


المرفقات

السابق
يوسف عليه السلام.. حين أنقذ التخطيط أمة كاملة!

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع