البحث

التفاصيل

ومضات من سيرة الإمام المجاهد عمر المختار: عبادته وتلاوته للقرآن الكريم

الرابط المختصر :

ومضات من سيرة الإمام المجاهد عمر المختار: عبادته وتلاوته للقرآن الكريم

بقلم: د. علي محمد الصلابي

الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

كان عمر المختار رحمه الله شديد الحرص على أداء الصلوات في أوقاتها، وكان يقرأ القرآن يومياً، فيختم المصحف الشريف كل سبعة أيام منذ أن قال له الإمام محمد المهدي السنوسي: يا عمر وردك القرآن.

وقصة ذلك مما ذكرها محمد الطيب الأشهب: أنه استأذن في الدخول على الإمام محمد المهدي من حاجبه محمد حسن البسكري في موقع بئر السارة، الواقع في الطريق الصحراوي بين الكفرة والسودان، وعندما دخل على المهدي تناول مصحفاً كان بجانبه وناوله للمختار، وقال: هل لك شيء اخر تريده، فقلت له: يا سيدي إن الكثيرين من الإخوان يقرؤون أوراداً معينة من الأدعية والتضرعات أجزتموهم قراءتها، وأنا لا أقرأ إلا الأوراد الخفيفة عقب الصلوات، فأطلب منكم إجازتي بما ترون، فأجابني رضي الله عنه بقوله: (يا عمر وردك القرآن)، فقبَّلتُ يده وخرجت أحمل هذه الهدية العظيمة (المصحف)، ولم أزل بفضل الله أحتفظ بها في حلي وترحالي، ولم يفارقني مصحف سيدي منذ ذلك اليوم، وصرت مداوماً على القراءة فيه يومياً لأختم السلكة كل سبعة أيام، وسمعت من شيخنا سيدي أحمد الريفي أن بعض كبار الأولياء يداوم على طريقة قراءة القرآن مبتدئاً (بالفاتحة) إلى (سورة المائدة) ثم إلى (سورة يونس)، ثم إلى (سورة الإسراء)، ثم إلى (سورة الشعراء)، ثم إلى (سورة الصافات)، ثم إلى (سورة ق)، ثم إلى آخر السلكة، ومنذ ذلك الحين وأنا أقرأ القرآن من المصحف الشريف بهذا الترتيب (1).

إن المحافظة على تلاوة القرآن والتعبد به تدل على قوة الإيمان، وتعمقه في النفس، وبسبب الإيمان العظيم الذي تحلى به عمر المختار انبثق عنه صفات جميلة، كالأمانة والشجاعة، والصدق، ومحاربة الظلم، والقهر، والخنوع، وقد تجلَّى هذا الإيمان في حرصه على أداء الصلوات في أوقاتها؛ قال تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النِّسَاء: 103]، وكان يتعبد المولى عز وجل بتنفيذ أوامره، ويسارع في تنفيذها، وكان كثير التنفل في أوقات الفراغ، وكان قد ألزم نفسه بسنة الضحى، وكان محافظاً على الوضوء حتى في غير أوقات الصلاة، ومما يروى عنه أنه قال: لا أعرف أنني قابلت أحداً من السادة السنوسية وأنا على غير وضوء منذ شرفني الله بالانتساب إليهم (2).

لقد كان هذا العبد الصالح يهتم بزاده الروحي اليومي بتلاوة القرآن الكريم، وقيام الليل، واستمر معه هذا الحال حتى استشهاده.

فهذا المجاهد محمود الجهمي الذي حارب تحت قيادة عمر المختار وصاحبه كثيراً، يذكر في مذكراته: أنه كان يأكل معه، وينام معه في مكان واحد، ويقول:

((لم أشهد قط أنه نام لغاية الصباح، فكان ينام ساعتين أو ثلاثاً على أكثر تقدير، ويبقى صاحياً يتلو القرآن الكريم، وغالباً ما يتناول الإبريق ويسبغ الوضوء بعد منتصف الليل، ويعود إلى تلاوة القرآن، لقد كان على خلق عظيم، يتميَّز بميزات التقوى والورع، ويتحلَّى بصفات المجاهدين الأبرار...)) (3).

وأما الأستاذ محمد الطيب الأشهب؛ فقد قال: ((وقد عرفته معرفة طيبة، وقد مكنتني هذه المصاحبة من الاحتكاك به مباشرة، فكنت أنام بخيمته وإلى جانبه، وأهم ما كنت أمقته منه رحمه الله وأنا وقت ذاك حديث السن؛ هو: أنه لا يتركنا ننام؛ يقضي كل ليلة يتلو القرآن مبكراً، فيأمرنا بالوضوء بالرغم عما نلاقيه من شدة البرد ومتاعب السفر)) (4).

وكأني أراه من خلف السنين وهو قائم يصلي لله رب العالمين في وديان وجبال وكهوف الجبل الأخضر، وقد التف ببرده الأبيض في ظلمة الليل البهيم، وهو يتلو كتاب الله بصوت حزين، وتنحدر الدموع على خدوده من خشية العزيز الرحيم.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ۝} [فَاطِر: 29]

لقد وصَّى رسول الله (ص) أبا ذر بذلك، فقال (ص): «عليك بتلاوة القرآن؛ فإنه نور لك في الأرض، وذخر لك في السماء». وقد حذر الرسول الكريم من هجر القرآن، فقال (ص): «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخَرِب» (5).

قال الشاعر:

قم في الدجى واتل الكتاب ولا تنم   إلا كنومة حائرٍ ولهان
فلربما تأتي المنية بغتة   فتساق من فرش إلى الأكفان
يا حبذا عينان في غسق الدجى       من خشية الرحمن باكيتان
أعرض عن الدنيا الدنيئة زاهداً     فالزهد عند أولي النهى زهدان
زهد عن الدنيا وزهد في الـثَّـنَا طوبى لمن أمسى له الزهدان (6)

– إن من أسباب الثبات التي تميز بها عمر المختار حتى اللحظات الأخيرة من حياته إدمانه على تلاوة القرآن الكريم والتعبد به وتنفيذ أحكامه، لأن القرآن الكريم مصدر تثبيت وهداية، وذلك لما فيه من قصص الأنبياء مع أقوامهم، ولما فيه من ذكر مال الصالحين، ومصير الكافرين والجاحدين وأوليائه بأساليب متعددة (7).

لقد كان عمر المختار يتلو القرآن الكريم بتدبر وإيمان عظيم، فرزقه الله الثبات وهداه طريق الرشاد، ولقد صاحبَهُ حالُه في التلاوة حتى النفس الأخير، وهو يساق إلى حبل المشنقة وهو يتلو قوله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ۝ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَةً۝} [الفَجر: 27-28] (8).

 

المصادر والمراجع:

[1]. انظر: عمر المختار، محمد الطيب بن إدريس الأشهب، ص (28، 29).

2. انظر: مذكرات مجاهد، محمود الجهني، محمد مناع.

3. المصدر السابق نفسه.

4. انظر: برقة العربية أمس واليوم، محمد الطيب بن إدريس الأشهب، ص (439).

5. رواه البخاري.

6. انظر: نونية القحطاني، ص (42).

7. انظر: الثبات أهميته عوامل بقائه وهدمه صور على الثبات وعدمه، محمد بن حسن بن عقيل موسى الشريف، ص (2).

8. انظر: عمر المختار، محمد الطيب بن إدريس الأشهب، ص (159).


: الأوسمة


المرفقات

التالي
حرية المرأة.. حقيقة أم خُدْعة غربية؟

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع