البحث

التفاصيل

ومضات من سيرة الإمام المجاهد عمر المختار .. شجاعته وكرمه

الرابط المختصر :

ومضات من سيرة الإمام المجاهد عمر المختار .. شجاعته وكرمه

بقلم: د. علي محمد الصلابي

الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

إن هذه الصفة الجميلة، الشجاعة، تظهر في سيرة عمر المختار منذ شبابه الباكر؛ ففي عام (1311 هـ 1894 م) تقرر سفر عمر المختار على رأس وفد إلى السودان؛ يضم كلاًّ من السيد خالد بن موسى، والسيد محمد المسالوسي، وقرجيلة المجبري، وخليفة الدبار الزوي أحد أعضاء زاوية واو بفزان (وهو الذي روى القصة)، وفي الكفرة وجد الوفد قافلة من التجار من قبيلتي الزوية والمجابرة، وتجار اخرين من طرابلس وبنغازي تتأهَّب للسفر إلى السودان، فانضم الوفد إلى هؤلاء التجار الذين تعودوا السير في الطرق الصحراوية، ولهم خبرة جيدة بدروبها.

وعندما وصل المسافرون إلى قلب الصحراء بالقرب من السودان؛ قال بعض التجار الذين تعودوا المرور من هذا الطريق: إننا سنمر بعد وقت قصير بطريق وعر لا مسلك لنا غيره، ومن العادة إلا في القليل النادر يوجد فيه أسد ينتظر فريسته من القوافل التي تمر من هناك، وتعودت القوافل أن تترك له بعيراً كما يترك الإنسان قطعة اللحم إلى الكلاب أو القطط، وتمر القوافل بسلام، واقترح المتحدِّث أن يشترك الجميع في ثمن بعير هزيل ويتركونه للأسد عند خروجه، فرفض عمر المختار بشدة قائلاً: ((إن الإتاوات التي كان يفرضها القوي منا على الضعيف بدون حق أبطلت؛ فكيف يصح لنا أن نعيد إعطاءها للحيوان؟! إنها علامة الهوان والمذلة، إننا سندفع الأسد بسلاحنا إذا ما اعترض طريقنا)).

وقد حاول بعض المسافرين أن يثنيه عن عزمه، فرد عليهم قائلاً: إنني أخجل عندما أعود وأقول: إنني تركت بعيراً إلى حيوان اعترض طريقي، وأنا على استعداد لحماية ما معي، وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، إنها عادة سيئة يجب أن نبطلها، وما كادت القافلة تدنو من الممر الضيق حتى خرج الأسد من مكانه الذي اتخذه على إحدى شرفات الممر، فقال أحد التجار وقد خاف من هول المنظر وارتعشت فرائصه من ذلك: أنا مستعد أن أتنازل عن بعير من بعائري ولا تحاولوا مشاكسة الأسد، فانبرى عمر المختار ببندقيته وكانت من النوع اليوناني ورمى الأسد بالرصاصة الأولى فأصابته، ولكن في غير مقتل، واندفع الأسد يتهادى نحو القافلة، فرماه بأخرى فصرعته، وأصر عمر المختار على أن يسلخ جلده ليراه أصحاب القوافل، فكان له ما أراد (1).

إن هذه الحادثة تدلنا على شجاعة عمر المختار، وقد تناولتها المجالس يومذاك بمنتهى الإعجاب، وقد سأل الأستاذ محمد الطيب الأشهب عمر المختار نفسه عن هذه الحادثة في معسكر لمغاربة بخيمة السيد محمد الفائدي، فأجاب بقوله: تريدني يا ولدي أن أفتخر بقتل صيد؟! قال لي ما قاله قديماً أحد الأعراب لمنافسه وقد قتل أسداً (أتفتخر عليّ بأنك قتلت حشرة؟!) وامتنع عمر المختار بقول الله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى} [الأنفَال: 17]

إن جواب عمر المختار بهذه الاية الكريمة يدل على تأثره العميق بالقران الكريم، لأنه تعلَّم أن أهل الإيمان والتوحيد في نظرتهم العميقة لحقيقة الوجود، وتطلعهم إلى الاخرة ينسبون الفضل إلى العزيز الوهاب سبحانه وتعالى، ويتخلصون من حظوظ نفوسهم، فهو الذي مرّ كثيراً على دعاء نبي الله يوسف عليه السلام: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ۝} [يُوسُف: 101]

وهو الذي تعلم من سيرة ذي القرنين هذا المعنى الرفيع، والذي لابد من وجوده في الشخصية القيادية الربانية في قوله تعالى: {هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي} [الكهف: 98]، فعندما بنى السدَّ، ورفع الظلم، وأعان المستضعفين؛ نسب الفضل إلى ربه سبحانه وتعالى.

إن عمر المختار كان صاحب قلب موصول بالله تعالى، فلم تسكره نشوة النصر، وحلاوة الغلبة بعدما تخلَّص من الأسد الأسطورة، وأزاح الظلم، وقهر التعدي، بل نسب الفضل إلى خالقه ولذلك أجاب سائله بقوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى} [الأنفَال: 17]

إن صفة الشجاعة ظهرت في شخصية عمر المختار المتميزة في جهاده في تشاد ضد فرنسة، وفي ليبية ضد إيطالية، ويحفظ لنا التاريخ هذه الرسالة التي أرسلها عمر المختار رداً على رسالة من الشارف الغرياني الذي أكرهته إيطالية ليتوسط لها في الصلح مع عمر المختار وإيقاف الحرب.

قال بعد البسملة والصلاة على رسول الله القائل: «إن الجنة تحت ظلال السيوف».

إلى أخينا سيدي الشارف بن أحمد الغرياني حفظه الله وهداه، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، ومغفرته ومرضاته. نعلمكم أن إيطالية إذا أرادت أن تبحث معنا في أي موضوع تعتقد أنه يهمها ويهمنا؛ فما عليها إلا أن تتصل بصاحب الأمر ومولاه سيدي السيد محمد إدريس ابن السيد محمد المهدي ابن السيد محمد السنوسي رضي الله عنهم جميعاً، فهو الذي يستطيع قبول البحث معهم أو رفضه، وأنتم لا تجهلون هذا، بل وتعرفون إذا شئتم أكثر من هذا، ومكان سيدي إدريس في مصر معروف عندكم، وأما أنا وبقية الإخوان المجاهدين فلا نزيد عن كوننا جنداً من جنوده لا نعصي له أمراً، ونرجو من الله سبحانه وتعالى أن لا يقدر علينا مخالفته فنقع فيما لا نريد الوقوع فيه، حفظنا الله وإياكم من الزلل، نحن لا حاجة عندنا إلا مقاتلة أعداء الله والوطن وأعدائنا، وليس لنا من الأمر شيء إذا ما أمرنا سيدنا وولي نعمتنا رضي الله عنه ونفعنا به بوقف القتال نوقفه، وإذا لم يأمرنا بذلك فنحن واقفون عند ما أمرنا به، ولا نخاف طيارات العدو ومدافعه ودباباته وجنوده من الطليان والحبش والسبايس المكسرين (هؤلاء الاخرون هم المجندون من بعض الليبيين)، ولا نخاف حتى من السم الذي وضعوه في الابار، وبخوا به الزروع النابتة في الأرض، نحن من جنود الله، وجنوده هم الغالبون، ونحن لا نريد لكم ما يدفعكم إليه النصارى، وظننا بكم خير، والله يوفقنا ويهدينا وإياكم إلى سبل الرشاد، وإلى خدمة المسلمين، ورضا سيدنا رضي الله عنه، وسلام الإسلام على من تبع الإسلام.

13 ربيع الثاني (1344 هـ)

نائب المنطقة الجبلية عمر المختار (2)

ومحل الشاهد من هذه الرسالة قوله: ((ولا نخاف طيارات العدو ومدافعه ودباباته وجنوده من الطليان والحبش والسبايس المكسرين، ولا نخاف حتى من السم الذي وضعوه في الابار، ووبخّوا به على الزروع النابتة في الأرض، نحن من جنود الله، وجنوده هم الغالبون)).

إن صفة الشجاعة ملازمة لصفة الكرم، كما أن الجبن والبخل لا يفترقان، ولقد حفظ لنا التاريخ عبارة جميلة كان يرددها عمر المختار بين ضيوفه: ((إننا لا نبخل بالموجود، ولا نأسف لمفقود)).

لقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة بمدح الكرم والإنفاق، وذم البخل والإمساك، قال تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ۝فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ۝} [السَّجدَة: 16-17].

لم تكن همة عمر المختار منصرفة إلى جمع المال والثروة والغنى وإن كان قد ورث عن والده بعض الماشية؛ إلا أنه تركها في رعاية بعض أقاربه في القبيلة وترك أرضه وموطنه منذ أن كان عمره 16 عاماً، وكان طيلة فترة إقامته في معهد الجغبوب تتكفل إدارة المعهد بمصروفاته، وبعد أن تزوج وكوّن أسرة أصبح مورد رزقه ما يتحصل عليه من نتاج الحيوانات القليلة، ولم يكن يوماً من الأيام متفرغاً لجمع المال، وإنما عاش للعلم والدعوة والجهاد، وانشغل عن جمع الأموال والثروات، وقضى حياته فقيراً مقتنعاً بما رزقه الله من القناعة والرضا بالكفاف، وكان يبذل ما في وسعه لضيوفه وجنوده، وينفق على أفراد جيشه إنفاق من لا يخشى الفقر، ويقدم إخوانه على نفسه، وأصبح شعاره: (إننا لا نبخل بالموجود، ولا نأسف لمفقود) (3).

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

المصادر والمراجع:

1.  انظر: عمر المختار، محمد الطيب بن إدريس الأشهب، ص (39، 40).

2.  انظر: عمر المختار، محمد الطيب بن إدريس الأشهب، ص (87).

3.  انظر: عمر المختار، محمد الطيب بن إدريس الأشهب، ص (32).

4.  الشيخ الجليل عمر المختار، علي محمد الصلابي، المكتبة العصرية، صيدا-بيروت، ص 11-15.


: الأوسمة


المرفقات

التالي
دعوة لقمة عالمية إسلامية لأجل الأخلاق
السابق
الاتحاد ينظم دورة «مفاتيح العطاء: من الاستعداد إلى الإمداد»

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع