كيف
نستقبل شهر رمضان المبارك؟
بقلم: د.
دحام إبراهيم الهسنياني
عضو
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
)شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ
فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ،
فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ
سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا
يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ، وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ
عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(. (البقرة: 185).
إن من رحمة الله وفضله علينا أن جعل لنا في هذه الحياة الدنيا محطات نتزود
فيها بالإيمان والتقوى، ونمحو ما علق بقلوبنا من أثار الذنوب والغفلات... ومن أهم
المحطات التي تمر على المسلمين مرة واحدة كل عام: شهر رمضان، وأصل (رمضان) في
اللغة مأخوذ من الرمض، وهي شدة حر الشمس. ومنه سمي رمضان، لأنه يرمض الذنوب أي
يحرقها بالأعمال الصالحة.
فرض الصيام في المدينة في السنة الثانية من الهجرة فتوفى النبي r وقد صام
رمضان تسع مرات.
وها هي الأيام تمضي ويهل علينا الشهر الكريم بخيره وبركته... ولقد جعله
الله U موسمًا
لاستباق الخيرات، النافلة فيه كالفريضة، والفريضة كسبعين فريضة في غيره.... شعاره
يا باغي الخير أقبل.... الشياطين فيه مصفدة، وأبواب النيران مغلقة، والأجواء مهيأة
لنيل المغفرة والرحمة والعتق من النار. تزينت فيه الجنة ونادت خطابها أن هلموا إلي
وأسرعوا الخطى فالسوق مفتوح، والبضاعة حاضرة، والمالك جواد كريم.
فهيا بنا نحسن الاستعداد لاستقباله حتى لا نفاجأ بقدومه.
إن شهر رمضان المبارك ضيف حبيب إلى قلوب المؤمنين، عزيز على نفوسهم،
يتباشرون بمجيئه ويُهنِّئُ بعضُهم بعضًا بقدومه، وكلهم يرجو أن يبلَّغَ هذا الضيف،
وأن يُحَصِّل ما فيه من خير وبركة؛ خصَّه الله I بميزاتٍ
كريمة، وخصائص عظيمة، ومناقب جمّة تُميِّزُه عن سائر الشهور؛ بل لقد كان النبي
الكريم r يُبشِّر
أصحابه بقدوم هذا الشهر الكريم، ويُبيِّن لهم خصائصه وفضائله ومناقبه،
ويَسْتَحثَّهم على الجدّ والاجتهاد فيه بطاعة الله، والتقرُّب إلى الله I بما يرضيه.
فكان يقول r لأصحابه: (قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، فيه
تفتَّح أبواب الجنة، وتغلق أبواب الجحيم، وتغل الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر،
من حرم خيرها فقد حرم)([1])، قال ابن رجب الحنبلي: (...
هذا الحديث أصلٌ في تهنئة الناس بعضهم بعضاً في شهر رمضان)([2]).
هناك استعدادات سماوية وأرضية، هناك تغيرات على مستوى الجنة والنار وشياطين
الجن، والمخلوقات الأخرى، كل الكون، الملائكة تستعد، والشياطين ستصفد، الجنة
تستعد، والنار تغلق، إشعارنا نحن بالتغيرات الكبيرة.
شهر رمضان شهر الخير والبركات والعبر والعظات، شهر يستبشر بقدومه المسلمون
في كل مكان، لما فيه من حُسن الجزاء من الله I لعباده،
ولما فيه من عظيم المثوبة، وجزيل الأجر، فهو شهر (أوله
رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار)([3])،
كما أنه شهر الصفاء الروحي وشهر الانتصارات العظيمة، ومدرسة الأجيال عبر التاريخ.
وقال r: (أتاكم رمضانٌ، شهرُ بركةٍ، يغشاكم اللهُ فيه، فَيُنزِلُ الرحمةَ،
ويَحُطُّ الخطايا ويَستجيب فيه الدعاءَ، وينظر اللهُ تعالَى إلى تنافُسِكم فيه،
ويُباهي بكم ملائكتَه، فأَرُوا اللهَ من أنفُسِكم خيرًا، فإنَّ الشَّقِيَّ من
حُرِمَ فيه رحمةَ اللهِ U)([4]).
وانظروا كيف يرغب النبي r أمته في
استقبال هذا الشهر الكريم، بأفضل ما يكون الاستقبال، كما يستقبل الإنسان ضيفه
العزيز عليه، الحبيب إليه، الغائب عنه.
إن الفرح بقدوم هذا الشهر ومعرفة فضله ومكانته من أعظم الأمور المُعِينة
على الجد والاجتهاد فيه، ولم يُضيِّع كثيرٌ من الناس الطاعة في هذا الشهر الكريم
والإقبال على الله I فيه إلا
بسبب جَهْلِهم بقيمته ومكانته وإلا لو عرف المسلم هذا الشهر حقَّ معرفته وعرف قدره
ومكانته لتهيَّأ له أحسنَ التهيُّؤ، واستعَدَّ له غاية الاستعداد، ولبَذَلَ قصار
وُسْعِه وجهده واجتهاده في سبيل تحصيل طاعة الله، والقيام بعبادة الله على الوجه
الذي يُرضي الرب I.
وقد كان النبي r يعظم شهر
رمضان ويفرح به ويهتم به أيما اهتمام، فكان rإذا دخل رجب قال: (اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا اللهم رمضان)([5]).
وكان r إذا رأى
هلال رمضان قال: (اللهم أهله علينا باليمن والإيمان
والسلامة والإسلام، ربي وربك الله، هلال خير ورشد)([6]).
ترحيب نبوي بقدوم شهر الفضيلة والتقوى، شهر الزهد والعفة، شهر يعف فيه
العبد، ويكف عن اقتراف المعاصي وارتكاب السيئات، فيقهر نفسه ويلزمها الطاعة، ويسيطر
على أهوائه فيصفدها بالقيود والأغلال، فيرتد الشيطان بكيده في خيبة وخسران، شهر
يزهد فيه التقي بالدنيا ومتاعها، حتى لتبدو لناظره أتفه من سقط المتاع، وأضيق من
حفرة القبر، فتكبر فيه إنسانيته وتمتد فترقى إلى الآفاق، فالصوم إفاضة من السماء
فيها التطهير والتزكية، وغسل الأوقات مما يخالطها من الشوائب والأكدار فتبدو
الأيام وكأنها أفرغت من خسائسها وتطهرت، وتلوح الليالي وكأنها تحلت بالضياء.
وكان الصحابة الكرام والتابعون يدعون الله I ستة أشهر أن
يبلغهم رمضان، فإذا بلغهم رمضان جدوا واجتهدوا في العبادة وأخلصوا لله I، فإذا قضي
رمضان جلسوا خمسة أشهر يدعون الله ويسألونه أن يتقبل منهم، فالسنة عندهم كلها
رمضان، والسنة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، وأنفاس
العباد ثمراتها، فشهر رجب أيام توريقها، وشعبان أيام تفريعها، ورمضان أيام قطفها،
والمؤمنون قُطّافها.
ولذلك يبارك المسلمون بعضهم بعضاً بدخول الشهر الكريم، ويهنئوا الأهل
والإخوة والأحبة لأن ذلك من محاسن الأخلاق ومن التهاني المباحة، فإن إدراك رمضان
نعمة من الله على العبد، يضيء محيّاه بها نضرةً وسروراً، وتذكيره بها أمرٌ حسن، ثم
إن التهنئة هنا مناسبة جداً فهي تعميم للفرح وتذكير بالعمل وتأهيل للنفس وتنبيه
للأمّة. ومنها تجريد النفس من كل العوائق والأشغال، وتصفيتها مما قد يعكّر عليها
راحتها وطمأنينتها حتى تكون مهيّأة تهيئة كاملة لدخول الشهر الكريم، لكي تعلو
الهمّة وتعظُم العزيمة وتشتد الرغبة، فتزيد الحسنات وتكثر الأجور.
لذلك كلما أهل هلال شهر رمضان تملأ نفوسنا مشاعر روحانية يصعب وصفها، ونحس
بأن أشياء تتغير فينا ومن حولنا، وأن أيام وليالي رمضان ليست كسائر الأيام
والليالي، ولو لم يكن لشهر رمضان ميزة سوى بدء نزول القرآن فيه لكفاه تكريما
وتميزا على سائر الشهور فما بالك وفيه ليلة القدر وهي كما أخبرنا ربنا خير من ألف
شهر.
وشهر رمضان شهر عظيم الخيرات، كثير البركات، فهو سيد الشهور، ومدرسة
الأجيال، وميدان المسارعة واستباق الخيرات، فيه فضائل عديدة وفوائد جمّة، ينبغي
للمسلم أن يغتنمها ويقتنصها، وشهر له نكهة خاصة لأنه شهر الصيام, شهر تقوية
الإرادة, شهر العبادة والتقرب إلى الله U بالطاعات وأعمال الخير والبر,
شهر النصر والجهاد, شهر لتقويم النفس، شهر الفرص الثمينة، شهر التطهير من الأدران
والأوساخ التي علقت بالقلب والفكر والروح, شهر لتجلية الصدأ العالق بالقلب، وما
أكثر البقع السوداء التي تعلق بقلوبنا خصوصا في عصرنا هذا، عصر الفتن، كقطع الليل
المظلم.
ولا بد من العزم والتخطيط المسبق للاستفادة من رمضان، التخطيط لاستغلال
رمضان في الطاعات والعبادات، فيضع المسلم له برنامجاً عملياً لاغتنام أيام وليالي
رمضان في طاعة الله I.
إنها حياة الروح حتى وإن كانت
البطون خاوية والشفاه يابسة، فالحياة حياة الروح؛ حياة القلب؛ حياة الانتصار على
النفس وعلى الشهوات؛ ومن انتصر على نفسه انتصر على الأعداء. أنها حياة الصلة
والثقة بالله جل وعلا، وهنا يكمن جمال رمضان وروعة هذا الشهر بتلك الروحانية
العجيبة التي توقظ المشاعر وتؤثر في النفوس، فرمضان له في نفوس الصالحين الصادقين
بهجة؛ وفى قلوب المتعبدين المخلصين فرحة؛ فهو شهر الطاعات ولنا فيه جميل الذكريات،
انه زاد الروح تتغلب الروح فيه على البدن والجسد.. ويعد شهر رمضان كذلك فرصة ذهبية
لتعزيز التضامن مع أحوال المسلمين في كل مكان، وخاصة فلسطين والقدس، حيث يتجسد
الواجب علينا في نصرة المستضعفين، وجهاد المال، والكلمة، والدعاء.. ليشمل الواجب
علينا دعم أهل غزة، والتعريف بعدالة القضية في هذا العصر.
فلنستقبل هذا الشهر العظيم بالفرح والسرور والعزيمة الصادقة على صيامه
وقيامه والمسابقة فيه إلى الخيرات والمبادرة فيه إلى التوبة النصوح من سائر الذنوب
والسيئات والتناصح والتعاون على البر والتقوى والتواصي بالأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر والدعوة إلى كل خير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي
كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
([1])
رواه النسائي في الصيام، باب: فضل شهر رمضان (2105)، وأحمد: 2/230، وعبد الرزاق
(7383)، وله شاهد من حديث أنس عند ابن ماجه في الصيام، باب: ما جاء في فضل شهر
رمضان (1644)، وحسّنه المنذري في الترغيب: 2/99.
([2])
لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف: 279.
([3]) حديث رواه البيهقي وابن أبي
الدنيا وغيرهم.
([4])
رواه الطبراني في الكبير كما في الترغيب والترهيب: 2/60، ومجمع الزوائد: 3/142،
ورواته ثقات.
(2)
رواه الإمام أحمد في مسنده: 1/259، والبزار (616) والطبراني في الأوسط (3939)
والبيهقي في الشعب (3815).
(1)
رواه الترمذي كتاب الدعوات باب ما يقول عند رؤية الهلال رقم (3451) وقال: حسن
غريب.