المفاتيح الحسان في
حسن استقبال واستثمار رمضان
بقلم: د. توفيق
زبادي
عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين
خصّ -سبحانه- بعض الأزمنة على
بعض، وبعض الأمكنة على بعض بخصائص مع تساويها؛ فجعل شهر رمضان سيد الشهور، وجعل
ليلة القدر خيرًا من ألف شهر.
ووقفتنا اليوم لبعث الهمَمَ إلى
التَّعرُّضِ للنَّفَحَاتِ، وإثارة العزم إلى أشرفِ الأوقاتِ.
وشهر رمضان شهر تُبعث فيه القلوبُ
من رقادها، وتُستنهض فيه الهممُ من فتورها، وتُصاغ فيه الأرواحُ صياغة جديدة.
هو نفحة ربانية، من أحسن
استقبالها تغيّر مسارُه، ومن أحسن استثمارها صُنِعَت تقواه، ومن صحّ له رمضان
وسلِم؛ صحّت له سائرُ سَنَتِه.
والصيام:
هو لجامُ المتقين، وجنةُ
المحاربين، ورياضةُ الأبرار والمقربين، وهو لربّ العالمين من بين سائر الأعمال.
وهذه
المفاتيح الحسان تُفتح بها مغاليق القلوب، وتُستخرج بها كنوز الشهر المبارك، ليكون
رمضان نقطة تحوّل لا محطة عابرة، وصناعةً للمتقين لا عادةً موسمية.
جاء شهرُ الصيامِ بالبركاتِ ...
فأكرِمْ به مِنْ زائرٍ هُوَ آتِ
اللهم قد أظلنا شهر رمضان؛ فسلمه لنا وسلمنا له،
وارزقنا صيامه وقيامه، وارزقنا فيه الجد، والاجتهاد، والقوة، والنشاط، وأعذنا فيه
من الفتن.
«اللهم سلِّمني إلى رمضان وسلم لي رمضان، وتسلَّمه
مني متقبلا»
اخترت المفاتيح بصيغة التَفَعُّل؛ ليتكلفها العبد
إن لم تكن فيه سجية.
المفتاح الأول:
التطهير:
لا يكن المزارع أفطن منك، والتاجر
أحرص منك.
اتفقت كلمة الفقهاء والعقلاء والعلماء على أن أمراضَ
القلوبِ أشدُ فتكا من أمراض الأبدان، فإن غاية مرض البدن أن يقطعك عن الدنيا، وأما
مرض القلب؛ فيقطعك عن الله وعن الجنة.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ
الْإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ
بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ،
فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى
يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا »().
المقصود من الحديث التحذير من الإصرار على العداوة،
وإدامة الهجر، قال ابن رسلان: ويظهر أنه لو صالح أحدهما الآخرَ، فلم يَقْبَل؛ غُفر
للمصالِح، قال أبو داود: إذا كان الهجر لله، فليس من هذا.
وروى الإمام الطبراني وابن حبان وغيرهما عن معاذ بن
جبل رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يطَّلِعُ
اللهُ إلى خَلقِه في ليلةِ النِّصفِ مِن شعبانَ، فيغفِرُ لجميعِ خَلْقِه إلَّا
لِمُشركٍ أو مُشاحِنٍ().
وفي رواية عن أبي ثعلبة الخشني: قال -صلى الله عليه
وسلم- يطلع الله إلى عباده ليلة
النصف من شعبان فيغفر للمؤمنين، ويمهل الكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى
يَدَعوه().
أَيْ يَتَجَلَّى عَلَى خَلْقِهِ بِمَظْهَرِ
الرَّحْمَةِ الْعَامَّةِ وَالْإِكْرَامِ الْوَاسِعِ؛ فيغفر للْمُتَّصِفِ
بِذَنْبِهِ الْمُعْتَرِفِ بِتَقْصِيرِهِ وَعَيْبِهِ.
والشَّحْنَاءُ: الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ،
وَلَعَلَّ الْمُرَادَ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قِبَلِ النَّفْسِ
الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ إِلَّا لِلدِّين.
أن يعلم العبد أن تفريغ المحل شرط؛ لنزول غيث
الرحمة وتنقيته من الدغل شرط لكمال الزرع فمتى لم يفرغ المحل؛ لم يصادف غيث الرحمة
محلا قابلا ينزل فيه وإن فرغه حتى أصابه غيث الرحمة ولكنه لم ينقه من الدغل لم يكن
الزرع زرعا كاملا بل ربما غلب الدغل على الزرع فكان الحكم له وهذا كالذي يصلح أرضه
ويهيئها لقبول الزرع ويودع فيها البذور وينتظر نزول الغيث فإذا طهر العبد قلبه
وفرغه من ارادة السوء وخواطره وبذر فيه بذر الذكر والفكر والمحبة والإخلاص وعرضه
لمهاب رياح الرحمة وانتظر نزول غيث الرحمة في أوانه كان جديرا بحصول المغل وكما
يقوى الرجاء لنزول الغيث في وقته كذلك يقوى الرجاء لإصابة نفحات الرحمن جل جلاله
في الأوقات الفاضلة والأحوال الشريفة ولا سيما اذا اجتمعت الهمم وتساعدت القلوب
وعظم الجمع.
المفتاح الثاني: التشويق:
استثارة الشوق:
قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ-رحمه
الله-: عَلَامَةُ الشَّوْقِ فِطَامُ الْجَوَارِحِ عَنِ
الشَّهَوَاتِ.
وعمدتها قَوْلِ مُوسَى- عليه
السلام- {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ
لِتَرْضَى} [طه: 84] قَالَ:
مَعْنَاهُ شَوْقًا إِلَيْكَ؛ فَسَتَرَهُ بِلَفْظِ الرِّضَا.
ومن تشويق لله عز وجل لعباده قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ
كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون. أَيَّامًا
مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ
أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:184].
ومن تشويق رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله
عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَاكُمْ
رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ،
تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ،
وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ
أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ»().
وكان من دعائه: «وَأَسْأَلُكَ
الشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ
مُضِلَّةٍ».
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا كَانَ
أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ
الجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ
أَبْوَابُ الجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا
بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ
مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ " ().
المفتاح الثالث: التعرض
لنفحات الله عز وجل:
والنفحات: هي عطاياه الَّتِي تهب
من ريَاح رَحمته.
والتعرض يكون: بتطهير الْقلب
وتزكيته من الأكدار والاخلاق الذميمة، والطلب مِنْهُ تَعَالَى فِي كل وَقت قيَاما
وقعودا وعَلى الْجنب وَوقت التَّصَرُّف فِي أشغال الدُّنْيَا؛ فإن العَبْد لَا
يدْرِي فِي أَي وَقت يكون فتح خَزَائِن المنن.
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ
-رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ الدَّهْرِ نَفَحَاتٌ؛ فَتَعَرَّضُوا لَهَا،
لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ تُصِيبَهُ نَفْحَةٌ فَلَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا»().
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي
الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "
تَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ، فَإِنَّ لِلهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ،
يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ " ().
ولعل في كثرة التعرض للنفحات أن
يصادف ساعة من الساعات التى لا يسأل الله فيها شيئًا الا أعطاه.
ومن أَصَابَتْهُ نَفْحَةٌ مِنْ
نَفَحَاتِ رَحْمَتِهِ، أَوْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ قَطْرَةٌ مِنْ قَطَرَاتِ
رَأْفَتِهِ؛ انْتَعَشَ بَيْنَ الْأَمْوَاتِ، وَأَنَاخَتْ بِفِنَائِهِ وُفُودُ
الْخَيْرَاتِ، وَتَرَحَّلَتْ عَنْهُ جُيُوشُ الْهُمُومِ وَالْغُمُومِ
وَالْحَسَرَاتِ.
ووقت النفحة غير معلوم، بل مبهم
في الأزمنة والساعات؛ وإنما غيب علمه لتداوم على الطلب بالسؤال.
وهي كالبرق الخاطف فمن وافقها أي
تعرض لها واستغرق أوقاته مترقبا للمعانها فوافقها؛ قضى وطره منها.
فتعرض لنفحة من نفحات الرب؛ ففي
لحظة أفلح السحرة، وكان عكاشة بن محصن من السبعين الذين يدخلون الجنة بغير حساب.
المفتاح الرابع: الترويض:
روِّض نفسك بالسنن والنوافل:
والترويض: التَلْيِينٍ
وَالتَسْهِيلٍ، وإعداد النفس بالسنن والنوافل؛ للدخول في الفريضة على الوجه
الأكمل.
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ:
سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: "كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ
صَامَ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَفْطَرَ، وَلَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ
شَهْرٍ قَطُّ، أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ
كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا"().
وكان من هدي النبي r في قيام الليل أن يبدأ بركعتين خفيفتين؛ حتى تتريض نفسه ولا تضجر.
وعَنْ أُسَامَة بْن زَيْدٍ قَالَ:
قُلْت: يَا رَسُول اللَّه، لَمْ أَرَك تَصُومُ مِنْ شَهْر مِنْ الشُّهُور مَا
تَصُوم مِنْ شَعْبَان، قَالَ: ذَلِكَ
شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاس عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَان، وَهُوَ شَهْر تُرْفَعُ
فِيهِ الأَعْمَال إِلَى رَبّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي
وَأَنَا صَائِمٌ().
وصيام شعبان؛ لتعظيم رمضان،
بأن تتعود النفس الصيام؛ لئلا يثقل على النفس فتكرهه طبعا؛ ولئلا تخل بآدابه
فجأة الصيام.
المفتاح الخامس: التَخَيَّرَ:
تَخَيَّرَ الرفيق عالي الهمة:
والمقصود اصطفاء الرفيق عالي
الهمة الذي يترفع عن سفاسف الأمور، ولا يرضى بغير المعالي، ويوجه قلبه وقواه
الروحانية؛ لتحصيل الكمال في الدين والدنيا.
وقد أمر الله خير الخلق r بصحبة المجدّين في السير إلى الله وترك الغافلين فقال عز من قائل {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم
بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ
تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ
عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28].
لما نظروا بقلوبهم إلى الله؛ أمر
رسوله- عليه السلام- بألا يرفع بصره عنهم، وهذا جزاء في العاجل.
اصبر نفسك مع هؤلاء؛ صاحبهم
وجالسهم؛ ففيهم الخير، وعلى مثلهم تقوم الدعوات.
وقال الحسن البصري: إخواننا أحب
إلينا من أهلنا وأولادنا؛ لأن أهلنا يُذّكّروننا بالدنيا وإخواننا يُذّكّروننا
بالآخرة، قال شاعر:
لعمرك ما مالُ الفتى بذخيرة ولكنَّ إخوانَ الثقاتِ الذخائرُ
المفتاح السادس: التخلي
والتحلي:
إعداد بيان عن عيوبك وذنوبك المستعصية؛ لتبدأ في علاجها
جديا في رمضان، وكذا إعداد قائمة بالطاعات التي ستجتهد في أدائها لتحاسب نفسك بعد
ذلك عليها:
في صحيح ابن خزيمة أن جبريل –
عليه السلام- قال: "مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ
فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ "().
أي: خابَ وخَسِرَ وذَلَّ وعَجَزَ
ولَصِقَ أنفُه بالتُّرابِ كلُّ مَن أدرَكَ شَهرَ رمَضانَ، فكَسِلَ عن العِبادةِ
ولم يَجتَهِدْ ويُشمِّرْ حتَّى انتَهى الشَّهرُ فلم يَظفَرْ ببرَكةِ الشَّهرِ
الكريمِ ولم يُغفَرْ له.
المفتاح السابع: التذوق: تذوق حلاوة
الطاعات:
أما كون الطاعة ذات حلاوة فيدل له
قوله r: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا
وبمحمد r رسولاً"()،
وقوله r: "ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله
أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في
الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار"().
معنى وجود حلاوة الإيمان هو
استلذاذ الطاعات، وتحمل المشقات فيما يرضى الله تعالى، ورسوله (صلى الله عليه
وسلم)، وإيثار ذلك على عرض الدنيا، رغبة في نعيم الآخرة، الذي لا يبيد ولا يفنى.
وروى عن عتبة الغلام أنه قال:
كابدت الصلاة عشرين سنة، ثم تلذذت بها باقي عمري.
قال ابن القيم- رحمه الله-: والمقصود أن ذوق حلاوة الإيمان والإحسان أمر
يجده القلب تكون نسبته إليه كنسبة ذوق حلاوة الطعام إلى الفم.
فأدِمْ جرَّ الحبالِ تقطع الصخر الثَّخينا
المفتاح الثامن: التنويع: التنويع في
التطوع:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:
" مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ
الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ
دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ
بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ
الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ
"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا
رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ،
فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا، قَالَ: «نَعَمْ
وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ»().
ومعنى
الحديث أن كلّ عامل يُدعَى من باب ذلك العمل، وقد جاء ذلك صريحًا من وجه آخر، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" لِكُلِّ أَهْلِ عَمَلٍ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، يُدْعَوْنَ مِنْهُ
بِذَلِكَ الْعَمَلِ، وَلِأَهْلِ الصِّيَامِ بَابٌ يُدْعَوْنَ مِنْهُ، يُقَالُ
لَهُ: الرَّيَّانُ "، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ
أَحَدٌ يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا، قَالَ: «نَعَمْ، وَأَنَا
أَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ»().
(فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ
الصّلَاةِ) المراد تطوّعاتها؛ أي من كان الغالب من أعماله الصلاة النافلة، وهكذا
في الجهاد، وما بعده.
أي من باب الصيام المسمى بباب
الرّيّان ضدّ العطشان، قيل: وهو باب يُسْقَى الصائم فيه شرابًا طهورًا قبل وصوله
إلى وسط الجنة؛ ليزول عطشه.
وقال خالد بن معدان- رحمه الله-:
"إِذَا فُتِحَ لِأَحَدِكُمْ بَابُ خَيْرٍ؛ فَلْيُسْرِعْ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ
لَا يَدْرِي مَتَى يُغْلَقُ عَنْهُ".
المفتاح التاسع: التأنس:
أنِس به، سكن إليه وذهبت به وحشته.
والأنس: هُوَ رُوحُ الْقُرْبِ.
قال تَعَالَى: {وَإِذَا
سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا
دَعَانِ} [البقرة: 186].
وَالْأُنْسُ ثَمَرَةُ الطَّاعَةِ
وَالْمَحَبَّةِ.
وَالْقُرْبُ يُوجِبُ الْأُنْسَ
وَالْهَيْبَةَ وَالْمَحَبَّةَ.
فإني قريب.. أجيب
دعوة الداع إذا دعان.. أية رقة؟ وأي انعطاف؟ وأية شفافية؟ وأي إيناس؟ وأين تقع
مشقة الصوم ومشقة أي تكليف في ظل هذا الود، وظل هذا القرب، وظل هذا الإيناس؟
إنها آية عجيبة.. آية تسكب في قلب المؤمن النداوة
الحلوة، والود المؤنس، والرضى المطمئن، والثقة، واليقين.. ويعيش منها المؤمن في
جناب رضيّ، وقربى ندية، وملاذ أمين وقرار مكين.
المفتاح العاشر: التدبر:
التدبر: التأمل.
نماذج من تدبر الخلفاء الراشدين:
حكي أن الصحابة رضوان الله عليهم تذاكروا القرآن:
1.
فقال أبو بكر الصديق t : قرأت القرآن من أوله إلى آخره؛ فلم أر فيه آية
أرجى وأحسن من قوله تبارك وتعالى: {قُلْ كُلٌّ
يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} [الإسراء:84]؛ فإنه لا يشاكل بالعبد إلا
العصيان، ولا يشاكل بالرب إلا الغفران.
2.
وقال عمر بن الخطاب t: قرأت القرآن من أوله إلى آخره؛ فلم أر فيه
آية أرجى وأحسن من قوله تعالى: "بسم الله الرحمن الرحيم. {حم. تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ
الْعَلِيم. غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي
الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِير} [غافر:1-3].
قدم غفران الذنوب على قبول
التوبة، وفي هذا إشارة للمؤمنين.
وقال عثمان بن عفان t: قرأت جميع القرآن من أوله إلى آخره؛ فلم أر آية أحسن وأرجى من
قوله تعالى: {نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا
الْغَفُورُ الرَّحِيم} [الحجر:49]
وقال علي بن أبي طالب t: قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر آية أحسن وأرجى من قوله
تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا
عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم} [الزمر:53]().
وبتحقيق هذه المفاتيح؛ تتحقق التقوى
التي هي مقصد الصيام:
والتقوى
زاد القلوب والأرواح، وهي أصل الامتثال والاجتناب، وهي الشعور الذي ينوط بها
الإسلام تنفيذ شرائعه، ويجعلها الضمان الكامن في ذات الأنفس، فوق الضمانات
المكفولة بالتشريع ذاته، فيكون له من ضمانات التنفيذ ما ليس للشرائع الوضعية التي
لا تستند إلا للرقابة الخارجية.
والتَّقْوَى الشَّرْعِيَّةُ: هِيَ امْتِثَالُ
الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابُ الْمَنْهِيَّاتِ مِنَ الْكَبَائِرِ وَعَدَمُ
الِاسْتِرْسَالِ عَلَى الصَّغَائِرِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
والتَّقِيُّ: " هو الذي يتقي بصالح عمله وخالص
دعائه؛ عذاب الله تعالى"().
فَالْمُتَّقِي: هُوَ الْحَذِرُ الْمُتَطَلِّبُ
لِلنَّجَاةِ مِنْ شَيْءٍ مَكْرُوهٍ مُضِرٍّ.
وَالْمُرَادُ
الْمُتَّقِينَ اللَّهَ، أَيِ الَّذِينَ هُمْ خَائِفُونَ غَضَبَهُ،
وَاسْتَعَدُّوا لِطَلَبِ مَرْضَاتِهِ وَاسْتِجَابَةِ طلبه فَإِذا قرىء عَلَيْهِمُ
الْقُرْآنُ اسْتَمَعُوا لَهُ وَتَدَبَّرُوا مَا يَدْعُو إِلَيْهِ فَاهْتَدَوْا().
ولسائل
أن يسأل: أين يكمن السرُّ في كون الصيام سبيلاً لصناعة المتقين؟
1)
ارتياض
النفس على ترك الشهوات.
2)
إثارة
الشعور بما يلاقيه أهل الخصاصة من ألم الجوع.
3)
واستشعار
المساواة بين أهل الجدة والرفاهية وأهل الشظف في أصول الملذات بني الفريقين من
الطعام والشراب واللهو().
4)
حبس
النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية؛ لتستعد لطلب ما
فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية.
5)
ويكسر
الجوع والظمأ من حدتها وسورتها، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين.
6)
وتضيق
مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب.
7)
وتحبس
قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها.
8)
ويسكن كل
عضو منها وكل قوة عن جماحه وتلجم بلجامه، فهو لجام المتقين، وجنة المحاربين،
ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا
يفعل شيئا، وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده، فهو ترك محبوبات النفس
وتلذذاتها إيثارا لمحبة الله ومرضاته، وهو سر بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه،
والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، وأما كونه ترك طعامه وشرابه
وشهوته من أجل معبوده، فهو أمر لا يطلع عليه بشر، وذلك حقيقة الصوم.
9)
وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة
والقوى الباطنة، وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت
عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصوم يحفظ على
القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر
العون على التقوى().
التقي
الذي يصنعه شهر رمضان:
هو
الذي صامت جوارحهُ عن الآثام، ولسانهُ عن الكذب والفحش وقول الزور، وبطنهُ عن
الطعام والشراب، وفرجهُ عن الرفث؛ فإن تكلم لم يتكلم بما يجرح صومَه، وإن فعل لم
يفعل ما يفسد صومَه، فيخرج كلامُه كلُه نافعاً صالحاً، وكذلك أعماله؛ فهي بمنزلة
الرائحة التي يشمها من جالس حامل المسك، كذلك من جالس الصائم؛ انتفع بمجالسته،
وأَمِن فيها من الزور، والكذب، والفجور، والظلم.
تلك
عشرة مفاتيح، لكنها في حقيقتها طريق واحد: طريق القرب من الله، وصناعة القلب
الحيّ. فمن تشوّق فتعرض لنفحات ربه، وروّض نفسه، واختار رفيقه، وخلّى قلبه وحلّاه،
وتذوّق الطاعة، ونوّع في القربات، وأنِس بربه، وتدبّر كتابه؛ خرج من رمضان بتقوى
تسري في جوارحه؛ وبهذا يكون قد فاز وربّ الكعبة.
فليكن رمضان هذا العام موعد صدق مع الله، وعهدًا
جديدًا مع النفس، وخطوة ثابتة في درب المتقين؛ فإن الخاسر حقًا من أدرك رمضان ثم
انقضى، ولم يُبدّل فيه قلبًا، ولم يُصلح فيه حالًا، ولم يُكتب في ديوان العتقاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين.