البحث

التفاصيل

من الفِطرة إلى الإنسان

الرابط المختصر :

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيم

من الفِطرة إلى الإنسان

(قراءةٌ أخلاقيّةٌ قرآنيّةٌ في ضوء قضيّة جزيرة جفري إبستين،

ونقدِ دعوى الحُرِّيّة وحقوق الإنسان المعاصرة)

إعداد: عبدالله أحمد درّاني

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

مقدّمة

شهدَ العالمُ في العقودِ الأخيرة انكشافًا صادمًا لواحدةٍ من أفظع الجرائم الأخلاقيّة في العصر الحديث، تمثَّلت فيما عُرِفَ بملفّ جزيرة جفري إبستين؛ حيث تبيَّن ـ باعترافاتٍ ووثائقَ وتحقيقاتٍ قضائيّة ـ تورُّطُ شخصيّاتٍ من النُّخب العالميّة، من أصحاب المال والنفوذ السياسي والإعلامي، بل ومن يُسمَّون «مفكّرين» و«علماء»، في شبكاتٍ منظَّمةٍ لاستغلال الأطفال جنسيًّا، والاعتداء على فِطرتهم وإنسانيّتهم.

واللافت ـ بل المفزع ـ أنّ هذه الجرائم ارتُكبت على أيدي أطرافٍ ترفع ليلَ نهارَ شعاراتِ حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وحقوق الطفل، وتُوجِّه سهامَ النقد والاتّهام إلى الإسلام وتشريعاته، ولا سيّما في قضايا الأسرة والأخلاق. فإذا بالحقيقة تُسقِط الأقنعة، وتكشف أنّ المشكلة أعمق من خلافٍ دينيّ أو ثقافيّ؛ إنّها أزمةُ فِطرة، وانهيارُ إنسانيّة، وانحدارٌ من مقام الإنسان إلى درك البهيميّة.

ومن هنا تأتي هذه المقالة محاولةً لقراءةٍ علميّةٍ أخلاقيّةٍ قرآنيّة، تربط بين:

الانحراف الأخلاقي المعاصر،

ودعوى الحُرِّيّة المنفلتة،

ومسخ الفِطرة الإنسانيّة،

وذلك في ضوء القرآن الكريم، مع الاستئناس بقراءةٍ فلسفيّةٍ أخلاقيّةٍ عميقة، ولا سيّما بعض أفكار المفكّر المغربي طه عبد الرحمن.

أوّلًا: قضيّة إبستين… حين تسقط دعوى «التحضّر»

إنّ ما جرى في جزيرة إبستين ليس حادثةً فرديّة، ولا انحرافًا معزولًا، بل هو مؤشّرٌ بنيويّ على خللٍ أخلاقيٍّ عميق في المنظومة القيميّة المعاصرة.

لقد كُشِفَ أنّ:

الأطفال ـ دون الثامنة عشرة ـ كانوا يُنقَلون ويُستَغلّون تحت حماية المال والنفوذ.

الجرائم كانت تُدار في بيئةٍ «قانونيّة» أو شبه محميّة.

المتورّطين هم من أكثر الناس ادّعاءً للدفاع عن حقوق الإنسان.

وهنا يَحِقّ لنا أن نسأل:

أيُّ إنسانٍ هذا الذي تُداس فِطرته باسم الحُرِّيّة؟

وأيُّ حقوقٍ تُنتهك، حين تُسفَك براءةُ الطفل على أيدي من يزعمون حمايته؟

إنّ هذه الوقائع تُثبت أنّ العلم والتكنولوجيا، إذا انفصلا عن الأخلاق، لا يُنتجان إنسانًا، بل يُنتجان وحشًا ذكيًّا، وأنّ الحُرِّيّة إذا انفصلت عن الفِطرة تحوّلت إلى أداة تدمير، لا إلى قيمة تحرُّر.

ثانيًا: من الإنسان إلى البهيميّة… قراءة قرآنيّة

لم يقدّم القرآن الكريم الصراع في التاريخ بوصفه صراعًا سياسيًّا مجرّدًا بين إيمان وكفر، بل صوّره ـ في جوهره ـ صراعًا بين:

الفِطرة والمسخ،

والإنسانيّة والبهيميّة.

قال الله تعالى على لسان إبليس: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (النساء: 119)

ترسم هذه الآية مسار الانحراف بدقّة:

1. إضلالٌ عن الله،

2. وتزيينٌ بالأماني،

3. وتشريعٌ منحرف،

4. ثمّ تغييرٌ للفِطرة وخلق الله.

وهو عينُ ما نشهده اليوم:

شعاراتٌ براقة (حُرِّيّة، حقوق، علم)،

بلا مرجعيّة أخلاقيّة،

وبلا تقوى،

وبلا اعتبارٍ لحدود الفِطرة.

ولهذا قال تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ (المجادلة: 19)

فهذا النسيان ليس نسيانًا ذهنيًّا، بل نسيانٌ للإنسانيّة ذاتها.

ثالثًا: قضيّة قوم لوط... من الخفاء إلى التقنين

قال الله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف: 80)

ارتكب قوم لوطٍ الفاحشة سرًّا، فكان هلاكهم.

أمّا اليوم، فإنّ الفاحشة:

تُمارَس علنًا،

وتُشرَّع قانونًا،

وتُقدَّم هويّةً وافتخارًا،

ويُعتدى بها على الأطفال.

وهذا يبيّن أنّ الخطر المعاصر أعظم؛ لأنّه خطرٌ مؤسَّسٌ قانونيًّا وثقافيًّا.

رابعًا: من الفِطرة إلى الإسلام… منهج الدعوة

أمام هذا الانهيار، يقدّم الإسلام منهجًا متدرّجًا وعميقًا في الإصلاح:

1. الدعوة إلى الفِطرة قبل التشريع

• إعادة الإنسان إلى إنسانيّته،

• وإخراجه من البهيميّة،

• وإيقاظ ضميره الأخلاقي.

قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (الروم: 30)

2. ثمّ الدعوة إلى الإسلام

• بوصفه دين الفِطرة،

• ومنظومة الأخلاق،

• وحارس كرامة الإنسان، ولا سيّما الطفل والمرأة.

3. ثمّ توظيف العلم والتكنولوجيا

• لا كآلهةٍ جديدة،

• بل كأدواتٍ لخدمة الإنسان،

• وتيسير حياته،

• وتمكينه من الاكتشاف والاختراع في إطارٍ أخلاقيٍّ ضابط.

خامسًا: «تعليم القرآن» قبل «خلق الإنسان»… قراءة أخلاقيّة

قال تعالى في سورة الرحمن: ﴿الرَّحْمٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن: 1–4)

هذا الترتيب ليس زمنيًّا، بل قيميّ وأخلاقيّ:

• فالقرآن هو «مشروع الإنسان»،

• والإنسان بلا قرآن جسدٌ بلا بوصلة.

وبتعبير طه عبد الرحمن:

• تعليم الأسماء أسّس العقل،

• وتعليم القرآن أسّس الأخلاق والمسؤوليّة.

فالإنسان:

• يُخلَق بالوجود،

• لكنّه يُستكمَل بالهداية.

خاتمة

إنّ قضيّة جزيرة إبستين ليست فضيحةً أخلاقيّةً عابرة، بل مرآةٌ كاشفة لزيف الحداثة الأخلاقيّة حين تنفصل عن الفِطرة، ولخطر الحُرِّيّة حين تتحوّل إلى أداة تدميرٍ للطفولة والإنسانيّة.

ويقدّم القرآن الجواب الواضح:

• عودةٌ إلى الفِطرة،

• ثمّ التزامٌ بالهداية،

• ثمّ علمٌ وتقنية في خدمة الإنسان، لا في سحقه.

﴿الرَّحْمٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾

فالإنسانُ مشروعُ رحمة، لا مادّةُ استهلاك.

وكرامةُ الطفل خطٌّ أحمر في ميزان الفِطرة، قبل كلّ قانون.

﴿وَاللَّهُ هُوَ الْهَادِي إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

* عبدالله أحمد درّاني؛ عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. إمام وخطيب بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – قطر.


: الأوسمة


المرفقات

التالي
ندوة البركة الـ46 للاقتصاد الإسلامي بالمدينة المنورة: تعزيز دور البر والإحسان في التنمية المستدامة
السابق
🌙رمضان نور القلوب🌙.. أمسية نسائية لإحياء الروحانية والاستعداد للشهر المبارك

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع