الجنة أقرب مما نظن
بقلم الدكتور سعد الحلبوسي
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
إن
المتأمل في السنة النبوية ليدرك أن النبي ﷺ لم يحصر البشارات بدخول الجنة في جيل
الصحابة وحدهم، مع عظيم فضلهم وعلوّ قدرهم، بل مدّ جسور الأمل إلى من يأتي بعدهم،
إلى أناسٍ يعيشون في زمن الفتن، وتكالب الشهوات، وضعف الهمم، فبشّرهم بالجنة إذا
صدقوا في اتباعه، وسلكوا السبل التي دلّهم عليها، ومن هذه البشارات النبوية
المباركة:
أولًا: بشارة تحقيق شهادة التوحيد.
ونحن
نعلم أن الإنسان متى ما قال (لا إله الا الله) صار مسلماّ، ولكن اذا ختم الله له
بها حياته كانت بشارة على دخوله الجنة، ففي الحديث الصحيح عن معاذ بن
جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان
آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) (رواه أبوداود والحاكم)
وحتى ينال المسلم شرف التخطيط لهذه البشارة لابد له من تكرارها باستمرار، لاسيما
إذا آوى الى فراشه فلربما يختم له بها ويكون من أهل الجنة.
ثانياً: إذا اجتمعت أعمال أبي بكر الصديق الأربعة في يوم واحد.
وهذه
الأعمال الأربعة التي يشترط أن تجتمع في المسلم في يوم واحد هي (الصوم، إتباع
الجنازة، عيادة المريض، الصدقة) وهذه تستلزم من المسلم التخطيط الدقيق حتى تجتمع
في يوم واحد، لكنها إذا اجتمعت كانت بشارة من بشارات دخول الجنة، فعن أبي هريرة
رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (مَن أصبح منكم اليوم
صائمًا؟)، قال أبو بكر: أنا، قال: (فمَن تَبِعَ منكم اليوم جنازة؟)، قال أبو بكر:
أنا، قال: (فمَن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟)، قال أبو بكر: أنا، قال: (فمَن عاد
منكم اليوم مريضًا؟)، قال أبو بكر: أنا، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمعْنَ في
امرئ إلا دخل الجنَّة) (أخرجه مسلم)
وما
جاء في أحاديث أخرى من قوله صلى الله عليه وسلم: (وجبت له الجنة) ـ
كما قال شراح الحديث: أي ثبت له، واستحق دخولها مع السابقين أو بغير سابق عذاب،
وعلى ذلك فوجبت من الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم تعتبر ضمانا لدخول الجنة،
إذا توفرت الشروط من التوحيد وانتفت الموانع من الشرك.
ثالثاً: بعض الأذكار
من
رحمة الله أن جعل لأهل الغفلة أبواب يقظة، ولأهل التقصير منافذ تعويض، فجعل الذكر
بابًا من أعظم أبواب الجنة، وفيها بشارات وردت على لسان الصادق المصدوق صلى الله
عليه وسلم، ومنها على سبيل المثال، سيد الاستغفار الذي قال عنه ﷺ: (من قالها من
النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يمسي، فهو من أهل الجنة، ومن قالها من
الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة) (البخاري) وأذكار النوم
وبعض اذكار الصباح والمساء وغيرها التي وردت فيها البشارات.
وعن
أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ
آية الكرسي في دبر كل صلاة لم يحل بينه وبين دخول الجنة إلا الموت) (أخرجه النسائي)،
ويا لها من تجارة رابحة! كلمات تُقال في دقائق، لكنها تُثقِل الميزان وتكون بشارات
لدخول الجنة.
رابعاً: بر الوالدين بشارة بالجنة
ومن
البشارات المهمة للمسلمين هو بر الوالدين والتي لا تقل شئناً عن الجهاد في سبيل
الله، ولذا لما جاء رجل يستأذنه صلى الله عليه في الجهاد: قال له: (أحيٌّ
والداك؟) قال: نعم. قال: (فيهما فجاهد). وفي حديث أخر (الزم رجلها
فثم الجنة) وكان يقصد أمه. وهذا يعني أن البشارة هي خدمة الأم والقيام على
شؤونها وبرها فالجنة تحت أقدامها، وياليت من يبحث عن السعادة والتوفيق في حياته،
أن ينزل يوميا الى قدمي أمه ويقبلهما ففيهما سعادة لا يشعر بها إلا من جربها، وهذه
فرصة عظيمة، فمن فرّط فيها فقد فوّت على نفسه طريقًا مختصرًا إلى الجنة.
خامساً: تربية البنات ستر من النار وبشارة بالجنة
بعض
الناس ربما يتضجّر عندما يرزقة الله بالبنات لا سيما إذا حرمه الله من الأولاد،
وفي الحقيقة قد يكون هذا بشارة من بشارات دخول الجنة إذا أحسن التعامل معها، فقال ﷺ:
(من ابتُلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترًا من النار).
وفي
رواية: (من عال ثلاث بنات أو ثلاث أخوات، فأدبهن، وأحسن إليهن، وزوّجهن، فله الجنة)،
والملاحظ هنا أن الإسلام حوّل ما كان يُعدّ عبئًا في زمن الجاهلية إلى باب من
أبواب الرحمة، وجعل حسن تربية البنات تجارة مع الله، ربحها الجنة.
سادساً: الابتلاء طريق الصابرين إلى الجنة
وهذه
البشارة لمن ضاق به الحال، وتزاحمت عليه الآلام، وأغلقت في وجهه الأبواب، فإنً
الابتلاء يفتح له باباً الى معارج الله جلّ وعلا، ولربما لا يصل أصحاب الابتلاءات
بأعمالهم الدرجات العلا التي يريدها لهم ربنا تبارك وتعالى فيبتليهم فيبلغوا
المراتب العالية، ولذا جاءت بشاراتهم على لسان الحبيب صلى الله عليه وسلم مطمئنتاً
لهم ومخففتا نمن معاناتهم.
وذات
يوم جاءت المرأة التي كانت تُصرع إلى النبي ﷺ فقالت: ادعُ الله لي، فقال ﷺ: (إن
شئتِ صبرتِ ولكِ الجنة، وإن شئتِ دعوتُ الله أن يعافيك)، فقالت: أصبر، ولي
الجنة.
وفي
الحديث القدسي: (إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه – يعني عينيه – فصبر، عوضته منهما
الجنة)، وهذا يعني أن الابتلاء ليس حرمانًا كما نظن، بل اختبار ومن أحسن الصبر
نال أعظم العوض، وهو الجنة، فهذه البشارة للصابرين على الابتلاء، الراضين بما قسم
الله سبحانه وتعالى.
سابعاً: زيارة الإخوان والمرضى خطوات الى الجنة
حتى
العلاقات والزيارات والحب في الله هي بشارات وأبواب مفتوحة الى الجنة، وياليت
الذين بلغت بينهم القطيعة مبلغاً يستشعروا قول الحبيب وهو يقول ﷺ: (من عاد
مريضًا أو زار أخًا له في الله، ناداه منادٍ: أن طِبتَ وطاب ممشاك، وتبوأتَ من
الجنة منزلًا)، زيارة واحدة قد تكون سببًا في منزلٍ في الجنة، وقد تكون هذه
الزيارة هي في الاساس أداء واجب وحق من حقوق الإخوان في الله، فكيف بمن داوم
عليها؟
بل
ربما تكون هذه الزيارات والعلاقات والحب في الله درجتها ومنزلتها يرجوها النبيون
والشهداء ومن على شاكلتهم، فقال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي الذي يرويه
عن ربه: (المتحابون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء)
(الترمذي). فأي منزلة هذه؟! وماهي قيمة الدنيا بأجمعها أمام هذه البشارة العظيمة؟!
ثامنًا: كف الأذى عن الناس
وقد
يستغرب القارئ الكريم من هذه البشارة، فإنّ إزالة الأذى عن طريق الناس وتعبيد
الطريق لهم هو نوع من أنواع هذه البشارات، ولذلك قال ﷺ عن رجل: (قد رأيت رجلًا
يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس)، ولربما لا يكون
كف الأذى عن طريقهم فقط، فقد يكون كف الأذى باللسان واليد عنهم، قال ﷺ: (من كظم
غيظًا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيّره من الحور
العين ما شاء)، فمن استبدل الكلمة الجارحة بكلمة يطيب بها الخاطر وتنشرح بها
النفس فقد فاز بالبشارة، فهذه العبادة متيسرة وهي بشارة نبوية بدخول الجنة.
فهذه
البشارات جمعناها هنا من أجل العمل بها وليس للتمني، ومن صدق مع الله، وطرق هذه
الأبواب، فليبشر، فإن الجنة أقرب إليه مما يظن، وإذا كان أهل الباطل يخططون وهم
على باطل، فمن باب أولى أن نخطط ونسعى من أجل الجنة، فهي منية المشتاقين، وأمل
العابدين، وموعد لقاء الأنبياء والشهداء والصالحين ومن سار على دربهم، نسأل الله
أن يجعلنا من أهل هذه البشارات، وأن يجمعنا بنبيّه ﷺ في جنة الفردوس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.