البحث

التفاصيل

التوقيت بالأشهر القمرية

الرابط المختصر :

بِمَ يجب صيام رمضان؟ (1/2)

القسم الأول: التوقيت بالأشهر القمرية([1])

بقلم: د. منذر عبد الكريم القضاة

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده... أمّا بعد:

هذا مقال أيها الإخوة والأخوات جعلته موسوماً بعنوان: بم يجب صيام رمضان وقد قسمت الحديث فيه إلى قسمين:

القسم الأول: عن التوقيت بالأشهر القمرية،

والقسم الثاني من الدرس كيف يثبت صيام رمضان والأحاديث النبوية الشريفة التي وردت بهذا الخصوص.

المقدمة

من المعروف في الظواهر الطبيعية أنَّ الأرض تدور حول الشمس دورة كاملة في مسير دائري، تتم دورتها في كل (364) يوما، و(19) ساعة و(49) دقيقة.

وقد قسِّمت هذه الأيام إلى أثني عشر شهرا في الأشهر الشمسية، وسنتها تزيد على سنة الأشهر القمرية بنحو عشرة أيام تقريبا، وأشهرها ثابتة مع فصول السنة، بخلاف الأشهر القمرية فأنها تدور على كل الفصول.

وقد يقال: لماذا لم تكن عبادة الصوم محددة بشهر من شهور السنة الشمسية، وهي الأشهر المرتبطة بدورة الأرض حول الشمس؟

لقد قضى الله -عز وجل- في نظام الإسلام أنْ ترتبط العبادات ذات التوقيت الشهري أو السنوي بالقمر.

فالقمر هو الموقت الطبيعي الظاهر الذي يشهد توقيته ويتابعه كل الناس، بخلاف السنة الشمسية وأشهرها، فإنها لا تُعرف إلا بملاحظة المختصين بالحساب الفلكي.

يضاف إلى هذا أنَّ الأشهر القمرية لها مزية الدوران مع الفصول السنوية، فمرات يكون شهر رمضان في فصل الشتاء، وأخرى يكون في فصل الربيع، ثم يكون في فصل الصيف، ثم في فصل الخريف، وكذلك سائر الشهور القمرية.

وهكذا تستمر في حركه دورانية تزحف فيها متراجعة عن السنة الشمسية في كل عام بمعدل عشرة أيام تقريبا، وبهذا تتنوع ظروف الامتحان الرباني للناس ما بين حين وآخر.

والعبادات ذات التوقيت الشهري والسنوي هي: صيام شهر رمضان، وصلاة عيد الفطر وصدقته، والحج، وصلاة عيد الأضحى والأضحية فيه، والزكاة التي تجب بمرور حول كامل، وكذلك عدة المطلقة، والمتوفي عنها زوجها، وتوقيت كثير من الحقوق.

قال الله عز وجل:  ]يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ [ [سورة البقرة 189]. فربط الله تبارك وتعالى في هذه الآية المواقيت الشهرية للأمور الدينية بالأهلة التي تحدد بها الأشهر القمرية، كما أنه جعل الأهلة مواقيت للناس بوجه عام.

وقال الله عز وجل: ] إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ [ ]سورة يونس 36]

وهذه الأشهر هي الأشهر القمرية، فقول الله تعالى:]مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ[ يدل على أنها أشهر قمرية، وذلك لأنَّ الأشهر الحرم المعروفة في الجاهلية هي: "رجب- ذو القعدة- وذو الحجة- والمحرم"([2]).

وقد جعل الله لهذه الأشهر الحرم حرمة خاصة، إذ جعل مُدَّتَها أمان عام، لتأمين سبيل الحجاج والمعتمرين، فحرّم منذ بعثه إبراهيم عليه السلام القتال فيها.

وقال الله عز وجل: ] هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) [ ]سورة يونس 5]

فامتن الله تبارك وتعالى على الناس بأن جعل لهم القمر مقدرا في منازل، ليعلموا بها عدد السنين والحساب، وفي هذا إشارة إلى التوقيت بشكل عام.

ويظهر أن طبيعة الجسم البشري تتناسب مع الأشهر القمرية أكثر من تناسبها مع الأشهر الشمسية، فالدورة الشهرية عند النساء تمشي غالبا وفق دورة قمرية، وكذلك حالات الحمل والوضع ونحو ذلك، ومن أجل ذلك ربط الله عدّة المطلقات والمتوفي عنهن أزواجهن ونحو ذلك بالأشهر القمرية.

أما العبادات ذات التوقيت اليومي فقد ربطها الله بالشمس، فالصلاة ترتبط مواقيتها بأوضاع الشمس بالنسبة إلى الأرض.

قال الله عز وجل: ] أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا (79) [ ]سورة الإسراء 78-79]

وقال الله عز وجل: ] فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ (130) [ ]سورة طه 130]

فهذه الآيات القرآنية تبين أنَّ العبادات ذات التوقيت اليومي مثل الصلاة ترتبط بأوضاع الشمس فصلاة الفجر تؤدَّى في وقت معين، وصلاة الظهر تؤدى في وقت معين، وهناك أوقات تكره فيها الصلاة.. وهكذا.

وفي هذا القسم من المقال أرجو أن أكون قد بيّنت مسألة التوقيت بالأشهر القمرية وعلاقتها بالعبادات ذات التوقيت الشهري والسنوي.

وإلى لقاء آخر مع القسم الثاني من المقال كيف يثبت صيام رمضان

وصلَّى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

* د. منذر عبد الكريم القضاة؛ عضو رابطة علماء الأردن. عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. مدير أوقاف محافظة الزرقاء -الأردن- الأسبق.



([1]) -  قضى الله سبحانه وتعالى أن يكون شهر رمضان على مدار العام فيختلف وقته في كل عام عن العام الذي سبقه حتى أنّه في الحساب تبلغ دورة شهر رمضان حتى يعود إلى نفس الوقت من العام حيث يجوب الفصول الأربعة خلال 33 سنة قمرية ليكمل دورة كاملة .

([2]) -  انظر كتاب الصيام ورمضان في السنّة والقرآن، عبدالرحمن حسن الميداني، دار القلم، دمشق، 1987م، ط1، ص: (368-370). 


: الأوسمة


المرفقات

التالي
الصيام ومقاصده الكلية في بناء الإنسان والعمران
السابق
الإفراط في تعريف المفاهيم الفقهية

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع