فريضة الصوم و"تجديد الصلة بالله"
بقلم: التهامي
مجوري
عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين
إن شطر هذا العنوان الموضوع بين
ظفرين "تجديد الصلة بالله" ليست لي، وإنما هي لمالك بن نبي رحمه الله،
قالها في سياق عرضه لآراء المصلحين في كيفية النهوض بالأمة منذ بداية النهضة، حيث
كان يرى بعض المصلحين أن المسألة سياسية، لا سيما بعد سقوط الخلافة الإسلامية، ومن
ثم لا بد من الاهتمام بالإصلاح السياسي، ومتى عولجت المسألة السياسية كُتب للأمة
النهوض. كما رأى آخرون أن المسألة أزمة تدين، بسبب ما طرأ على الأمة من انحرافات
دينية وبدع أحدثها الناس عن جهل، ومبالغات في التدين لا يقرها الدين نفسه.
كما رأى غير هؤلاء وأولئك أن
المسألة عقدية، ولمعالجتها لا بد من وضع علم كلام جديد، للنهوض بالمسألة العقدية
حتى يتم للأمة نهضتها المرجوة... وربما رأى آخرون غير ذلك، من داخل الدائرة
الإسلامية ومن خارجها، ومنهم دعاة التجديد من العلمانيين والحداثيين.
وبعد عرض وافٍ قام به مالك بن نبي
للقضية، لوجهات النظر المختلفة والمتباينة، بما في ذلك آراء الحداثيين ومواقفهم من
قضية النهضة الواجبة على الأمة، عقب بما يراه مناسبًا حسب تحليله لواقع الأمة ووفق
منهجه المعروف، وهو أن عملية التغيير تبدأ من تغيير النفس، وفق قانون الله
والتاريخ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ
حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) [الرعد: 11]، ثم يأتي بعد ذلك ما
ينبني عن تلك العملية من تفاصيل... ثم ختم كلامه بعبارات موجزة جامعة وعميقة، وذلك
في قوله: "وتغيير النفس معناه إقدارها على أن تتجاوز وضعها المألوف، وليس هذا
من شأن (علم الكلام)... وإنما هو من شأن علم لم يوضع له (اسم) بعد، ويمكن أن نسميه
(تجديد الصلة بالله)" [وجهة العالم الإسلامي: 33].
استحضرت هذا العلم الذي لم يوضع
له اسم بعد، بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، الذي يجسد معانيه بأوضح ما تكون،
ويمكن استشفاف ذلك من الحديث القدسي الذي يقول فيه الله سبحانه وتعالى: "كلُّ
عملِ ابنِ آدمَ له، إلا الصيامُ، فإنه لي، وأنا أجزي به. الصيامُ جُنَّة، فإذا كان
يومُ صومِ أحدِكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله، فليقل: إني
صائم، إني صائم. والذي نفسُ محمد بيده، لَخَلُوفُ فم الصائم أطيبُ عند الله من ريح
المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه"
[أخرجه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة].
ذلك أن الصوم يتميز عن غيره من
العبادات، من حيث هو العبادة التي تظهر فيه حقيقة الصلة بالله، فالصائم يكيف
الكثير من عاداته وسلوكاته، بما في ذلك الأمور التي لا يعلم أحد عنها شيئًا إلا
الله، بما يعني أن المقيم لشعيرة الصيام قد أقامها طاعة لله وطمعًا في رضوانه
وتجديدًا لصلته بالله سبحانه.
على أن تجديد الصلة بالله في
الأصل والأساس من مهام إقامة العبادات كلها، وبما يتحقق من مقتضياتها، وعلى رأس
هذه العبادات الأركان الخمسة التي منها صوم رمضان، باعتبارها الأسس التي يُبنى
عليها الإسلام برمته، ويتكون منها الدين الذي أمر الله عباده بإقامته: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا
وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ
وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى
الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن
يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) [الشورى: 13].
"فذكر
أول الرسل بعد آدم وهو نوح عليه السلام، وآخرهم وهو محمد - صلى الله عليه وسلم -،
ثم ذكر من بين ذلك من أولي العزم، وهم: إبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم عليهم
السلام. وهذه الآية انتظمت ذكر الخمسة كما اشتملت آية الأحزاب عليهم في قوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ
وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا
مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) [الأحزاب: 7]، (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن
رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)
[الأنبياء: 25]. وفي الحديث: "نحن معشر الأنبياء أولاد علات، ديننا
واحد"، أي: القدر المشترك بينهم هو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن اختلفت
شرائعهم ومناهجهم، كقوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا
مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) [المائدة: 48]؛ ولهذا قال هاهنا: (أن
أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)، أي: وصى الله سبحانه وتعالى جميع الأنبياء عليهم
السلام بالائتلاف والجماعة، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف" [تفسير ابن كثير].
وإذا كان المشترك بين الأنبياء
جميعًا إقامة الحد المعتبر الأول، وهو التوحيد، وإن اختلفت الشرائع، فإن المنهجية
التي جاء بها الإسلام لم تقف عند حد الاقتناع العقلي بعقيدة التوحيد، كما يحرص على
ذلك الفلاسفة والمتكلمون، وإنما تجاوز ذلك بدمج عقيدة التوحيد بكل ما يتعلق بحركة
الإنسان عمومًا، سواء فيما بينه وبين نفسه، أو ما بينه وبين الكون، أو فيما بينه
وبين الناس، أو فيما بينه وبين الله؛ بل شملت رسالة الإسلام النظر والتفكير وحديث
النفس ومكاسب الدنيا والآخرة... ولذلك كان الدين الإسلامي هو خاتم النبوات
والرسالات السابقة كلها وجامعها؛ بل هو الرسالة التي لا يقبل الله غيرها: (إِنَّ
الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) [آل عمران: 19]، (وَمَن
يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ
مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران: 85]. وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم عن
تمام هذا الدين وكماله في تصوير فني رائع في الحديث المشهور: "إن مثلي ومثل
الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بنيانًا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية من
زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال:
فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين" [أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة].
ويمكن اعتبار منهجية تناول قضايا
الإنسان عمومًا من بين ما خُصَّت به هذه الرسالة الخاتمة، وقد خصص لذلك المفكر
السوداني الأستاذ أبو القاسم حاج حمد رحمه الله دراسة هامة سماها "منهجية
القرآن المعرفية"، وقد توصل إلى أن منهجية القرآن الكريم كانت متميزة عن
غيرها من المنهجيات الفكرية والفلسفية الوضعية في تناولها لقضايا علاقة الإنسان
بالله وبالكون وبالغيب... وناسخة للشرائع السابقة أيضًا، في صورة تتفاعل فيها
المبادئ بالوسائل والغايات، وتتناغم فيما بينها، في مشاهد وممارسات تلتقي فيها
الدنيا بالآخرة، والغاية منها عبادة الله سبحانه وتعالى وتمتين العلاقة به سبحانه.
وأوضح ما يكون فعل تمتين العلاقة
بالله وتجديدها في اعتناق الإنسان للإسلام والخضوع لمقرراته العقدية والسلوكية... وذلك
هو المقرر في أركان الإسلام الخمسة كما أسلفنا.
أولًا: شهادة ألا إله إلا الله، التي يدخل بها الفرد
للإسلام، ولا يعتبر التدين تدينًا في الإسلام إن لم ينطلق من هذه القاعدة؛ بل إن
كلمة التوحيد هذه هي الأساس كله، حيث لا يمكن أن يبحث الإنسان عن تجديد لصلة بجهة
لا يعرفها أو لا يعترف بها.
ثانيًا: إقامة الصلاة، التي تعد من أهم الأركان بعد
الشهادتين، ولذلك لا يعتبر إيمان المؤمن إن لم يسلم بهذه القضية المحورية؛ بل لا
يمكن تصور صلة بالله من غير إقامة صلاة يتوجه بها العبد إلى ربه، ولذلك كانت
الصلاة عماد الدين.
ثالثًا: زكاة أموال أغنياء المسلمين، باقتطاع نسبة
منها كحق لفقراء الأمة، واجبة على أغنيائها.
رابعًا: صوم رمضان، وهو الامتناع عن المباح في غير
أيامه، وهو من العبادات الخافية عن الناس، فلا يعلم عنها الناس شيئًا إلا صاحب
الصوم وربه.
خامسًا: الحج إلى بيت الله الحرام على القادرين من
المكلفين في الأمة.
إن العبادات في جوهرها، إضافة إلى
كونها شُرعت لأبعاد عقدية ثقافية اجتماعية، هي في نفس الوقت كفارات للمؤمن، ناسخة
للأخطاء والمخالفات الشرعية...؛ بل إن لها مقتضيات تهدف إليها، يمكن تلمسها في
النصوص الواردة في هذه العبادات، وما يتحقق بفضلها من مكاسب دينية ودنيوية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.