أيها المصلّون.. رفقًا بأئمة التراويح
بقلم: أ.د. وصفي عاشور أبو زيد
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
قد يقف
القارئ عند هذا العنوان وقفة المتعجِّب، وربما قال في نفسه: بل رفقًا بالمصلّين من
أئمة التراويح! أليس النبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «إذا أمَّ أحَدُكُمُ
النّاسَ، فَلْيُخَفِّفْ، فإنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ، والْكَبِيرَ، والضَّعِيفَ،
والْمَرِيضَ، فإذا صَلّى وحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كيفَ شاءَ»؟ [متفق عليه من حديث أبي
هريرة]، أليس التخفيفُ مقصدًا نبويًّا، ورحمةً إماميّة، ورفقًا بالمأمومين؟ بلى،
هو كذلك، وهو هديٌ ثابتٌ لا مراء فيه، قامت عليه السنّة، واستقر عليه فقه الجماعة
في الإسلام.
غير أن
للعنوان وجهًا آخر، ومعنىً يتوارى خلف ظاهر العبارة، يحتاج إلى كشف وإبانة؛ فليس
الحديث هنا عن الإمام الذي يُطيل فيُجهد، أو يُعسّر فيُثقِل، وإنما عن طائفةٍ من
المصلّين - لا كلّهم - يتصدّرون خلف الإمام في صلاة التراويح، يترقبون هفوته،
ويحصون عليه أنفاس تلاوته، ويُسارعون إلى الفتح عليه قبل أن يستتمّ فكره، أو
يستجمع تذكّره، حتى كأنما الصلاة ساحةُ اختبار، لا محرابُ خشوع، وكأنما المقصود
إظهارُ الحفظ، لا تحقيقُ العبودية.
إن رمضان
شهر القرآن، شهر المدارسة والمراجعة، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «كانَ
رَسولُ اللَّهِ ﷺ أجْوَدَ النّاسِ، وكانَ أجْوَدُ ما يَكونُ في رَمَضانَ حِينَ
يَلْقاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ يَلْقاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ فيُدارِسُهُ
القُرْآنَ، فَلَرَسولُ اللَّهِ ﷺ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ»
[متفق عليه]. وفي هذا الجو القرآنيّ المهيب، تقام صلاة التراويح لتكون قيامًا
بالقرآن، وتذوّقًا لخطابه، ووقوفًا بين يدي الله بخشوعٍ وسكينة؛ قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (البقرة: 238)، وقال
سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ
هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (المؤمنون: 1–2).
ومن هنا
فإن الرفق المطلوب في هذا المقال ليس نقضًا للهدي النبوي في التخفيف، ولا اعتراضًا
على تصحيح الخطأ إذا وقع، وإنما هو دعوة إلى فقهٍ أدقّ، وذوقٍ أرقى، وأدبٍ أسمى في
التعامل مع الإمام في صلاةٍ تُراد لها أن تكون قُرّةَ عينٍ، لا ساحةَ تنافسٍ في
إظهار المحفوظ، فكما أن الإمام مأمورٌ بالرفق بالمأمومين، فكذلك المأموم مأمورٌ
بحفظ حرمة الإمام، وصيانة مقام الصلاة، وإعانة أخيه على تمام عبادته، لا التشويش
عليه ولا التربّص به.
هذا هو
المعنى الذي نروم بيانه، ونستفتح به الحديث، قبل أن نفصّل القول في بقية الجوانب،
مستضيئين بالهدي النبوي، ومستنيرين بفقه السلف، سائلين الله أن يجعل صلاتنا خالصةً
لوجهه، جامعةً للخشوع، بعيدةً عن كل ما يكدّر صفاءها أو ينقص من أثرها.
أئمة التراويح بين هَمّ النهار وهم الصلاة
أما
الإمام في صلاة التراويح فليس - كما يظن بعض الناس - رجلَ ساعةٍ يقف بين تكبيرتين،
ثم ينصرف عن الأمر كأن لم يكن؛ بل هو منذ انقضاء صلاة الفجر وهو يعيش مع ليلته
المقبلة، يهيّئ لها صدره، ويجمع لها قلبه، ويستحضر فيها أمانة القرآن التي
سيتحمّلها بين يدي الله وأمام الناس.. يومه كلّه مراجعةٌ وتثبّت، وتدقيقٌ في
المتشابهات، واستحضارٌ لمواضع الوقف والابتداء، ومقارنةٌ بين نظائر الآيات، خشيةَ
أن تزلّ به القدم في موطنٍ تتشابه فيه الألفاظ وتختلف المعاني، قال تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ (الزمر: 23)، ومن
ذاق هذا المتشابه علم كم يحتاج قارئه إلى يقظةٍ واستحضار.
ثم إذا
أقبل الليل، واصطفّ الناس خلفه، قام الإمام وهو يحمل في صدره رهبتين: رهبةَ الوقوف
بين يدي الله، ورهبةَ التقصير في حق كتابه؛ فهو يعلم أن الكلمة إذا تغيّرت قد
ينقلب معناها، وأن اللحن الجليّ قد يُفسد المعنى أو يُشوّه جمال التلاوة، أو يبطل
الصلاة، فيتضاعف احترازه، ويشتدّ تركيزه، وتزداد خشيته، وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾
(المزمل: 5)، وثِقَلُ القول لا يُدرَك إلا عند حمله أداءً وتلاوةً أمام جماعةٍ
تنتظر منك التمام والإتقان.
ولذلك
ترى الإمام في التراويح حاضر القلب أشدّ الحضور، متحفّز الذهن، يكاد يسمع خفقات
صدره مع كل آية، يخشى سهوًا عارضًا أو نسيانًا مباغتًا، ويستعيذ بالله من الزلل،
راجيًا أن يُتمّ الله عليه القراءة كما راجعها واعتنى بها طوال يومه.. هذه حاله
قبل الصلاة، وتلك حاله فيها: أمانةٌ ثقيلة، وخشيةٌ صادقة، ومجاهدةٌ مستمرة بين
استحضار المحفوظ واستجلاب الخشوع.
فإذا علم
المأموم ذلك، علم أن الإمام ليس خصمًا يُتربَّص به، ولا طالبَ اختبارٍ يُنتظر
سقوطه، بل هو أخٌ مجتهدٌ في أداء أمانته، قائمٌ على ثغرٍ من ثغور العبادة، أحوجُ
ما يكون إلى عون إخوانه، لا إلى محاصرته، وتضييق صدورهم عليه.
بين نية الإعانة ونزعة الإظهار
ومع ما
يعتمل في صدر الإمام من رهبةٍ ومسؤولية، ترى - في بعض المساجد - مأمومًا يقف خلفه
لا بقلب المعين، بل بعين المترصِّد؛ يُصغي لا ليخشع، بل ليلتقط هفوة، ويترقّب لا
ليؤمّن على الدعاء، بل ليعلن التصويب، كأنما ينتظر لحظة التعثّر لينقضّ على الكلمة
قبل أن تستقيم، أو على الوقفة قبل أن تُستدرك، فيبادر بالفتح معاجِلًا، رافعًا
صوته، مستعجلًا التصحيح، حتى ليخيَّل للناظر أن المقصود إظهار الحفظ لا صيانة
الصلاة، وإعلان التفوّق لا إعانة الإمام.
وهذا - وإن
لم يكن حال الأكثرين، فالحمد لله في الأمة خيرٌ كثير - إلا أنه واقعٌ يُشاهَد؛ إذ
قد يفتح بعضهم على الإمام بالصواب والخطأ، وفي موضعٍ يُحتاج فيه إلى الفتح، وفي
موضعٍ لا يُحتاج إليه، وربما كان الإمام على صوابٍ في لفظه أو اختياره، فيقع
التصحيحُ في غير محلّه، ويُحدِث اضطرابًا في القراءة، وتشويشًا على الصفوف، ويختلط
على العامة ما كان واضحًا لولا العجلة.
والأصل
أن التصحيح إعانةٌ ورحمة، لا مبارزةٌ ومغالبة؛ فإن النيات ميزان الأعمال،
«وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» كما في الحديث المتفق عليه عن عمر، فمن
فتح على إمامه نصحًا لله، وحفظًا لكتابه، وصيانةً للصلاة، فذاك مأجورٌ إن شاء
الله، ومن جعل الفتحَ منصةَ إظهار، أو سُلّمَ تزكيةٍ لنفسه، فقد عرّض عمله لما
يكدّره ويُنقص أجره، والله أعلم بالسرائر.
إن صلاة
التراويح ليست مسابقةَ حفظٍ، ولا ساحةَ اختبارٍ علنيّ، وإنما هي قيامُ قلبٍ قبل أن
تكون قيامَ لسان، وخشوعُ جماعةٍ قبل أن تكون أداءَ أفراد، ومن رام لنفسه مقامَ
«الحافظ» فليحفظ أولًا حرمةَ الصلاة، وليحفظ لأخيه الإمام قدره، وليحفظ على
المصلين سكينتهم؛ فذلك أدعى للقبول، وأقرب إلى روح العبادة التي شرعت لها التراويح
في ليالي رمضان.
ليَلِني منكم أولو الأحلام والنهى
ومن
الهدي النبوي الدقيق في تنظيم الصفوف، وصيانة مقام الإمامة، ما رواه مسلم في صحيحه
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لِيَلِنِي مِنكُمْ، أُولو الأحْلامِ
والنُّهى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثَلاثًا، وإيّاكُمْ وهَيْشاتِ الأسْواقِ»
[رواه مسلم بسنده عن عبد الله بن مسعود، رقم 432، وهو من أفراد مسلم على البخاري].
وليس هذا الترتيب شكليًّا محضًا، بل هو توجيهٌ مقصودٌ لحفظ نظام الصلاة، وضبط ما
قد يطرأ فيها من خلل؛ فأولو الأحلام - أي أهل العقول الراجحة – والنُّهى - أي
أصحاب الفقه والرأي - هم أقدر الناس على إدراك موضع الخطأ، وأعلم بموضع الصواب،
وأحكم في تقدير متى يُفتح ومتى يُترك الإمام ليستدرك بنفسه.
فليس كلّ
توقفٍ خطأً، ولا كلّ انتقالٍ بين آيتين موجبًا للردّ؛ إذ قد يقف الإمام ويصمت
متدبرًا ومتأملًا أو متأثرًا، وقد ينسى الإمام آيةً فيمضي إلى التي تليها، وقد رأى
بعض الفقهاء أن ترتيب الآيات في القراءة داخل الصلاة ليس واجبًا على جهة اللزوم،
بل تصحّ الصلاة بقراءة ما تيسّر من القرآن، وقد استدلّ الإمام أبو حنيفة رحمه الله
لذلك بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ
مِنْهُ﴾ (المزمل: 20)، فجعل العبرة بتحقق القراءة، لا بالتزام ترتيبٍ معيّن
على جهة الإيجاب.
وهنا
تظهر قيمةُ وقوف الحفّاظ والفقهاء خلف الإمام؛ فهم يفرّقون بين لحنٍ جليٍّ يقلب
المعنى فيجب تصحيحه، وبين سهوٍ يسيرٍ لا يغيّر المعنى ولا يخلّ بصحة الصلاة،
ويعلمون أن المبادرة بالتصحيح في غير محلّها قد تُربك الإمام، وتشوّش على المصلين،
وأن الحكمة تقتضي التثبّت قبل الإقدام، والتقدير قبل الرفع.
إن الصفّ
الأول ليس موضعَ استعراض، بل موضعُ مسؤولية؛ ومن تقدّم كي يلي الإمام فقد تصدّر
لخدمة الصلاة، لا لمنافسة الإمام، فإذا وُضع أهل العلم والحفظ في موضعهم، واستُجيب
للتوجيه النبوي في ترتيب الصفوف، سكنت النفوس، وانتظم الأداء، وأدرك الناس أن
الفتح على الإمام فقهٌ قبل أن يكون حفظًا، وأدبٌ قبل أن يكون صوتًا.
فقهُ الفتح على الإمام... بين الأدب والواجب
وللفتح
على الإمام - كما لكل عبادة - فقهٌ وأدب، وضوابطُ وذوقيّات، لا يُحسنها إلا من جمع
بين الحفظ والحكمة، وبين الغيرة على كتاب الله والرفق بعباد الله؛ فليس من السنة
معاجلةُ الإمام بالتصحيح عند أول تردّد، ولا مقاطعته عند أول سكتة؛ فإن في ذلك
إرباكًا له، وتشويشًا على الجماعة، وإخراجًا للصلاة من سكينتها إلى نوع اضطراب.
والإمام
- في غالب أحواله - يشعر بالخطأ إذا زلّ، ويستدرك بنفسه سريعًا، ويعود إلى صوابه
قبل أن يلتقط غيره موضع الهفوة؛ فإعطاؤه لحظةً يستجمع فيها ذهنه أدعى إلى تمام
القراءة، وأقرب إلى هيبة المقام، أما إذا توقف طويلًا ناسِيًا، وتعذّر عليه
التذكّر، فهنا يُشرع الفتح عليه إعانةً له، وصيانةً للقراءة؛ فإن المقصود حفظُ
الصلاة، لا إحراجُ الإمام.
وكذلك
إذا وقع في لحنٍ جليٍّ يقلب المعنى، أو يُفضي إلى خللٍ عقديٍّ أو تشريعيٍّ، وجب
التصويب حينئذٍ بلا تردّد، لأن صيانة المعنى مقدّمة، وحفظ النصّ واجب، فمن قرأ – مثلًا
- ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتُ عَلَيْهِمْ﴾
بضمّ التاء، فقد نسب الإنعام إلى نفسه لا إلى ربّه، فقلب المعنى قلبًا ظاهرًا،
وهذا لحنٌ جليٌّ يجب ردّه، ومن أبدل لفظًا يُغيّر بنية الكلمة تغييرًا فاحشًا - كأن
ينطق "صراط" على وجهٍ يُخرجها عن صورتها العربية، مثل: "سرات"
وجب تنبيهه؛ لأن الخطأ هنا ليس في تحسين الأداء، بل في صيانة النصّ.
أما ما
لا يغيّر المعنى، أو كان من قبيل اللحن الخفيّ الذي لا يخلّ بالمقصود، فالأولى فيه
الترفّق، أو تأجيل التنبيه إلى ما بعد الصلاة إن احتيج إليه، خروجًا من خلاف
التشويش، وتحقيقًا لمقصود الخشوع، وقد قال الله تعالى: ﴿وَقُومُوا
لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (البقرة: 238)، والقنوت سكونٌ وخضوع، لا صخبَ تصحيحٍ
متعجّل، ولا مبادرةَ مقاطعةٍ متكرّرة.
فالفتح
على الإمام إذن ليس سباقًا إلى الصوت الأعلى، بل هو ميزانٌ دقيق: يُفتح عند
الحاجة، ويُترك عند الاستغناء، ويُؤدّى بأدبٍ وخفضِ صوتٍ وقصدِ إعانة، ومن فقه هذه
الدقائق، حفظ للصلاة هيبتها، وللقرآن جلاله، وللإمام مقامه.
حين يفقد القيام سكينته
ومعاجلةُ
الإمام، أو التربّص به على هذا النحو، لا يقف أثره عند حدود الإمام وحده، بل
يتعدّاه إلى عموم الصفوف؛ فيضطرب المصلّون، ويختلّ انتظام القراءة في آذانهم،
ويختلط عليهم الصوت بالصوت، فلا يدرون أيتبعون الإمام أم المصحّح، وتفقد الصلاة
شيئًا من سكينتها التي شُرعت لها، وما شُرع القيام إلا ليكون خلوةَ روحٍ في جماعة،
وطمأنينةَ قلبٍ في محراب، لا ساحةَ تنازعٍ خفيٍّ بين أصواتٍ متعجّلة.
وقد وصف
النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة بأنها قُرّةُ عينه، فقال: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ
عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» [رواه النسائي رقم (3939)، وأحمد (١٢٢٩٣)]، وقُرّة العين
لا تكون إلا مع السكون والخشوع، واطمئنان النفس؛ فإذا تحوّل القيام إلى ترقّبٍ
مشوب، وتصحيحٍ متلاحق، وردٍّ من الصف الرابع أو العاشر يعلو فيه الصوت على غير
نظام، انقلب المقصود، وسرى إلى القلوب شيءٌ من التوتر بدل الطمأنينة، ومن الانقباض
بدلًا من الانشراح.
ثم إن
الناس – بطبعهم - ينفرون ممن يُشعرهم بأنه في مقام المراقبة لا المشاركة، وفي موضع
التربّص لا المعاونة؛ فيقع في نفوسهم سخطٌ على من يكثر الردّ في غير موضعه، أو
يرفع صوته بما يُحدِث بلبلةً في الصفوف، وهنا تخسر الصلاة شيئًا من أثرها التربوي؛
لأن الجماعة في الإسلام مبناها على السكينة والائتلاف، لا على الاستعراض والمغالبة.
فإذا
أردنا لقيام رمضان أن يبقى قُرّةَ عينٍ، فعلينا أن نصون صفوفه من كل ما يُكدّر
صفاءه، وأن نجعل الفتح على الإمام عونًا على الخشوع، لا سببًا في اضطرابه، وأن
نتواصى بالسكينة التي بها تكتمل صورةُ الصلاة، وتتحقق مقاصدُها في تهذيب النفس
وجمع القلوب على ذكر الله.
حتى تكون صلاتُنا لائقةً بربِّنا
وختامُ
القول نداءٌ أرفعه إلى إخواني المصلّين جميعًا: تعالوا نُعِدْ لصلاة التراويح
هيبتها، ونردّ إلى القيام سكينته، ونُعِن الإمام على أمانته بدل أن نُثقِل عليه
بمراقبةٍ لا لزوم لها.. قدِّموا للإمامة الحافظَ المتقنَ الأمين، الذي جمع بين حسن
التلاوة وفقه الصلاة، فقد ثبت عن النبي أنه قال: "يَؤُمُّ القَوْمَ
أَقْرَؤُهُمْ لِكِتابِ اللهِ، وَأَقْدَمُهُمْ قِراءَةً، فإنْ كانَتْ قِراءَتُهُمْ
سَواءً، فَلْيَؤُمَّهُمْ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فإنْ كانُوا في الهِجْرَةِ
سَواءً، فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا، وَلا تَؤُمَّنَّ الرَّجُلَ في
أَهْلِهِ، وَلا في سُلْطانِهِ، وَلا تَجْلِسْ على تَكْرِمَتِهِ في بَيْتِهِ إلّا
أَنْ يَأْذَنَ لَكَ، أَوْ بإذْنِهه". [أخرجه مسلم بسنده عن أبو مسعود عقبة بن
عمرو، رقم (٦٧٣)، وهو من أفراد مسلم على البخاري]، ويجب أن يَلِيَه في الصفوف أهلُ
الحفظ والفقه، امتثالًا للهدي النبوي: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ
وَالنُّهَى»، حتى يكون التصحيح - إن احتيج إليه - علمًا وعدلًا، لا عَجلةً
واستعراضًا.
وليَلتزم
الجميع فقهَ الصلاة قبل فقه الصوت، وفقهَ الفتح على الإمام قبل حُسن الأداء؛
فيُفتح عند الحاجة، ويُسكت عند الكفاية، ويُراعى الأدب قبل المبادرة، وتُقدَّم
السكينة على المنافسة، فإن الصلاة ليست مقامَ امتحانٍ لأحد، وإنما هي مقامُ
عبوديةٍ جامعة، يُقصد بها وجهُ الله، وتُطلب بها تزكيةُ النفس، واجتماعُ القلوب
على ذكره.
فإذا
استقامت هذه المعاني فينا، صارت تراويحُنا لائقةً بربّنا، جديرةً بأن تكون قُرّةَ
عينٍ كما أرادها النبي صلى الله عليه وسلم، وتجليًا لهيبة القرآن في النفوس،
وأثرًا تربويًّا يُصلح الفرد ويؤلِّف المجتمع، وحينئذٍ لا يكون الإمام وحده هو
الحاملَ للقرآن في صدره، بل نحمله جميعًا في قلوبنا أدبًا وخشوعًا ورفقًا، فيتحقق
المقصد، ويصفو القيام، ويبارك الله لنا في ليالينا وأعمارنا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.