بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا
محمد وآله وصحبه، وإخوانه وحزبه.
رمضان مدرسة التقوى
التي عليها المدار
بقلم: بن سالم
باهشام
عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين
الحمد لله الذي جعل التقوى أساس
الفلاح، ووصيته للأولين والآخرين، فقال سبحانه في سورة النساء: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ
وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾.[النساء: 131]، وأشهد أن لا إله إلا الله، جعل التقوى ميزان
التفاضل بين الناس، فقال في سورة الحجرات: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ
عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.[الحجرات: 13]، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، كان يقول: (اتقِ
الله حيثما كنت)،[ رواه الترمذي وقال: حديث حسن وفي بعض النسخ: حسن صحيح، عن
معاذ بن جبل رضي الله عنه]، فتقوى الله لا زمان لها ولا مكان، بل الواجب أن تكون
متقيا في جميع الأحوال حق التقوى، قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ
تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:
102]، وذلك بأن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر،
أيها الإخوة والأخوات، إن أعظم ما
يقوم عليه أمر الإنسان في دنياه وأخراه، هو التقوى؛ فهي روح العبادة، وسر قبول
الأعمال، قال تعالى في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ
اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]، وهي وصية الله لكل أمة، بل
هي الزاد الذي لا ينفد في رحلة العمر، ولا يقبل غيره، قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ
يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾.[البقرة: 197]، بل هي آخر تكليف إلهي للبشرية،
في آخر آية نزلت من القرآن، قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَاتَّقُوا
يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا
كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281]، ونظرا لما للتقوى من
مكانة عظيمة في الدين، فالكل سيتساءل، وما السبيل الصحيح لتحقيق هذه التقوى؟
من رحمة الله بعباده أنه لم
يتركهم يتخبطون، وإنما أنشأ لهم مدرسة للتقوى، ويسر لهم كل المعطيات ليكونوا من
المتقين، فمن دخلها وكان مجدا ومجتهدا فاز وأفلح، ومن تكاسل خاب وخسر، هذه المدرسة
جعلها سبحانه وتعالى في شهر رمضان، ونبهنا لذلك صراحة في قوله سبحانه من سورة
البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *
أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 183، 184]، فأرادنا عز وجل بفضله
وكرمه أن نتقيه شهرا، ليكتبنا من المتقين دهرا، فرمضان ليس امتناعاً، بل تربية، يجيء
رمضان كل عام، لا ليغيّر جدول الطعام فقط، بل ليعيد تشكيل القلب. الذي هو ملك الجوارح، والذي بصلاحه يصلح
الإنسان كله، إنه مدرسة ربانية، يدخلها المؤمن شهراً كاملاً، ليتعلم أعظم درس: كيف
يعيش مع الله، مراقبةً وخشيةً ومحبةً.
فالصائم يترك شهوته مع قدرته
عليها، لا خوفاً من الناس، بل خوفاً من الله، وهنا تتجلى حقيقة التقوى: أن تجعل بينك وبين غضب
الله وقاية من طاعةٍ وإخلاص.إن الله عز وجل أراد أن
يبلغنا برمضان أعلى المقامات، أرادنا أن نكون أولياء لله، ولقد عرف لنا سبحانه في
كتابه من هو الولي، فقال في سورة يونس: ﴿أَلَا
إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ *
الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ، ذَلِكَ هُوَ
الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾،[يونس: 62 - 64]،
فبالإيمان والتقوى تتحقق الولاية،
ولما علم عباد الرحمن أهمية التقوى في الحياة، عملوا لها؛ فاتصفوا بإحدى عشرة صفة
وردت في أواخر سورة الفرقان، من باب الأخذ بالأسباب، لأن الله تعالى قال في شأن
الاستجابة للدعاء في سورة آل عمران: ﴿فَاسْتَجَابَ
لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ
أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: 195]، وبعدها سألوا الله
لا ليكونوا من المتقين فقط، بل أرادوا أن يكونوا أئمة للمتقين، أي أئمة لأولياء
الله الصالحين، فقال سبحانه وتعالى وهو يصفهم: ﴿وَالَّذِينَ
يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ
أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]،
ويأتي السؤال، لماذا
الصيام طريق التقوى؟ لأن الصيام يربي في القلب أربع معانٍ كبرى:
1- المراقبة: فحين تمتنع عن الحلال في الخلوة، يسهل عليك
ترك الحرام في العلن والخفاء.
2- تهذيب الشهوة: فضعف
الشهوة يقوّي سلطان الروح، فتصفو النفس ويخشع القلب.
3- استحضار الآخرة: فالجوع
والعطش، يذكّران بحقيقة الدنيا وزوالها، فيتعلق القلب بالباقي.
4- الانقياد لأمر الله: فالصيام
طاعة خالصة لا يطلع عليها إلا الله، ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي: (الصَّوْمُ لِي وَأَنَا
أَجْزِى بِهِ). [رواه البخاري ومسلم، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه]. أي لا يُتَعَبَّدُ به أحد غيري، أو هو سر بيني
وبين عبدي.
رمضان مدرسة عملية لا نظرية، وهو ليس
موسماً عابراً، بل دورة مكثفة في صناعة الإنسان التقي: صلاة للتراويح والنوافل، تُحيي القلب، وقرآن يُزكي الروح، وصدقة تُطهّر
المال، وصبر يُهذّب الأخلاق، فمن خرج من رمضان كما دخله، فقد فاته المقصود الأعظم.
وعلامة نجاح الطالب في مدرسة
رمضان، ليست بكثرة الجوع، ولا بطول السهر فقط، بل بأن ترى أثر التقوى بعده: لسان أصدق، وقلب أخشع، وعين
أحرص على الحلال، ونفس أبعد عن المعصية، فالتقوى ليست لحظة شعورية، بل مسار حياة.
فيا من أدرك رمضان، هذه فرصة
العمر، فإن التقوى هي رأس المال الحقيقي، وهي سبب القبول، وهي طريق النجاة، وهي
الكرامة التي لا تزول. والولاية التي تتحقق، فاجعل من هذا الشهر
بداية عهد جديد مع الله، عهد قلبٍ حي، ونفسٍ نقية، وسيرٍ صادق إلى الله. فاللهم اجعل رمضان لنا
مدرسة نتخرج منها بقلوبٍ أتقى، ونفوسٍ أزكى، وأعمالٍ أخلص، ولا تجعله موسماً يمر
بلا تغيير، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.