خريطة الهداية.. ومنهج الاستخلاف في الأرض
(سلسلة: محراب التدبر: قطوف من خواطر الأجزاء الثلاثين -
مقدمة السلسلة وخاطرة الجزء الأول)
بقلم: د. أحمد محمد عيد
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
أيها القراء الكرام، نستقبل معا شهر رمضان المبارك، شهر
القرآن الذي تتجدد فيه أرواحنا. وفي خضم سباقنا المحمود لختم المصحف تلاوة، قد
يغيب عن بعضنا أن الغاية العظمى من إنزال هذا الكتاب إحداث زلزال حقيقي في القلوب
والسلوكيات.
ولكي نحلق في سماء القرآن بشكل صحيح، لا بد لنا من
جناحين: جناح "ضبط اللسان" بالترتيل والتجويد، وجناح "حياة
القلوب" بالتدبر.
فالقرآن لم ينزل ليقرأ على الموتى فحسب، بل نزل ليصنع
الأحياء، فإذا قرأنا القرآن ولم تتغير أخلاقنا، فنحن لم نقرأه حقا!
ومن هذا المنطلق، كان هذا المشروع الرمضاني (محراب
التدبر: وخواطر الأجزاء الثلاثين)، لنستخرج لكم في كل يوم خلاصة عملية وتدبرية
للجزء المقرر، تضع أيدينا على القواعد الربانية التي تعالج أمراض قلوبنا وتضبط
بوصلة حياتنا.
ونبدأ اليوم رحلتنا مع الجزء الأول من كتاب الله، هذا
الجزء الذي يعد خريطة الطريق للبشرية، ودستور الاستخلاف في الأرض.
المحطة الأولى: الطلب
والاستجابة الفورية
تبدأ الرحلة بسورة الفاتحة؛ وهي ليست مجرد مقدمة، بل هي
أعظم دعاء يخرج من قلب العبد، وهي منهج حياة.
أنت في الفاتحة تقف بين يدي الله لتطلب شيئا واحدا
محددا: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾.
ومن عظمة الترتيب القرآني، أنك بمجرد أن تقول آمين، تأتي
الاستجابة الفورية لطلبك في أول آيات سورة البقرة: ﴿ذلك
الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾.
كأن الله يقول لك: طلبت الهداية؟ هذا هو الكتاب الذي
سيقودك إليها، ولكن بشرط واحد: أن تكون من المتقين المستعدين للعمل.
المحطة الثانية: مواقف
البشر أمام المنهج
القرآن كتاب واقعي وصريح؛ لذلك قسم الناس أمام هذه
الهداية إلى ثلاثة أصناف لتسأل نفسك: أين أنا منهم؟
الصنف الأول (المؤمنون): وذكرهم الله في أربع آيات،
وصفتهم الأساسية الإيمان بالغيب والامتثال العملي.
الصنف الثاني (الكافرون): وذكرهم في آيتين اثنتين؛ لأن
أمرهم واضح ورفضهم صريح.
الصنف الثالث (المنافقون): وهنا تكمن الصدمة التدبرية؛
فقد أطال القرآن في وصفهم في ثلاث عشرة آية! لماذا؟ لأن هذا الصنف يعيش حالة من
الازدواجية المدمرة؛ يتظاهر بالإيمان ويبطن عكسه، وخطره على المجتمع أشد من خطر
العدو الخارجي.
المحطة الثالثة: أمانة
الاستخلاف.. وتباين السقوط
ينتقل بنا السياق إلى الهدف من وجودنا: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. نحن هنا لعمارة الأرض
بمنهج الله. ثم يعرض لنا القرآن قصة البداية ليضع أمامنا مقارنة مذهلة بين معصية
آدم ومعصية إبليس.
آدم عليه السلام أخطأ عن ضعف وشهوة، فتداركه الله برحمته
لأنه اعترف وتاب: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه﴾.
أما إبليس فقد عصى وبرر عن عناد وكبر فطرد من الرحمة.
المنهج هنا ليس ادعاء العصمة، بل سرعة التوبة والاعتراف بالذنب. كلما أذنبت ثم عدت
منكسرا، فأنت على ملة أبيك آدم، وكلما كابرت وبررت خطأك، فقد شابهت إبليس.
المحطة الرابعة: النموذج
الفاشل في حمل الأمانة
يأخذ قسم بني إسرائيل مساحة شاسعة من الجزء الأول.
والسبب ليس سرد التاريخ، بل هو تحذير استباقي لأمة الإسلام التي ستحمل الراية
بعدهم. وأبرز مثال هو قصة البقرة. أمرهم الله بأمر واضح وبسيط: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾. كان يكفيهم أن
يذبحوا أي بقرة، لكنهم بدأوا في الجدال والتعنت: ما هي؟ ما لونها؟ إن البقر تشابه
علينا! هذا المرض القلبي يحذرنا الله منه؛ التلكؤ في تنفيذ النصوص الشرعية، والبحث
عن الثغرات لتبرير التقصير، بدلا من الاستجابة الصادقة.
المحطة الخامسة: النموذج
الناجح واستحقاق الإمامة
بعد عرض النموذج الفاشل، يختم الجزء الأول بالنموذج
الأمثل للقيادة والاستخلاف؛ خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام. ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس
إماما﴾.
كيف نال إبراهيم هذه الإمامة العالمية؟ نالها بالتسليم
المطلق، حتى في ذبح ابنه وفلذة كبده! القاعدة هنا صارمة: ﴿إذ
قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين﴾.
القيادة في ديننا لا تنال بالأماني، بل بالتسليم الكامل
لأمر الله تعالى.
الخلاصة:
الجزء الأول يضعك أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تحمل
أمانة الاستخلاف بمنهج التسليم والتوبة كإبراهيم وآدم، أو أن تضيعها بمنهج الجدال
والالتفاف كبني إسرائيل. الخيار لك، وخريطة الهداية بين يديك.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد والحمد لله رب
العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
* د. أحمد محمد عيد؛ عضو الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين، إمام وخطيب المركز الإسلامي بمدينة توليدو - البرازيل.