البحث

التفاصيل

بين المساواة والعدل في الإسلام

الرابط المختصر :

بين المساواة والعدل في الإسلام

"رؤية نقدية تأصيلية معاصرة"

بقلم: د. كوني بمان

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تمهيد:

يُعَدُّ مفهومَا المساواة والعدل من أكثر المفاهيم تداولاً في الخطاب الفكري والحقوقي المعاصر، غير أنّ الخلط بينهما أوقع كثيرًا من الباحثين والناشطين في إشكالاتٍ نظرية وتطبيقية، خصوصًا عند مقاربة النصوص الشرعية أو محاولة تنزيلها على الواقع الحديث. فهل المساواة هي العدل؟ وهل كلُّ تفريقٍ بين الناس يُعَدُّ ظلمًا؟ وكيف يقدّم الإسلام رؤيته المتميزة في هذا الباب؟

هذه المقالة تحاول تقديم رؤية تأصيلية نقدية، تُبَيِّن الفروق الدقيقة بين المفهومين في ضوء القرآن والسنة، وتناقش بعض التطبيقات المعاصرة.

أولاً: المفهوم اللغوي والاصطلاحي

1. المساواة:

المساواة في أصلها اللغوي تعني: التماثل والتكافؤ بين شيئين أو أكثر من غير زيادة ولا نقصان. وفي الاصطلاح الحديث تُفهم غالبًا بمعنى: إعطاء الجميع الحقوق نفسها دون تمييز.

2. العدل:

العدل لغةً: وضع الشيء في موضعه، وإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه. وشرعًا: التزام الحقِّ في الأقوال والأفعال والأحكام، دون إفراط أو تفريط.

ومن هنا يظهر أن العدل أوسع من المساواة؛ لأن العدل قد يقتضي المساواة أحيانًا، وقد يقتضي التفريق أحيانًا أخرى، بحسب اختلاف الأحوال والاستحقاقات.

ثانياً: التأصيل القرآني للمفهومين

يؤكد القرآن الكريم على مبدأ العدل تأكيدًا مطلقًا، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90). وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: 58)،،

أما المساواة، فقد قررها الإسلام في أصل الكرامة الإنسانية: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 70). كما قرر المساواة في أصل الخلقة والإنسانية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ (الحجرات: 13).

لكن القرآن في الوقت نفسه يقرر وجود تفاوت طبيعي وتشريعي بين الناس: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9) ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ...﴾ (النساء: 95).

فالإسلام لا يجعل المساواة المطلقة قيمةً مطلقة، وإنما يجعل العدل هو القيمة العليا الحاكمة.

ثالثاً: الفارق الجوهري بين المساواة والعدل

يمكن تلخيص الفرق في النقاط الآتية:

1. المساواة حسابٌ عدديٌّ، والعدل ميزانٌ قيميٌّ.

فالمساواة تعني إعطاء الجميع الشيء نفسه، أما العدل فيعني إعطاء كلِّ واحدٍ ما يستحقه.

2. العدل قد يقتضي التفاوت.

فمساواة الطالب المجتهد بالمهمل في الدرجات ظلمٌ للطرفين، لأن العدل يقتضي التمييز بناءً على الجهد.

3. العدل مرتبط بالمقاصد.

الشريعة تهدف إلى حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وأحكامها تُفهم في ضوء هذه المقاصد، لا في ضوء مساواة شكلية مجردة.

رابعاً: رؤية نقدية للخطاب المعاصر

في السياق العالمي المعاصر، أصبح مفهوم "المساواة" شعارًا مركزيًا في الخطاب الحقوقي، وأحيانًا يُستعمل كمعيار للحكم على الأديان والتشريعات. غير أن هذا الخطاب يواجه إشكالات، منها:

1. إطلاق المساواة دون ضبط فلسفي.

فهل المساواة تعني المساواة في النتائج أم في الفرص؟ وهل تراعي الفروق الطبيعية والوظيفية؟

2. تحويل المساواة إلى أيديولوجيا.

حين تُفهم المساواة بوصفها تطابقًا تامًا في الأدوار والوظائف، فإنها تصطدم بالفطرة الإنسانية التي تقوم على التنوع والتكامل.

3. إغفال مفهوم العدالة التصحيحية.

فبعض المجتمعات تحتاج إلى إجراءات خاصة لتحقيق العدل، ولو بدا ذلك تمييزًا ظاهريًا.

ومن هنا فإن الرؤية الإسلامية لا ترفض المساواة، بل تؤسسها على قاعدة العدل؛ فالمساواة في الكرامة والحقوق الأساسية أصلٌ ثابت، أما التفريق في الأحكام فمرتبط بالحِكَم والمقاصد.

خامساً: تطبيقات معاصرة

1. في المجال الأسري

الفروق بين الرجل والمرأة في بعض الأحكام لا تُفهم باعتبارها تمييزًا، بل باعتبارها توزيعًا وظيفيًا وتكليفًا متكاملًا. فالعدل هنا لا يعني التطابق، بل التكامل وتحقيق الاستقرار الأسري.

2. في المجال التعليمي

تحقيق العدل قد يقتضي دعم الفئات الضعيفة ببرامج إضافية، وهو تمييز إيجابي مشروع لتحقيق تكافؤ حقيقي في الفرص.

3. في المجال القضائي

العدل يقتضي المساواة أمام القانون، لكن مع مراعاة الملابسات والظروف الخاصة بكل قضية.

خاتمة:

إن الإسلام يجعل العدل قيمةً عليا، والمساواة مبدأً فرعيًا تابعًا له. فليس كلُّ مساواة عدلًا، وليس كلُّ تفريق ظلمًا. والخلط بين المفهومين يؤدي إلى قراءةٍ مبتورة للنصوص الشرعية، أو إلى تبنِّي تصوراتٍ وافدة دون تمحيص.

وفي عالمٍ تتسارع فيه التحولات الفكرية، تظل الحاجة ملحّة إلى قراءةٍ تأصيلية معاصرة تُعيد ترتيب المفاهيم، وتؤكد أن العدالة في الإسلام ليست عدالةً شكلية، بل هي عدالةٌ مقاصدية، تُراعي الفطرة، وتحفظ التوازن، وتحقق كرامة الإنسان في إطار من المسؤولية والتكليف.

والله أعلم.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

* د. كوني بمان: عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. أستاذ ورئيس إدارة التعليم، جامعة أفريقيا الإسلامية، أبيدجان/ ساحل العاج.


: الأوسمة


المرفقات

التالي
أزمة البحث عن السّعادة

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع