الانطلاق الحضاري بعد الطوفان.. الأسس الإيمانية والمرتكزات
الإنسانية
بقلم: د. علي محمد الصلابي
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
يمثل
مشهد خروج نبي الله نوح عليه السلام ومن معه من المؤمنين بعد الطوفان لحظة فارقة في
تاريخ البشرية، إذ يؤذن ببدء مرحلة جديدة من مسيرة الإنسان على الأرض.
وقد
تجلى هذا المشهد في قوله تعالى: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ
اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ۚ
وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ٤٨﴾
[هود: 48].
ففي
قوله تعالى: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا
وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ﴾ تتجلى معاني الطمأنينة الإلهية وبشائر الخير التي صاحبت
انطلاق الحضارة الإنسانية الثانية بعد انهيار مجتمع الكفر والطغيان.
لقد
قامت هذه الحضارة على أسس راسخة من التوحيد والإيمان والالتزام بشرع الله، فكان السلام
والبركة ثمرة طبيعية لذلك الإيمان. ومن خلال هذه الآيات تتضح معالم مرحلة تاريخية جديدة
بدأت بعد الطوفان، حمل فيها نوح والمؤمنون رسالة الاستخلاف في الأرض وبناء مجتمع إنساني
قائم على القيم الإلهية.
﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا﴾:
- "قيل يا نوح" بُني الفعل للمجهول
دون حرف عطف؛ لينتقل السياق إلى ختام القصة، وفاعل القول هو: الله، وقد أوحى الله
لنوح عليه السلام (الميداني، 1990، ص 134).
- "يا نوح اهبط" وكأن السفينة طائرة،
فاستخدم كلمة "اهبط" فهي لارتفاع الموج كانت كأنها معلقة فقيل:
"اهبط"، وإما السفينة عالية فقيل: "اهبط"، والتعبير بالهبوط
يصور لنا أن الخروج من السفينة من أعلاها، وأن الوصول إلى اليابسة قد كان على
سلالم أو ألواح خشبية مائلة يهبط الهابط عن طريقها إلى الأرض، ولو كان سطح السفينة
في مكان استوائها مساوياً لطرف من أرض الجبل لكان التعبير المناسب أن يقال: اخرج
(الميداني، 1990، ص 134) (نوفل، 2019، ص 187).
- "بسلام منا وبركات عليك": أيّ: اهبط
أنت ومن معك وما معك، مصحوباً بسلام منّا عليك، وبركات منّا عليك.
- "بسلام منّا": أي: بأمنٍ منّا، وهذا
يشمل كل ما يطلب فيه الأمن، كالأمن من المهلكات، ومن كل ذي شرٍّ، وكالأمن من الموت
جوعاً أو عطشاً ونحو ذلك (الميداني، 1990، ص 134).
"بسلام منّا" تشمل في ثناياها معاني
متعددة، كالسكينة والأمن والاستقرار والهدوء، وهذه الحضارة الإنسانية الثانية من
أُسسها العظيمة السلام "بسلام منا".
"بسلام منّا" على دينك وتوحيدك.
"بسلام منّا" على أتباعك.
"بسلام منّا" على مقومات الحياة الإنسانية الجديدة التي
ستقودها.
"بسلام منّا" على الحياة الاقتصادية والاجتماعية
والسياسية، والعلاقة بين الإنسان لما بعد الطوفان العظيم، والكون والبيئة، وهذا
لمن آثار اسم الله عز وجل السلام، فمن أسماء الله الحسنى السلام.
لقد اعتمد نوح (عليه السلام) وأتباعه على
مرتكزات عظيمة أسهمت في تحقيق السلام من الله تعالى له والمؤمنين به، ومن ثم
انطلاق الحضارة الإنسانية الثانية، ومن هذه المرتكزات:
-
التوحيد وعدم الشرك بالله
-
إيمان أتباعه به كرسول ونبي
-
والالتزام بحدود الله وشرعه في إحقاقا الحق
وإزهاق الباطل وغير ذلك من الأمور (عقيل، 2010، ص 84-85).
﴿وَبَرَكَاتٍ
عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم
مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:
-
"وبركات": البركة:
الزيادة في كل خير عن قدر الحاجة والضرورة، فتشمل البركات الزيادة في خيرات الأرض
من الزروع والثمار، والزيادة في خيرات مطاعم صيد البرِّ والبحر وغير ذلك من كل ما
يستمتع به الناس في الحياة الدنيا، حتى الصحة النفسية وطمأنينة القلب وسعادته
(الميداني، 1990، ص135).
وباب "البركة" وباب
"الطمأنينة" هما بابان يفتحهما الله على المؤمنين فحسب، قال تعالى: ﴿وَلَوْ
أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ
مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا
يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: 96]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ
اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:
28]، ولفظ البركة لا
ينحصر في معناه الرخاء المادي، إنه أوسع، بل نكاد نقول إنه ليس الرخاء المادي أساساً - وإن شمله - إنما هو شيء ما في حياة
الناس يجعلها مباركة طيبة وضيئة رفيفة غالية نظيفة تستروحها النفس. وهناك معانٍ
للألفاظ يصعب تحديدها، ولكن من ذاقها عرفها.
فالثقة المتبادلة بين الناس نوع من البركة
والحبّ المتبادل نوع من البركة والتعاون على البر والتقوى نوع من البركة وغيرة كل
إنسان على عرض أخيه نوع من البركة والحفاظ على القيم العليا في المجتمع نوع من
البركة والحرص على صلات الرحم نوع من البركة وكفالة القادرين لغير القادرين نوع من
البركة وطلب العلم لنفع الناس به نوع من البركة.
وهناك مئات ومئات من المشاعر والأعمال تجمعها
هذه اللفظة المفردة، التي يضيفها الله عليها من رحمته فيجعلها "بركات".
وأما الطمأنينة فاسأل عنها الخائفين القلقين
الحائرين المضطربين المتوجسين المرهقي الأعصاب من القلق والخوف والتوجس، إنهم
يعرفون جيداً ما يبحثون عنه، إنهم يبحثون عن الطمأنينة، والله يبيّن لهم الباب
الذي يؤدي إليها قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ
تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:
28].
ولعلَّنا لا نحتاج أن نقول: إنَّ الجاهلية
المعاصرة برغم كل أدوات التمكين المتاحة لها من القوة الحربية والقوة السياسية
والقوة المادية والقوة الاقتصادية والقوة العلمية تفتقد الطمأنينة، وتفقد السعادة
التي ينشدها الإنسان في حياته، والخمر والمخدرات والجريمة وحدها دليل على فقدان
السعادة والطمأنينة فضلاً عن القلق والانتحار والجنون والأمراض النسية والعصبية،
فالخمر ومثلها المخدرات محاولة للهروب من الواقع، فلماذا يسعى الناس للهروب من
واقعهم لو كانوا سعداء به!؟
والجريمة لون من الشعور المرضي نحو المجتمع،
يعبر عن عدم الرضا في هذا المجتمع، فلماذا تنتشر الجريمة وتزداد نسبتها؟
وأما المرح المجنون الذي تغرق فيه الجاهلية
المعاصرة في لحظات "الانفلات" في المراقص والملاهي والحانات وعُلب
الليل، فليس دليلاً على السعادة، بل هو أحرى أن يكون دليلاً على فقدانها ومحاولة
التعويض المفتعل على الخواء النفسي الناشئ من فقدانها، وهذه هي الصورة الكالحة
للجاهلية التي تعجز عن إخفائها المصانع الضخمة والإنتاج المادي الكبير والصواريخ
الذاهبة إلى القمر والمريخ (قطب، 1991، ص 62).
وما يحدث الآن من تمكين الحضارة المعاصرة في
صورتها الجاهلية هو من باب الاستدراج الذي يعطيه الله للكافرين حين
"يريدون" الدنيا، ويبذلون الجهد المكافئ لتلك الإرادة، فيوفيهم جزاءهم
في الحياة الدنيا، ويفتح عليهم أبواب كل شيء مما يتعلق بباب التمكين.
وتمكين الاستدراج تمكين مؤقت مهما طالت مدته،
وينتهي دائماً بالدمار، بينما تمكين الرضا ممتد حتى يغير الناس ما بأنفسهم،
ويحيدوا عن الطريق فيزيل عنهم التمكين، فإن لم يغيروا ما بأنفسهم امتد لهم التمكين
(قطب، 1991، ص 61).
فالحضارة الإنسانية الثانية التي أسسها نوح
(عليه السلام) قامت على أساس من السلام والبركات الربانية، وفي قوله تعالى: ﴿وَعَلَىٰ
أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ﴾ أيّ على أمم تتفرع وتتوزع في الأرض، وهم
سلالات ممن معك من ذريتك؛ لأن الله جعل ذريته هم الباقين من قومه بعد الطوفان
(الميداني، 1990، ص 136)، وهذا السلام والبركات عليك يا نوح وعلى أمم ممن معك،
أولهم بطبيعة الحال من آمن معه ثم باقي المخلوقات المرافقة (نوفل، 2019، ص 187).
- وفي قوله تعالى: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أيّ: وأمم أخرى هم أيضاً سلالات ممن معك لا
يشملهم فضل السلام والبركات، ولكن "سنمتعهم قليلاً"، أيّ: متاعاً
دنيوياً معجلاً على قدر أزمنة ابتلائهم في الحياة الدنيا، وهم مهما أصابوا منها
فهو قليل بالنسبة إلى الآخرة، وقد دلَّت نصوص قرآنية متعددة على أن متاع الدنيا
متاع قليل، كما دلَّت على أن الحياة الدنيا متاع الغرور، وبعد هذا المتاع القليل
تأتيهم مناياهم ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم مذيق للألم.
وإشارة النص هنا، ودلالات نصوص أخرى تدلُّ على
أن هذا العذاب الأليم يكون لهم؛ بسبب كفرهم، وفسقهم وظلمهم وما كانوا يعملون في
الحياة الدنيا من سيئات (الميداني، 1990، ص 136).
إنَّ هذه الآيات التي تحدثت عن السلام والبركات
على نوح (عليه السلام)، والذين معه تُؤرخ لـــ:
- حلقة من تاريخ
البشرية، وهي اللبنة الثانية بعد قصة آدم (عليه السلام) في معمار تاريخ الإنسانية،
وهي حلقات تتكرر ولا أحد يتذكر إلا من رحم ربي.
- هؤلاء أي قوم نوح
أول المهلكين بعذاب الاستئصال، ثم كرّت السلسلة بعد ذلك ﴿وَكَمْ
أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾.
- الأمن والسلام
والبركات ثمرة الإيمان، وهي ملازمة له ملاصقة ملابسة مقترنة لا تنفك، وخارج دائرته
لا يوجد كل هذا (نوفل، 2019، ص 191).
ولقد نزل نوح (عليه السلام) بسلام من الله
وبركات، وباشر مهمته الإيمانية في خلافة الأرض، ومعه مقومات الحضارة الجديدة التي
حملها معه في الفلك من كل زوجين اثنين وفيها المؤمنون كلهم (الشعراوي، 1992، 1/56)،
ولقد كان التدخل الإلهي لكي يصحح مسار قوم نوح من خلال الطوفان والغرق للجاحدين،
والسفينة والنجاة للمعتصمين بالله؛ لكي ينطلقوا لتأسيس جديد للحضارة الإنسانية
والرقي بها إلى رؤية أشمل لتحقيق العبودية لله ومفهوم الخلافة في الأرض، وبالتالي
تكون دعوة نوح قد انتقلت من المكان الطبيعي إلى المكان التاريخي مستكملة رسالة آدم
(عليه السلام) التي انتقلت من الزمان الطبيعي إلى الزمان التاريخي وأسست المؤسسة
الأسرية، وهذه هي رسالة نوح تؤسس المؤسسة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية
والتشريعية في إطار الرسالة الإلهية عبر التاريخ الإنساني (حللي، 2015، ص 69).
المصادر والمراجع:
1.
الميداني،
عبدالرحمن حسن حبنكة، (1990). نوح وقومه في القرآن المجيد، دار القلم، دمشق،
الطبعة الأولى، 1410ه- 1990م.
2.
نوفل،
أحمد، (2019). تفسير سورة هود دراسة تحليليّة – موضوعيّة، الدكتور: أحمد نوفل،
جمعيّة المحافظة على القرآن الكريم، المملكة الأردنيّة الهاشميّة، الطبعة الأولى،
2019م.
3.
قطب،
محمد، (1991). رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر، دار الوطن، الرياض، السعودية،
الطبعة الأولى، 1411ه- 1991م.
4.
حللي،
عبدالرحمن، (2015). رسالات الأنبياء؛ دين واحد وشرائع عدة: دراسة قرآنية، بيروت،
مركز نماء للدراسات والبحوث، ط1 2015.
5. الشعراوي، محمد متولي، (1992)، تفسير الشعراوي،
مكتبة الأسرة، 1992م.
6. عقيل، عقيل حسين، (2010)، مختصر موسوعة أسماء الله
الحسنى، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، ط1 2010م.
7. الصلابي، علي محمد، نبي الله هود عليه السلام وأسباب
زوال حضارة قوم عاد.