فتح مكة بين
مقاصدية الأمن والاستقرار وخلق التسامح والعفو
بقلم: د. عبد الحق
ميحي
عضو الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين
الحمد لله رب العالمين والصلاة
والسلام على رسول الله المصطفى الكريم ورضي الله تعالى عن صحابة رسول الله الغر
الميامين والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد..
فتح المكة يوم من أيام الله التي
وجب أن نقف عندها بالدراسة لأخذ الدروس والعبر لأن الأمة الإسلامية مدعوة اليوم
أكثر من أي وقت مضى أن تقف عند أحداث السيرة العظيمة مستلهمة العبر والعظات
والدروس وسنن التمكين والتغيير، لقد سبق فتح مكة بحدث عظيم وهو صلح الحديبية الذي
كان في السنة السادسة للهجرة النبوية.
ولقد كان الصلح في ظاهره استسلاما
وخضوعا لشروط وإملاءات قريش حتى تعالت بعض أصوات الصحابة الكرام برفض هذا الصلح
فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أأرضى وتأبى يا عمر، فوالله لن يضيعني الله
تعالى.
وفي الطريق نزل قول الحق تبارك
وتعالى: ﴿إِنَّا
فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [سورة الفتح: 1]، فقال
سيدنا عمر لسيدنا أبي بكر أفتح هو؟ قال سيدنا أبو بكر نعم يا عمر.
لقد تمسك رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- وجميع أصحابه ببنود الصلح على مضض من بعض بنوده وهو ما مكّن المسلمين
من توسيع دائرة الدعوة ومخاطبة الملوك والزعماء وشيوخ القبائل المنتشرة في ربوع
شبه الجزيرة العربية، أمن على أبشارهم وأرواحهم وأموالهم فكانت الاستجابة الواسعة
للدعوة الإسلامية، وهذا بداية الفتح فما جاءت السنة الثامنة حتى كسبت الدعوة
الإسلامية من الأنصار والأتباع ما لم تكسبه على مدار تاريخ الدعوة الإسلامية قبل
ذلك.
خلق التسامح والعفو:
دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة بجيش عرمرم دخل من جميع أقطارها وشعبها، وقريش
ترقب الموقف بخوف وهلع شديد وهي التي تعلم ما قد كان منها محاربة وتفنن في الإيذاء
لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من التعذيب إلى القتل إلى التشريد ومصادرة
المال وغير ذلك، سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- خالدا يقول اليوم يوم ملحمة فقال
رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: بل اليوم يوم مرحمة واستنكر عليه لما سمع صليل
سيف خالد وقال بعض المعترضين طريقه فقال صلى الله عليه وسلم (إن في سيف خالد لرهقا).
وأعلن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن جملة من الإجراءات فقال من دخل بيته فهو
آمن، ومن دخل بيت ابي سفيان فهو آمن، فكل أوصد بابه ولزم بيته وفي إجراء صارم
تساءل النبي -صلى الله عليه وسلم- ما تظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا أخ كريم ابن أخي
كريم فقال -صلى الله عليه- (اذهبوا فأنتم الطلقاء)،
هذه الإجراءات حري بفقهاء القانون
الدولي الإنساني أن يدرجوها ضمن إجراءات العدالة الانتقالية والتصالح قيمة التسامح
والعفو عند المقدرة وهذه أخلاق النبوة، لا أخلاق الملك التي قالت فيها بلقيس: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا
وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾
[النمل: 34].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.