العبقرية
الاستراتيجية النبوية
(سلسلة فوائد رمضانية)
بقلم: د. فهمي
إسلام جيوانتو
رئيس قسم
الاستشراف بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
إن سيرة الرسول -صلى الله عليه
وسلم- مليئة بالفوائد العجيبة التي لا تنقضي مع كثرة المطالعة فيها، كلما دققت
النظر فيها وجدت توفيقا ورُقِيا وعبقرية.
في هذه العجالة نشير إشارة خاطفة إلى
عبقرية الرسول -صلى الله عليه وسلم- في استراتيجيته الدعوية، لنعرف مدى ذكاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- في قيادة تلك الحركة الدعوية الإصلاحية التي تواجه تحديات
جسيمة ومخاطر عظيمة.
إن الله تعالى أمر نبيه عليه
الصلاة والسلام باقتداء الأنبياء والرسل قبله، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾
[الأنعام: 90] ومن فقهه العالي وذكائه الشديد فإنه عليه الصلاة والسلام لم يقتد
بتلك النماذج التاريخية -رغم عظمتها- على طريقة "النسخ واللصق"، لم يكن
تطبيق النبي -صلى الله عليه وسلم- لتلك القدوات على نمط "الصورة طبق
الأصل" ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- قدم "نسخة مطورة" لتلك
التجارب.
لنأخذ مثالا من اقتداء النبي -صلى الله عليه وسلم- بالنبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام، الذي قال الله فيه: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ
إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 123] وقال
فيه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ
وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء:
125].
لقد حكى القرآن كيف حطم النبي إبراهيم الأصنام بيده وتحدى قومه بشجاعة
منقطعة النظير. ولكن كيف اقتدى به نبينا عليه الصلاة والسلام؟ هل قام بنفس الخطوات
أم طبقه بصورة أكثر نجاحا وأوسع تأثيرا؟
لم يباشر النبي -صلى الله عليه
وسلم- تحطيم الأصنام بيده في أول دعوته، بل دعا قومه بالحجة والبرهان ثلاث عشرة سنة
في مكة، وربى شباب مكة على الإيمان والثبات، ثم هاجر بأصحابه إلى المدينة ثم بنى
مجتمعا متماسكا ثم قاد الحروب الناجحة ثم راسل الملوك والأمراء إلى أن تمكن من فتح
مكة، فتساقطت الأصنام بأيدي عبادها السابقين، وأزال عبادة الأصنام عن جزيرة العرب
قاطبة في أقل من عشرين سنة. عبقرية استراتيجية عجيبة، وفيها تفاصيل أكثر عجبا، لم
يسع المجال لبسطها.
وعبقرية أخرى تتجلى في التعامل
مع القوى الكبرى المتصارعة في زمنه، في وقت يكون هو وأتباعه أضعف من أن يكون طرفا
فيها. لقد نزل الوحي في هذا الشأن: ﴿الم (١) غُلِبَتِ
الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ
(٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ
يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ
الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: 1-5].
لم يندفع النبي صلى الله عليه
وسلم للدخول في هذا الصراع، مع أن الله أخبره لمن ستكون الغلبة؟ ولكنه اختار أن
يكون له طريقه الخاصة. صحيح أن المؤمنين مالوا إلى الروم لأنهم أهل كتاب، وأن كفار
قريش فرحوا بانتصار الفرس على الروم، ولكن ذلك لم يجرّ النبي -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين للانضمام في أحد طرفي الصراع. لأن ذلك سيؤثر في نزاهة الدعوة ويحجم
استقلاليتهم. بل اختار النبي صلى الله عليه وسلم طريقا خاصة بهم، أصعب في البداية،
ولكنها أسلم في النهاية.
فكانت نتيجة هذا الذكاء والصبر
الاستراتيجي، أن رزقهم نصرا نظيفا لا يتلوث بمساومة مصلحية تأخذ من نزاهة دعوته
عليه الصلاة والسلام. ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ
الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: 4-5] فكان ذلك الفرح بانتصار
خالص للمؤمنين في بدر أو الحديبية على تعدد أقوال المفسرين في ذلك. وقد سجل
التاريخ أن انتصار دعوة الإسلام لم تشبه شائبة التنازل عن المبادئ ولا شائبة
التعلق بغير الله.
فهذه من الحكمة التي أوتيها
النبي صلى الله عليه وسلم وعلمها أصحابه رضي الله عنه، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ
الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: 129، آل عمران: 164، الجمعة: 2].
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة
نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وعبادك المؤمنين، اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي
الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها،
ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.