الحرية شعار بين
الزيف والحقيقة
بقلم: فضيلة الشيخ
د. عبدالعزيز بن عبدالله آل ثاني
عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالدين
الحق، والصلاة والسلام على نبينا محمد أكرم الخلق، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم
بإحسان إلى يوم لقاء الحق.
وبعد:
فإننا ما زلنا نسمع مغالطات في
استعمال لفظ الحرية داخل المجتمعات الإسلامية، ونظراً لقلة الوعي نرى شذوذاً
سلوكياً لدى كثيرين تحت شعار الحرية، وعند محاورتهم يستدلون بقول الفاروق رضي الله
عنه: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً»، وبجملة من النصوص المجتزأة
عن سياقها ومرجعيتها.
إذا تأملنا في تاريخ مصطلح الحرية
نجده بدأ استعماله بهذه الطريقة قبيل الثورة الفرنسية، ثم صار أحد شعارات الصهاينة
والماسونيين في الثورة، ففتنت الجماهير بهذا الشعار، ولم تكن محصورة المفهوم
والدلالة، فشملت كل سلوك فردي وجماعي، مما أدى إلى تحطم الفضائل والأخلاق والقيم
الدينية، والنظم الاجتماعية، وغابت جملة من المبادئ باسم الحرية، وفهم كل صنف
الحرية بما يناسبه.
فالفساق والمجرمون والمحتالون
لديهم الحق في ممارسة ما هم فيهم بزعمهم باسم الحرية، والمرأة تركت العفة والحشمة
والقيام بالواجبات الاجتماعية باسم الحرية، والمراهقون فهموا الحرية بأنها رعونة
وانحلال، وتمرد على المعلمين والأسرة، وهلم جراً، فترسخ مفهوم خطير في أفكار
الناس، خلاصته: أن كل ضابط عدو للحرية، سواء كان ضابطاً منطلقه الدين، أو القانون،
أو العرف، أو غير ذلك، وبهذا ظهرت تصرفات تمجها الطباع والعقول السليمة، وتأباها
الشرائع والأعراف.
وليست أمتنا بمنأى عن عصرها وما
حولها، ونظراً لوجود المنافقين فيها تسربت إليها هذه المفاهيم الهدامة، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ
الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ
غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]، وأصبحت جملة من تلكم الشعارات تتردد داخلها،
فتلقفها الناس منخدعين غافلين عن مرجعيتهم الشرعية، وضوابطهم الإسلامية، فنتج عن
ذلك ما تعانيه الأمة في عدة مجالات باسم الحرية، مع أن الإسلام ضبط الحرية بسور،
بعد أن جعلها حقاً شرعياً ربانياً.
ويقول الشيخ عبدالرحمن حسن حبنكة
الميداني رحمه الله: «إن الحرية المقبولة المعقولة في واقع الناس ذاتُ مجالٍ
محدود، وهذا المجال المحدود لا يجوز تجاوزه ولا تعديه، لا في منطق العقل، ولا في
منطق مصلحة الإنسان في ذاته، ولا في منطق مصلحة المجتمع البشري، فإذا تجاوزت
حدودها كانت وحشاً مفترساً».
الحرية في الإسلام حرية شاملة لها
ضوابط وحدود تنتهي إليها، وهي في الشريعة على قسمين:
* حرية تتبعها المسؤولية والجزاء:
كحرية الاعتقاد، وحرية العبادة، فللإنسان الحرية في اختيار معتقده، وفي العبادة
على وفق اعتقاده، ويدل على المساءلة والجزاء قوله تعالى: ﴿وَقُلِ
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ
إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا...﴾ [الكهف: 29] وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ
الْخَاسِرِينَ...﴾ [الزمر: 15-16].
* حرية لا تلاحقها مسؤولية وجزاء
إلا باعتبارات، ومنها: حرية اختيار الإنسان ما يشتهيه في
دائرة المباحات، فهذا سلوك شخصي لا حق لأحد بمصادرتها، وكذا حرية التعبير، والحقوق
المشروعة الواضحة، كالعمل، والتعلم، والمطالبة بالحقوق.
هذا والقاعدة الحاكمة في الحرية
مطلقاً: لا حرية للمسلم في مخالفة الإسلام بأي نوع من المخالفة أو تركه بعد
اختياره ديناً له واعتقاده والالتزام به جملة وتفصيلاً، وتنتهي الحرية عند انتهاك
حقوق الآخرين، ولا حرية لمن يعيش في دولة مرجعية حكمها الإسلام في مخالفة نظامها،
مسلماً كان أو غير مسلم لأن من يعيش في دولة يلتزم نظامها أو يهجرها، ولا حرية في
كل سلوك يضر المجتمع بأي نوع من الضرر، ﴿فَمَاذَا
بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.