بسم الله الرحمن الرحيم،
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا
محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه.
عيد الفطر رمز للاستقلال
الحقيقي:
(قراءة مقاصدية في تحرير
الإنسان من الاستعمار الداخلي)
بقلم: بن سالم باهشام
عضو الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين
مقدمة
يُعدّ مفهوم الاستقلال، من
المفاهيم المركزية في الوعي الإنساني المعاصر، حيث ارتبط تاريخيًا بتحرر الشعوب من
الهيمنة الخارجية، والاستعمار العسكري والسياسي. غير أنّ هذا التصور، على أهميته،
يظلّ قاصرًا إذا لم يمتدّ ليشمل بُعدًا أعمق وأخطر، وهو تحرر الإنسان من الاستعمار
الداخلي الذي يستهدف وعيه وإرادته وقيمه. وفي هذا السياق، تبرز فريضة الصيام في الإسلام، لا بوصفها عبادة
شعائرية فحسب، بل باعتبارها مشروعًا تربويًا لتحرير الإنسان، يُتوَّج بعيد الفطر
الذي يمكن النظر إليه – في ضوء المقاصد الشرعية – على أنّه عيد الاستقلال الحقيقي.
المبحث الأول:
مفهوم الاستعمار بين الخارجي والداخلي
المطلب الأول:
الاستعمار الخارجي وحدوده
الاستعمار الخارجي هو سيطرة قوة
أجنبية على أرضٍ وشعبٍ، ونهب خيراتهم، وفرض أنماطها السياسية والثقافية. وقد شهد
العالم الإسلامي مراحل طويلة من هذا النوع من الاستعمار، وانتهت – في أغلبها – إلى
تحرر سياسي شكلي أو جزئي.
غير أنّ هذا التحرر، لم يؤدِّ
بالضرورة إلى نهضة شاملة، مما يطرح إشكالًا عميقًا حول طبيعة الاستقلال المنشود.
المطلب الثاني:
الاستعمار الداخلي وخطورته
الاستعمار الداخلي هو أخطر أنواع
الاستعمار، إذ يتمثل في:
1 - خضوع
الإنسان لشهواته
2 -
استسلامه لعاداته
3 - ارتهانه
لأنماط تفكير مفروضة
4 - انقياده
لغير الله تعالى، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة الجاثية: ﴿أَفَرَأَيْتَ
مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى
سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ
بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: 23]
فهذا النوع من الاستعباد، يجعل
الإنسان فاقدًا لحريته الحقيقية، حتى وإن كان يعيش في دولة مستقلة.
المبحث الثاني:
الصيام مشروع تحرير الإنسان في الإسلام
المطلب الأول: مقصد
التقوى في الصيام
يُصرّح القرآن الكريم بالمقصد
المركزي للصيام في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾
[البقرة: 183، 184]، والتقوى – في بعدها المقاصدي – ليست مجرد شعور وجداني، بل هي:
1 - قدرة
على ضبط النفس
2 - وتحكم
في الشهوات
3 - واستحضار
دائم لرقابة الله
وبذلك تكون التقوى أداة تحرير
داخلي، تُخرج الإنسان من عبودية الهوى إلى عبودية الله.
المطلب الثاني:
الصيام وتفكيك سلطان الشهوة
يمارس الصائم خلال رمضان عملية
تفكيك تدريجي لسلطان الجسد:
1 - يمتنع
عن المباحات: (شهوتا البطن: الطعام، الشراب، والفرج)
2 - يضبط
رغباته
3 - يراقب
سلوكه
وهذا الامتناع الإرادي، يربي في
الإنسان قوة الإرادة، ويعيد ترتيب العلاقة بين العقل والشهوة، بحيث يصبح الإنسان
قائدًا لنفسه لا منقادًا لها.
المطلب الثالث:
الصيام بصفته جهادا نفسيا
يُصنّف الصيام ضمن جهاد النفس،
وهو أصل كل جهاد؛ إذ لا يمكن للإنسان أن يواجه الخارج قبل أن ينتصر على داخله. وفي هذا المعنى، يصبح
رمضان:
1 - مدرسة
للتزكية
2 - مجالًا
لإعادة بناء الإنسان
3 - ميدانًا
لتحرير الإرادة
المبحث الثالث: عيد
الفطر بوصفه عيد الاستقلال الحقيقي
المطلب الأول:
العيد تتويج لمسار التحرر
يأتي عيد الفطر بعد شهر من
المجاهدة، ليكون:
1 - إعلانًا
عن نجاح نسبي في معركة النفس
2 - احتفاءً
بتحقيق قدر من التقوى
3 - تجسيدًا
لثمرة الصيام
ومن هنا، فإن فرحة العيد ليست
فرحة حسية فقط، بل هي فرحة تحقق التحرر الداخلي.
المطلب الثاني:
مفهوم الاستقلال في المنظور الإسلامي
الاستقلال الحقيقي في الإسلام، لا
يُختزل في السيادة السياسية، بل يتجاوزها إلى
سيادة الإنسان على نفسه، وخضوعه
لله وحده، قال تعالى في سورة يوسف: ﴿إِنِ
الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ، أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، ذَلِكَ
الدِّينُ الْقَيِّمُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[يوسف: 40]، فالحرية الحقيقية، هي التحرر من كل عبودية سوى عبودية الله، وهو ما
يحققه الصيام ويُعلن عنه العيد.
المطلب الثالث: من
استقلال الأرض إلى استقلال الإنسان
إذا كان استقلال الأرض شرطًا
للنهضة، فإن استقلال الإنسان هو أساسها. ولا يمكن لأي مشروع حضاري
أن ينجح في ظل:
1 - إنسان
مستلب الإرادة
2 - أو خاضع
للشهوات
3 - أو تابع
لغيره فكريًا وثقافيًا
وعليه، فإن عيد الفطر، يمثل دعوة
متجددة إلى:
1 - استكمال
مسار التحرر
2 - ترسيخ
معاني التقوى
3 - وبناء
إنسان حرٍّ في داخله
الخاتمة
يتبيّن من خلال هذه الدراسة، أنّ
فريضة الصيام، تتجاوز بعدها التعبدي إلى كونها مشروعًا تحريريًا متكاملًا، يستهدف
بناء إنسان حرٍّ من الداخل، قادرٍ على قيادة نفسه ومجتمعه. كما يظهر أنّ عيد الفطر، ليس مجرد مناسبة احتفالية، بل هو رمز
للاستقلال الحقيقي؛ استقلال الإنسان عن أهوائه، وعن كل أشكال الاستعباد الداخلي.
ومن ثمّ، فإن التحدي الأكبر الذي
يواجه الأمة، ليس فقط في استعادة سيادتها على الأرض، بل في تحرير الإنسان، لأنّ تحرير
الأوطان يبدأ بتحرير الإنسان، ولا معنى لاستقلال الأرض إذا ظلّ الإنسان مستعمَرًا
من داخله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.