صلة
الرحم الحلقة المفقودة في حياتنا
بقلم: أ.د/ محمد دمان ذبيح
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام
على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ثم أما بعد
إن أعظم ما يتميز به ديننا الحنيف أنه دين
الأخلاق الفاضلة، والمعاملات الحسنة، ولو
أسأل عن الكلمة المرادفة للإسلام سأقول ودون تردد الأخلاق، ذلك لأن الكثير من
النصوص القرآنية، والنبوية تدعو إلى السلوك الحسن، والمعاملة
الطيبة مع الجميع دون استثناء سواء كانوا من المسلمين، أومن
غيرهم، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي
الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا
الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم﴾
[فصلت 34]،
ويقول أيضا:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ
اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ
حَوْلِكَ﴾ [آل عمران 159]، ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ وفي روايةٍ (صالحَ)
الأخلاقِ[1]"، ويقول أيضا: ما
شيءٌ أثقلُ في ميزانِ المؤمِنِ يومَ القيامةِ مِن خُلُقٍ حسَنٍ، فإنَّ اللَّهَ
تعالى ليُبغِضُ الفاحشَ البَذيءَ [2]"،
ولله در ابن القيم رحمة الله تعالى عليه عندما قال: الدين كله خلق. فمن زاد
عليك في الخلق: زاد عليك في الدين[3].
ولا شك أن صلة الرحم تعد من أعظم هذه
الأخلاق، وأفضلها على الإطلاق، خاصة في الأعياد، والمواسم الدينية، فهي تعبر من جهة عن صفاء القلب، ونقاء السريرة، وعن الفهم السليم لهذا الدين، ولتعاليمه السمحة من جهة ثانية.
وصلة
الرحم يكفيها فضلا، وشرفا أنها طريق إلى الله تعالى، و إلى رحمته عز وجل، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:
"إن الله تعالى خلق الخلق، حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام
العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أمَا ترضَين أن أصِلَ من وصلك، وأقطع من قطعك؟
قالت: بلى، قال: فذاك لك؛ ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: اقرؤوا إن شئتم:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ
تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ
لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: 22، 23][4]".
قال
العلماء: وحقيقة الصلة العطفُ والرحمةُ، فصلة الله سبحانه وتعالى عبارة عن لطفه
بهم، ورحمته إياهم، وعطفه بإحسانه ونعمه.[5]
كما أن
صلة الرحم دليل قاطع على إيمان العبد، وصدقه مع ربه سبحانه وتعالى، قال النبي -صلى
الله عليه وسلم-: "من كان يؤمن بالله واليوم
الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصِلْ رحِمَه، ومن كان يؤمن
بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت[6]".
وبمفهوم
المخالفة وكأن قاطع الرحم لم يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر، بسبب تقصيره في هذا الخلق العظيم، وعدم خوفه من العقوبات المترتبة عن هذه القطيعة.
ويقول
الشيخ محمد بن العثيمين رحمه الله تعالى: والرحم هم
الأقارب، وكلما كان القريب إليك أقرب كان حقه أوجب، فعلى المرء أن يصل رحمه، ولم
يبين النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بماذا يصل فيرجع إلى العرف، من الأقارب من تصله بالزيارة
والإكرام البدني، ومن الأقارب من تصله بإعطاء المال دراهم لحاجته لذلك، ومن
الأقارب من تكرمه بالطعام والكسوة كل بحسب حاله، المهم أكرم أقاربك بما يعد
إكرامًا، فمثلًا إذا كان قريبك غنيًّا كريمًا هذا لا يمكن أن ترسل إليه طبقًا من
طعام إنما تكرمه بالزيارة والكلام اللين وما أشبه ذلك، إذا كان قريبك فقيرًا طبق
المال أحب إليه من غيره ترسل له طبقًا من المال، إذا كان قريبك يحتاج إلى دراهم
نعم ترسل له طبقًا من الطعام إذا كان قريبك يحتاج إلى مال ترسل له المال وهلم جرًّا،
فكل إنسان يكرم بما يليق بحاله.[7]
والغريب
في الأمر أن الكثير من الأسر المسلمة اليوم تشتت، وتمزقت شرق ممزق، فلا أحد يسأل
عن الآخر، ولا أحد يشعر بالآخر، بل وصل الأمر إلى الحد الذي لا يعرف فيه الشخص
أبناء أخيه، كما وقع لأحد الإخوة الذي وقع في هذه المأساة، وحدثني عنها، وهو يبكي
بكل جوارحه!!
وهذه
الحالة المزرية التي لا نحسد عليها ترجع إلى العديد من الأسباب، وعلى رأسها ضعف الوازع الديني، والكبر خاصة من الأغنياء تجاه الفقراء، أو الحسد خاصة من الفقراء تجاه الأغنياء، تأخير قسمة الميراث، الانشغال بالدنيا وزينتها، إفساد ذات البين من بعض الأشخاص، والجهل بعواقب قطيعة الرحم وغيرها...
ولا علاج لهذه الظاهرة إلا
بالعودة إلى الله تعالى، والمبادرة
بالسلام كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا
يحلُّ لمسلمٍ أن يهجرَ أخاه فوقَ ثلاثةِ أيامٍ يلتقيان فيُعْرِضُ هذا ويُعْرِضُ
هذا، وخيرُهما الذي يبدأُ
بالسلام"[8]، هذا إلى جانب العفو
والصفح، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا
أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ
وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[النور 22]،
مع تحمل الأذى والصبر على إساءة الآخرين، والتواصل بشتى الوسائل كالهاتف والرسائل، ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، وهذا
حتى تبقى العلاقة قائمة ولو بشيء يسير كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "بُلُّوا
أَرْحامَكُمْ ولَوْ بِالسلامِ[9]".
وفي الأخير فلنتذكر دوما
أن الواصل الحقيقي من يقطعونه، ويصلهم من أجل مرضاة المولى عز وجل، لا من
أجل فلان،
أو من أجل عرض من الدنيا زائل، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ليس الواصِلُ بالمُكافِئِ، ولَكِنِ الواصِلُ الذي
إذا قُطِعَت رَحِمُه وصَلَها[10]".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
[2]
أخرجه أبو داود برقم 4799.
[3]
ابن القيم ، دارج السالكين ,
ج2, ص 295.
[4]
رواه البخاري برقم 4830.
[5]
شرح النووي على مسلم
16/ 113.
[6]
رواه البخاري برقم 6138.
[7]
شرح الحديث للشيخ محمد بن العثيمين في موقع https://www.al-amen.com/vb/showthread.php?t=22011
[9]
أخرجه البيهقي برقم 7973.
[10]
رواه البخاري برقم 5991.