كيف نواجه الصور
النمطية ونستعيد دورنا الحضاري؟
الخليج المفترى
عليه!
كتبه: د. جمال
عبدالستار
الأمين العام المساعد
للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
لم تكن الصورة التي رُسِّخت عن
الخليج عبر عقودٍ طويلة انعكاساً بريئاً لواقع منظور، بل كانت صناعة مركَّبة،
اشتغلت عليها أدوات التأثير والتوجيه، حتى أُعيد تشكيل الوعي العام بصورة مبتورة،
تُخفي الجوهر وتُضخِّم الهامش، وتنتقي من الواقع ما يخدم سردية مسبقة، حتى كاد بعض
أبنائه يرى نفسه بعيون ليست له، ويقيس قيمته بمقاييس لم تُولد من بيئته ولا تعبّر
عن حقيقته.
قُدِّم الخليج وكأنه كيانٌ
استهلاكيٌّ فارغ، لا يُحسن إلا الترف، ولا يملك من أدوات النهوض إلا ما يُستعار
له، وصُوِّرت شعوبه في بعض الخطابات وكأنها غارقةٌ في السطحية أو أسيرةُ الشهوة،
أو عاجزةٌ عن الإنتاج الفكري والإداري، ولم تكن هذه الصورة إلا بناء انتقائياً،
تُضخّم فيه الشواذ، وتُختلق فيه بعض المظاهر، ويُغض الطرف فيه عن عمق حقيقي ظل
قائماً، وإن لم يُحسن تقديم نفسه، حتى استقر في الأذهان نموذج مشوَّه، يُراد له أن
يكون الحقيقة الوحيدة.
رائد الإغاثة
والعمل الخيري
غير أن الخليج في حقيقته أعمق من
هذه السرديات، وأرسخ من هذه الصور؛ فهو في جوهره مخزون قيمي حي، ما تزال فيه معاني
التدين، وشعائر العبادة، وروح العطاء، وإحساس الأمة، حاضرة في تفاصيل الحياة
اليومية، لا بوصفها طقوساً معزولة، بل بوصفها مكوِّناً أصيلاً في تشكيل الوجدان
الجمعي.
لقد كان الخليج في ميدان الإغاثة
والعمل الخيري رائداً متفرداً، حمل هَمَّ الأمة في مواطن أوجاعها، وأسهم في إحياء
مشاريع كبرى عبر عقود متصلة، حتى صار أحد أهم روافد العطاء الإنساني في العالم
الإسلامي، لا يدفعه إلى ذلك إلا رصيد أخلاقي عميق، وإحساس متجذر بالمسؤولية تجاه
الدين والإنسان.
ولا يُنكر مُنصف أن موجات التغريب
قد تسللت إلى بعض مفاصله، كما تسللت إلى غيره، غير أن تضخيم هذه الظواهر على حساب
رصيد القيم، وتجاهل ما فيه من علماء ومفكرين ومربين، وما يحمله من مناهج علمية
راسخة وشخصيات وازنة، إنما هو قراءة قاصرة لا ترى إلا ما أُريد لها أن ترى، فما
تزال الفطرة فيه أقرب إلى الصفاء، والهوية أكثر تماسكاً مما آلت إليه في بيئات
أخرى فقدت ملامحها.
القدرة على التأثير
ثم إن الخليج لا يقوم على رصيد
قيمي فحسب، بل يجمع إلى ذلك قوة مادية مؤثرة في معادلات العالم؛ فهو أحد الأعمدة
الكبرى في الاقتصاد العالمي، يمتلك قدرة على التأثير في حركة الأسواق واستقرارها،
ويحتل موقعاً إستراتيجياً يجعله عنصراً فاعلاً في رسم كثير من المسارات، وهذه
القوة -إذا أُحسن توجيهها- ليست مجرد أداة نفوذ، بل يمكن أن تتحول إلى وسيلة إحياء
وبناء.
وهنا تتجلى الحقيقة الأعمق؛ أن
سرّ الخليج ليس في ثروته وحدها، ولا في قيمه مجردة، بل في هذا التداخل الفريد بين
القيمة والقدرة؛ بين رصيد إيماني وأخلاقي، وطاقة بشرية واعدة، وإمكانات مادية
ضخمة، وهذه العناصر إذا بقيت متفرقة ظلت قوة كامنة، أما إذا انتظمت في رؤية واحدة،
تحولت إلى مشروع حضاري قادر على التأثير.
ومكمن التحدي لم يكن يوماً في
فقدان الإمكانات، بل في غياب الرؤية الناظمة التي تجمعها، وتحرّرها من الاستهلاك
الجزئي، وتعيد توجيهها نحو غاية كبرى، ومن هنا فإن العودة إلى المكانة لا تحتاج
إلى استيراد عناصر جديدة، بقدر ما تحتاج إلى إعادة اكتشاف الذات، واستعادة الثقة،
وتحرير الوعي من الصورة المفروضة، ثم بناء مشروع يجمع بين ما هو كائن وما ينبغي أن
يكون.
إن أول الطريق أن يدرك الخليج أنه
ليس هامشاً في التاريخ، ولا تابعاً في جوهره، وإنما مركزُ ثقلٍ يمكن أن يُعاد
تفعيله، وهذه القناعة ليست ترفاً فكرياً، وإنما شرط لولادة أي مشروع نهوض؛ فمن جهل
نفسه ضلّ عنها، ومن جهل قيمته هان على غيره.
الهوية الخليجية
ثم يأتي بعد ذلك تحويل هذه
الإمكانات إلى رسالة؛ فالثروة إن لم تُربط بمعنى استُنزفت، وإن لم تُوجَّه بهدفٍ
أعلى تحولت إلى عبء، والخليج يملك من أدوات التأثير ما يمكّنه من إعادة تشكيل
مجالاتٍ واسعة؛ في التعليم، والإعلام، والعمل الإنساني، وصناعة الوعي، لا عبر الدعم
العابر، بل عبر إنتاج نماذج مؤسسية تجسد القيم، وتترجمها إلى واقع مستدام.
كما أن توحيد الجهود، ولو في حدّه
الأدنى، كفيلٌ بتحويل هذه القوة من حالة التشتت إلى حالة الفعل؛ فالتكامل بين
الإمكانات، وتنسيق الأدوار، يخلق أثراً يتجاوز مجموع الأجزاء، ويمنح القدرة على
التأثير العميق؛ فالقوة حين تتناثر تُستهلك، وحين تنتظم تُثمر.
ولا يقل عن ذلك أهمية الاستثمار
في الإنسان؛ فالعقول الواعية، والمنهجيات الراسخة، والتربية العميقة، هي التي
تحوّل الموارد إلى حضارة، والخليج يملك نواة واعدة في هذا الباب، تحتاج إلى رعاية
منهجية، وتمكين حقيقي، وتحرير من التبعية، لتقود مسارات الفكر والإصلاح.
وإن أعظم ما يحتاجه الخليج اليوم
ليس استيراد القوة، بل استعادة الثقة؛ أن يدرك ذاته كما هي، وأن يؤمن بما يملك،
وأن يحسن توجيه إمكاناته.
صناعة المستقبل
فمن جهل نفسه ضلّ عنها، ومن جهل
قيمته هان على غيره، ومن أهدر إمكاناته ضاعت منه؛ أما إذا وعى موقعه، وأحسن
استثمار ما أُوتي، فإنه قادر أن يكون رصيداً حقيقياً للأمة، كما كان دائماً في
أخلاقه وعطائه، وأن يعود شريكاً أصيلاً في حمل رسالتها، وبناء نهضتها، واستئناف
دورها في العالم.
إن العودة إلى المكانة ليست
رجوعاً إلى ماضٍ مضى، وإنما انطلاق نحو دور لم يكتمل بعد؛ دور يجمع بين الوفاء
للأصل، والقدرة على التجديد، وبين الثبات على القيم، والمرونة في الوسائل، فإذا
وعى الخليج ذاته، واستثمر قوته في اتجاه جامع، فإنه لا يستعيد مكانته فحسب، بل
يتحول إلى رصيد حي للأمة، يسهم في إعادة تشكيل ميزانها، ويشارك في صناعة مستقبلها،
كما كان دائماً رصيداً في عطائها وأخلاقها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.