الرابط المختصر :

بسم الله الرحمن الرحيم
من دروس الهجرة النبوية؛ القوة والعــزة بدين الله
بقلم: د. أحمد الإدريسي
عضو الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين
مقدمة:
لقد
هاجر النبي
الله صلى الله عليه وسلم وكان
مُضطرا للخروج من
مكة المكرمة، ليكمل دعوته؛ إذ هاجر
بعزة وثبات، فخرج منها والتفت لمكة وقال بأنها
أحب البلاد إلى الله وإليه عليه الصلاة والسلام، ولولا قريش لما خرج منها.
والهجرة
المطلوبة في عصرنا هجرة معنوية. أول خطوة فيها هجرة ما حرم الله. ثم قطع ما يربطنا
بالماضي قبل التوبة، وثقة بنصر
الله تعالى مع الإعداد والتخطيط للمستقبل، كما خطط النبي صلى الله عليه وسلم وأعدّ للهجرة. فالمؤمن مطالب بأن يبرهن عن هجرته إلى الله ورسوله صلى الله
عليه وسلم بقطع حبل الجاهلية ما استطاع، كما يجب عليه أن يبرهن على معاني الهجرة والنصرة إن صدق في إيمانه.
أولا: أسباب عزة المسلمين.
العزة مأخوذة من العِز، وهو: ضد الذل. قال الراغب الأصفهاني: "العزة حالة
مانعة للإنسان من أن يُغلَب". وقولهم: أرضٌ عَزَازٌ، أي: صُلْبةٌ. وَالعَزيزُ
هو الذي لا يُقهر. قال تعالى: "إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"،(العنكبوت:
26)". قال ابن
الجوزي رحمه الله: "ذكر
بعض المفسرين أَن الْعِزَّة فِي الْقُرْآن على ثَلاثَة أوجه:
أَحدهَا: العظمة. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى فِي
الشُّعَرَاء: "وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ"،
(الشعراء: 44)، وَفِي ص: "قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ"،(ص:
82).
وَالثَّانِي: المنعة. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى
فِي سُورَة النِّسَاء: "أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ
لِلَّهِ جَمِيعًا" (النساء: 139).
وَالثالِث: الحمية. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى
فِي الْبَقَرَة: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ}
[البقرة: 206]. وَفِي ص: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} (ص:2)".
ومن أسباب عزة المسلمين:
- ابتغاء العزة من دين الإسلام، كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه: "نحن قوم
أعزَّنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزَّة في غيره أذلَّنا الله".
- الولاء والبراء للمؤمنين: من الأسباب العظيمة للعزة، هو الولاء للمؤمنين وفي
المقابل من الأسباب التي تؤدي إلى فقد العزة للأمة الإسلامية أن يطلبوا العزة من أعدائهم
بعد توليهم ومحبتهم فيذلهم الله، قال تعالى: "بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ
لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا. الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ
دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ
جَمِيعا" (النساء:138-139).
- العمل الجماعي المنظم على منهاج
النبوة؛ لأجل نصرة دين الله، وعزة الإسلام
والمسلمين، ولأجل مصيرهم الأخروي.
- التحاب بين المؤمنين والتناصح والتعاون على دين الله تعالى
وعزته.
ثانيا: الهجرة النبوية وبناء أسس القوة والعزة.
- بناء المسجد: كان للمسجد النبوي أهميته في الإسلام، فقد كان بمثابة
منبر إعلام وإشعاع فكري بالنسبة للمسلمين، وكان مقرًّا للشورى.
- تأسيس دولة إسلامية قوية؛ لها دستورها وقراراتها، وإنجاز العديد من الفتوحات
الإسلامية، ودخول أعداد هائلة في دين الإسلام، وهذا يؤكد أنّ الصبر على المحن
مؤذنٌ بظهور المنح، فقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة مكرها،
وعاد إليها فاتحاً، ودخل النّاس في دين الله أفواجا.
- بناء الاقتصاد الإسلامي: وجد النبي صلى الله عليه وسلم بأن اليهود قد سيطروا
على الاقتصاد في المدينة، معتمدين على الاحتكار في تجارتهم واستغلال حاجة الناس،
فقرر رسول الله تصويب الوضع وإقامة سوق إسلامية.
- تكوين قوة عسكريّة: اهتم
النبي صلى الله عليه وسلم ببناء جيش إسلامي، وذلك لمحاربة أعداء الدين الإسلامي.
- التكافل الاجتماعي: كان مجتمع المدينة طوائف مختلفة، فبدأ بالمهاجرين
والأنصار وآخى بينهم، ونظم العلاقات بين المسلمين واليهود، فكتب كتابًا قرر فيه
الحقوق والواجبات لكل شعب المدينة.
- بث روح العزة لله ورسوله وللمؤمنين، في صفوف المجتمع
المسلم.
ثالثا: الهجرة وتكوين
شخصيات قوية تعتز بدينها.
من
خلال الهجرة تكوّن رجال مؤمنون مخلصون لربهم، ومعتزون بدينه؛ وهم الذين أثنى الله
عليهم في القرآن الكريم (من المهاجرين والأنصار) وأظهر لنا الأعمال التي قدموها
وأهلتهم لهذا المقام، حيث تركوا ديارهم وأموالهم وتجارتهم ومصادر عيشهم وأمتعتهم
فرارا بدينهم بعد أن اشتد البلاء عليهم من طرف المشركين الذين أفرطوا في التعذيب
والإيذاء والسخرية منهم، ونذروا حياتهم في سبيل الله؛ فكان منهم السابقون الأولون،
ومنهم المقربون.
ومن
هؤلاء الرجال:
- سراقة بن مالك:
فقد خرج من مكة، متقفيًا أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما وجده وطلب منه
كتاب الأمان، عاد إلى مكة، ولم يخبر قريشاً بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- عبد الله بن
أريقط: أستأجره أبو بكر ليدّلهما على الطريق.
- عامر بن فهيرة:
أمره أبو بكر لصديق بأن يرعى غنمه.
- عبد الله بن أبي
بكر: كان يأتي بأخبار مكة.
- علي بن أبي طالب:
مكث رضي الله عنه في فراش النبي صلى الله عليه وسلم بأمرٍ منه، فلبس ثياباً للنبي
عليه السلام، ونام مكانه؛ ليخدع رجال قريش الذين تآمروا على قتل النبي، ويردّ
الأمانات التي كانت عند النبي صلّى الله عليه وسلم لأصحابها.
- أسماء بنت أبي
بكر: كانت تأتي بالطعام إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر.
خاتمة:
لقد كانت للهجرة
النبوية نتائج أثمرت بناء المجتمع الإسلامي، وكانت منطلق انتشار الإسلام، وبداية
عزة المؤمنين. والهجرة في عصرنا لها معنيان فردي وجماعي كما رأينا.
فأراد الله
للمسلمين أن يصبحوا أمة، وأن تصبح لهم دولة، وأن يصبح لهم قوة وسلطان، وأن العزة
لله ولرسوله وللمؤمنين، وأن العزة للمؤمنين إنما تكون بمقدار اتصال القلوب بالله
تعالى، وبقدر تشبث المسلمين بدينهم واعتزازهم به.
كانت
الهجرة النبوية هجرة مكانية، لكن بقيت لها دلالات وعِـبـر، تعبُر الزمان فهي هجرات؛ هجرة من الكفر إلى الإيمان، وهجرة من عادات القعود والخمول إلى الإرادة والعمل الصالح، وهجرة من حياة الضعف والهزيمة إلى القوة
والعِـزة بالله ورسوله.
والحمد لله رب
العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن
رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.