غزة
وتجليّات النّهوض الحضاري بين صراع القيم وسُنن التّحوّل
بقلم:
رانية نصر
عضو الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين
ليس من يصنع الحضارة بجوعه ووجعه
كمن ينقش كلمات في ترف الأفكار، وليس من يعيد المجد بلحمه وأشلاء أبنائه كمن يكتب
في الظلال، نسأل الله أن يجعل هذه الحروف بذور غرس في مشروع نهضة حقيقية.
الأزمة الأخلاقية للحضارة الغربية
ما كشَفته
حرب غزة 2023 من المجازر المتكررة بحق المدنيين، وخاصة الأطفال والنساء أمام أعين
العالم دون تحرك حقيقي من القائمين على حراسة ثغر القيم والأخلاق الإنسانية
العالمية، والتي لطالما ادّعت الدفاع عن حقوق الإنسان؛ يُنبئ بأفول شمس تلك
الحضارة لصالح حضارة أجدر بحمل الرسالة القيمية والأخلاقية التي تتأسَّسُ عليها
الحضارات وتنمو وتزدهر.
إن الصمت
الدوليّ الفجّ أمام الإبادة الممنهجة في غزة، والتبرير الممجوج وغير الأخلاقي
للقتل الجماعي فيها، وإن ازدواجية المعايير التي أفقدت الخطاب الغربي الثقة
والمصداقية، فضلاً عن التّواطؤ الإعلامي والثقافي والتّطبيع مع الباطل، في مقابل
شيطنة الضحيّة وتهميش حقوقها في كرامتها الإنسانية هو سقوط مدوٍ في اختبار القيم
الإنسانية والمشتركات البشرية.
فحين
تفقد الحضارة قدرتها على الانتصار للإنسان ولقيم العدالة؛ فإنها تبدأ فعلياً
بالموت من داخلها، هي ليست مجرد أزمة أخلاق وقيم؛ بل بداية أفول حضاري شبيه بما
حدث مع حضارات سابقة حين انحرفت عن جوهرها الإنساني.
طوفان الأقصى كصدمة حضارية
في
المقابل تبعاً لسُنّن التدافع؛ يتهيّأ المشهد لانبعاث حضاري آخر ينبثق من رحم
المعاناة، يحمل قيماً حيّة تُعلي من قيمة الإنسان والحق ولا تنحصر في ضيق المصالح،
كما أنها تضطلع بقيم الكرامة والعدالة والحرية بميزان راشد دون أن تنفلت هذه القيم
من عِقالها.
إننا أمام مشهد حضاري مركّب، يتجلّى
فيه أفولٌ لم يعد خفيًا، وانبعاثٌ لم يعد حلمًا بعيدًا، بل واقعًا يُخطّه الصابرون
في غزة، وتحتّمه سنن الله في التاريخ، ومن ثُم فمن أوجب الواجبات اليوم استدعاء
البعد السنني والتاريخي والحضاري في ضوء ما تكشفه غزة من سقوطٍ أخلاقي لمنظومةٍ لطالما
ادّعت قيادة العالم لعهود طويلة.
عندما
تتحول الصدمة إلى وعي، والدم إلى مشروع، والغضب الانفعالي إلى عمل منهجي متين،
وحين تضغط شعوب الغرب نفسها على حكوماتها، لا نصرةً للفلسطيني وحسب؛ بل دفاعاً عما
تبقى من إنسانيتها هي، وقتها فقط تستطيع الحفاظ على بقائها واستمرارها وإلا
فالسقوط مآلها ومصيرها، فالسُّنن لا تحابي أحداً.
لكن ما
نراه من إخفاقٍ في الحراك الغربي عن نصرة المظلومين في غزة قد يكون شهادة وفاة
لحضارته، وبداية ولادة حضارة إسلامية جديدة بشرط أن تمتلك الأمة وعي اللحظة
التاريخية وترتقي بحالها على نهج قويم مسترشدة بالقيم الإسلامية والأصول العليا.
دورة النّهوض: التحدي والاستجابة
ولفهم هذا التحول التاريخي الذي
تفرضه لحظة غزة، يمكن الرجوع إلى ما قرره المؤرخ توينبي في نظريته عن "التحدي والاستجابة" التي طرحها المؤرخ أرنولد
توينبي؛ تُفسّر دورة حياة الحضارة وأسباب بقائها أو أفولها، حيث يرى أن الحضارات
لا تنهار فجأة، بل تمر بمراحل ثلاث،
أولاً:
التآكل الداخلي ويبدأ حين تفشل
النخب في الاستجابة لتحديات الواقع، وهذا المُشاهَدْ في غياب الضمير الجمعي
المُتجلي في تخاذل الحضارة الغربية عن نصرة المظلومين في غزة،
ثانياً:
الجمود الحضاري؛ ويبدأ حين تفقد
المجتمعات قدرتها على التجديد الأخلاقي والفكري، وتتمسك بالمظاهر دون الجوهر، وهو
ما نلاحظه في ازدواجية الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان حيث تكيل بمكيالين مختلفين في
نموذج غزة وأوكرانيا مع تشابه الظرف،
ثالثاً:
الأفول والسقوط؛ ويكون حين تنهار
القيم وتتلاشى الثقة الداخلية، لتُفتح الطريق أمام حضارة بديلة أكثر حيوية
واستجابةً، وتكون أجدر بتصدر المشهد الحضاري.
والمُلاحظ
أن الحضارة الإسلامية المتجلّية في "نموذج غزة" هي المؤهلة
بالفعل لتكون في طور الاستجابة لتحديات الواقع، بشرط أن يتفطّن الوعي الجمعي للأمة
الإسلامية للعمل وفق مسار تاريخي -ربما يطول- لمتطلبات المرحلة ومقتضيات هذا
النهوض، والمتجلي في نضوج الوعي، والعمل ضمن فلسفة مركزية واحدة تطرح الخلافات
والشقاقات جانباً، وتتحرر من قيد الانتماءات الضيقة والتي في غالبها تبدأ بفكرة
توظيف الانتماء لخدمة المشروع، ثم تحيد عن هذا المبدأ -في الأجيال المتلاحقة-
لتتحول هذه الانتماءات من وسيلة وآلية خادمة للمشروع الإسلامي إلى غاية وهدف أعلى،
بل وقد يصل بها الانحراف إلى العصبية والانتصار لا للمبدأ والفكرة والمشروع إنما
للاسم والشعار والشخوص.
إن طوفان
الأقصى قد لا يكون لحظة ولادة مباشرة؛ لكنه أحد أعظم محفزات الاستجابة الحضارية،
بشرط ألا تذهب كل هذه التضحيات دون مشروع، وألا تُهدر هذه اللحظة التاريخية،
فالحضارات لا تُبعث بالانفعال، بل بالتحول الواعي والمستمر عبر أجيال تصدُق في
وعيها وقيادتها واستعدادها لقبول التحدي، بل وتتهيأ له كما يجب، فعلى الأمة اليوم
أن تلتقط هذه الفرصة التاريخية واللحظة الحضارية الفارقة لتحوّل الآلام والجراح
إلى طاقة تغيير مُتفجرة وتخطيط دؤوب يكونا بقدر هذا الاستحقاق التاريخي.
بين الوعي الجمعي الغربي والإسلامي
إن الوعي
الجمعي الغربي أثبت فشله في غزة، فشل في اختبار القيم الإنسانية، لقد تاهت منه مقاصده
المنادية بحفظ حقوق الإنسان، وأثبت أن مرجعيّته المستندة إلى مواثيق الأمم المتحدة
والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمصالح السياسي
والقوى الاقتصادية العظمى والهيمنة الاستعمارية المتغلغلة في مفاصل العالم عاجزة
عن الوفاء بعهودها، وفقدت مقومات بقائها، في حين أن هناك فرصة للوعي الجمعي
الإسلامي الذي أشعل شرارته شباب الطوفان باستحقاق الريادة الحضارية؛ حيث ينطلق هذا
الوعي من عقيدة تقوم على التوحيد والإيمان بالرسالة وتتجلى مقاصده في تحقيق العدل بين
الناس جميعاً وصون الكرامة، ونشر الرحمة، وتتأسس مرجعيته على الشريعة الإسلامية
والمقاصد الكلية في حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، وتفاعله مع القضايا لا
يكون مجرد تعاطف إنساني؛ بل تكليف شرعي مُلزِم ومسؤولية أمة.
في سياق
غزة يُظهر ضعف الوعي الغربي عن الانتصار للمظلوم الحاجة الماسة لبعث الوعي
الإسلامي كمحرك حضاري يقود الناس نحو مواقف أكثر إنصافاً وكرامة للإنسان، وهذا ما
أثبته نموذج غزة عملياً بدخول آلاف الآلاف من الغرب في الإسلام بعد تكشف الحقائق
ورؤية القيم الحضارية متجسدة في غزة فكراً وسلوكاً دون غيرها.
وللإنصاف
فإن المجتمعات الغربية تحركت وخرجت في كل مكان منادية بحقوق الإنسان في غزة ونادت
بحقها في حرية التعبير عن الرأي؛ لكنها لم تستطع أن تضغط على حكوماتها بالقدر الذي
تؤثر فيه في دوائر صنع القرار فضلاً عن أن تغيّر واقع الإبادة والمجازر في غزة!
إن الوعي
الجمعي الإسلامي منوط به اليوم أن يكون الحطب الذي يحوّل الشرارة التي قدحتها غزة
إلى نار مضطرمة تحرق زيف الحضارات الأخرى التي كانت تدعي الانتصار لحقوق الإنسان
وكرامته لتبني نموذجها الأخلاقي والقيمي المستمد من السماء.
مُقوّمات انبعاث الحضارة
تكمن مقوّمات
انبعاث الحضارة الإسلامية في:
أولاً: المرجعية من خلال العودة إلى التوحيد الخالص، واستحضار
القيم الإيمانية في كل مناحي الحياة، باعتبار العقيدة مصدرٌ للطاقة الحضارية، وإحياء
المشروع الرسالي من خلال إدراك أن الأمة تحمل رسالة عالمية للناس كافة، تقوم على
الرحمة والعدل، لا على الهيمنة والظلم،
وثانياً: بالوعي الحضاري بالتحديات، من خلال فهم الواقع، وتشخيص
أدواء الأمة، والتعامل الواعي مع أدوات التغريب، والصراع مع المشروع الاستعماري،
وبالتكامل بين الثوابت والمتغيرات من خلال التمسك بالثوابت الشرعية، مع قدرة على
الاجتهاد الحضاري في المتغيرات بما يحقق فاعلية الأمة في العصر الحديث،
وثالثاً: ببناء الإنسان الحضاري من خلال تنمية العقل، وتربية
النفس، وتفعيل الإرادة، وتكوين شخصية توازن بين الروح والعقل والعمل، وبتحقيق
العدالة الاجتماعية، كأحد أهم منطلقات بناء الحضارة؛ فلا حضارة تقوم على الظلم أو
الفقر أو تهميش الفئات الضعيفة،
ورابعاً: بامتلاك أدوات العصر من خلال تطوير العلوم، وتوطين
التكنولوجيا، والانخراط في المعرفة المعاصرة بروح ناقدة لا منبهرة،
وخامساً: بالقيادة الراشدة الواعية بضرورة وجود قيادة فكرية
وسياسية تمتلك الرؤية والمنهج وتستطيع توجيه الطاقات نحو النهوض،
وسادساً: بإحياء فقه السنن والتاريخ لتفادي تكرار الإخفاق،
واستثمار دروس سقوط الحضارات السابقة، وفقاً لنظرية "التحدي والاستجابة"
تبعاً لتوينبي،
وأخيراً بالتحرر من التبعية، من خلال فكّ الارتهان السياسي
والثقافي والاقتصادي للمستعمر، وتحرير القرار من الهيمنة الغربية.
إذا
تحققت هذه المقومات ضمن وعي جمعي ونخبة مخلصة ومشروع واضح؛ فإن بعث الحضارة
الإسلامية ليس أُمنية، بل استحقاقٌ سُننيٌّ قادم.
ما بعد غزة، والمشروع الحضاري الممكن
حسب
المؤرخين فإن المراحل الأساسية للانبعاث الحضاري هي أربعة،
أولاً: مرحلة التآكل والاضمحلال، وفي اعتقادي هي المرحلة التي
تمر بها الآن الحضارة الغربية،
ثانياً: مرحلة الوعي والانتباه، وهي مرحلة استشعار الأمة
لتخلفها، وأزعم أن الأمة الإسلامية قد مرت بهذه المرحلة،
ثالثاً: مرحلة التحدي والاستجابة، وهي استجابة الأمة الإسلامية
لتحديات الواقع بعد طوفان الأقصى، وتتجلى في الوعي بها لتستثمرها الأمة في نهوضها
الحضاري،
ورابعاً: مرحلة البناء والتراكم، وهي مرحلة تأسيس بنية فكرية اقتصادية
وسياسية، وهي المشروع الحضاري الذي يجب أن نعمل جميعاً في بنائه أفراداً وجماعات،
وقد تستغرق الحضارة الإسلامية قرنًا أو أقل للانبعاث الفعلي إذا بدأ العمل الجاد
من الآن، واشتدت التحديات التي تستفز الطاقات الكامنة في الأمة.
هل بدأ زمن نهوض
الحضارة الإسلامية؟
إن انبعاث الحضارة ليس حدثًا طارئًا
أو مفاجئًا، بل هو مسار طويل ومتدرّج يمر بمراحل متعددة من التكوين والنضج؛ فالزمن
الذي تحتاجه أية حضارة للنهوض من جديد يتوقف على جملة من العوامل والشروط، ووفق ما
تشير إليه نظريات الحضارة، مثل نظرية ابن خلدون وتوينبي، فإن بناء الحضارة ونضجها
عادةً ما يستغرق بين 100 إلى 200 عام وفقًا لدورات التاريخ، كما أن إعادة بعث
الحضارة بعد السقوط أو التراجع قد تتطلب مرور ثلاث إلى خمس أجيال، أي ما يعادل
تقريبًا 60 إلى 150 سنة، بشرط توفر مقومات النهوض.
وإذا ألقينا نظرة على التاريخ الحديث،
نجد أن الدولة العثمانية لم تسقط رسميًا إلا في عام 1924، وقد سبق ذلك بقرابة مئة
عام مشروع محمد علي باشا الذي بدأه عام 1826، والذي سعى من خلاله إلى ترسيخ أسس
الدولة الحديثة عبر إرسال بعثات طلابية إلى أوروبا، وخاصة فرنسا لاكتساب العلم
والمعرفة ومواكبة مظاهر التقدم؛ إلا أن هذه الخطوة رغم ما فيها من أهداف تطويرية،
أسهمت في تغريب عقول الشباب، الذين هم روح الأمة وعمادها وركائز حضارتها، فتخلوا
تدريجيًا عن الهوية الإسلامية وضعف ذلك الارتباط والانتماء بأمتهم مما ساهم في
أفول هذه الحضارة.
وفي المقابل، قد يكون "طوفان
الأقصى" الذي انطلق مع نهاية عام 2023 ومعه تكتمل مئة عام على سقوط الخلافة
العثمانية، بمثابة إشارة لبداية نهوض الحضارة الإسلامية من جديد، شريطة التمسك
بالشروط الأساسية لقيام الحضارة، واستيعاب دروس التاريخ، والعمل على استعادة
الهوية، وبناء مشروع حضاري متكامل يعيد للأمة مكانتها بين الأمم.
إن غزة قد أدّت ما عليها، وبقي أن
نؤدي نحن واجبنا بأن نرتقي لمستوى الدم، ونحوّل آلام المجازر إلى مشروع حضاري لا
يُهزم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
* رانية نصر؛ عضو الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين، كاتبة وباحثة فلسطينية.