البحث

التفاصيل

لماذا لا يهاجر أهل غزّة فراراً بدينهم وحقناً لدمائهم؟

الرابط المختصر :

لماذا لا يهاجر أهل غزّة فراراً بدينهم وحقناً لدمائهم؟

"مفاهيم تأصيلية بين فقه الهجرة وفقه الرّباط"

بقلم: د. رانية نصر

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

مُنذ اللحظة الأولى لبعثة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ارتبط مفهوم الهجرة بالفرار بالدّين وحفظ العقيدة في أرضٍ آمنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ النساء: 97، ومن هنا صارت الهجرة انتقالاً مشروعاً، بل واجباً حين يعجز المسلم عن إقامة دينه، وقد جسّد النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه هذا المعنى يوم غادروا مكة إلى الحبشة ثم إلى المدينة، فتحوّل الانتقال ذاته إلى عملٍ إيماني يترجم الولاء للعقيدة ويرتفع فوق كلّ ولاءٍ وانتماء أرضي أو قومي.

وبالمقابل؛ أسّست الشريعة الإسلامية لمفهوم آخر موازٍ هو الرّباط، أي الثبات في الثغور وحراسة ديار المسلمين، قال -صلى الله عليه وسلم-: "رباطُ يومٍ خيرٌ من صيام شهرٍ وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأُجري عليه رزقه وأمِنَ الفتّان" رواه مسلم، وفي رواية أخرى قال: "رباطُ يومٍ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها" متفق عليه.

من هنا يثور السؤال: في أي فسطاطٍ يُصنّف أهل غزّة؟ ولماذا لا يهاجرون فراراً بدينهم وحقناً لدمائهم؟، أليس حفظ النفس من الضروريات الكلية الخمس؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق" رواه النسائي وابن ماجه وصححه الألباني.

للإجابة لا بد من التفريق بين فقه الهجرة وفقه الرّباط.

بين الهجرة المشروعة والرباط الواجب؛ تأصيل ومقارنة

أولاً: الهجرة المشروعة. هي الفرار بالدين حين يُفتن المسلم عن عقيدته أو يُمنع من إقامة شعائره، وقد عرّفها العلماء بأنها الانتقال من بلدٍ لا يتمكّن فيه المسلم من عبادة الله إلى بلدٍ يُمكّن فيها من ذلك، دليلها قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ...﴾ النساء: 98، مما يدل على أن الأصل وجوب الهجرة إلا مع العجز التام.

ومن شواهدها هجرة الصحابة إلى الحبشة، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن فيها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه" رواه أحمد بسند حسن، وكذلك الهجرة الكُبرى إلى المدينة التي أسست دولة الإسلام.

فالخلاصة؛ إذا عجز المسلم عن إقامة شعائر دينه أو أكره على الرّدة؛ تعيّنت عليه الهجرة، لأن الغاية الأسمى من وجوده؛ تتجلى في تحقيق العبودية الكاملة لله وهذا لا يتأتّى إلا مع حرية كاملة في الفكر والسلوك تُمكّنانه من تأدية التكاليف الشرعية المفروضة عليه.

أما إن أمكنه إقامة الدين، فلا هجرة عليه، قال الطبري والقرطبي وابن كثير وابن حجر: "من استطاع أن يقيم دينه في مكانه فلا هجرة عليه، أما من لم يستطع؛ فالهجرة حق لله، وتركها ظلم للنفس".

ثانياً: الرباط الواجب. هو الثبات في الثغور وحراسة ديار المسلمين عند مواجهة عدوٍ غازٍ، وهو جهاد مستمر لا ينقطع، وحفظ النفس فيه ليس غاية مطلقة، بل تُبذل الأرواح لحماية العقيدة والهوية، ومن شواهده؛ إبقاء النبي -صلى الله عليه وسلم- بعض الصحابة في ثغور المدينة لحمايتها رغم حاجته إليهم في الغزوات، دلالة على أن حماية الثغور لا يقل شأناً عن القتال المباشر، وحكم الرباط أنه إذا كان ترك الثغر يُمكّن العدو من اقتحام ديار المسلمين والمقدسات؛ يصبح واجباً عينياً على أهله ثم على الذين يلونهم.

والفرق بين الحالتين تتجسّد في أن الهجرة تكون واجبة حين تتحول الأرض إلى موطن فتنة واستئصال، مع استحالة إقامة الدين أو الشعائر فيها، والرباط يكون واجباً حين تكون الأرض إسلامية وثغرها ثغر جهاد، وبقاء أهلها هو بقاء للأمة فيها، وتفريطهم انسحاب يفتح الباب للعدو، وفي الحالة الأولى "الهجرة" الغياب عن الأرض هو عين التكليف، حيث البحث عن أرض مستقر لإحياء شعائر الله، وفي الحالة الثانية "الرباط" الثبات في الأرض هو عين التكليف؛ حيث الشعائر قائمة أصلا.

ثالثاً: تقديم حفظ الدّين على النّفس

حفظ النّفس في الإسلام مقصد عظيم من مقاصد الشريعة، لكنّه ليس مُطلقاً، وتبذل رخيصة في سبيل الحفاظ على الدين، وهو ما يُفسر مشروعية الجهاد، وفيه بذل الدماء والأنفس، والأصل في الهجرة أنها شُرعت لحفظ الدين أولاً، لا لحفظ النفس وحدها والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ النساء: 97، أي أن الذين تركوا الهجرة في مكة عُوقبوا مع أنهم كانوا مستضعفين لأنهم فرّطوا في إقامة الدين، وعليه فإن الخطر على النفس فقط لا يُوجب الهجرة ما دام الدين قائماً، بينما الخطر على الدين يوجبها حتى لو لم تكن النفس مهددة مباشرة، وإن حفظ النفس مقصد تبعي للهجرة المشروعة لحفظ الدين ابتداءً، وليس هو الأساس، فالمُهاجر قد يترك المال والأهل وحتى يعرّض نفسه لمشقة عظيمة في سبيل ألا يُفتن عن دينه، والفرق بين الحالتين، أنه لو كان الخطر على النفس فقط (قتل أو أذى دنيوي) مع بقاء الدين قائماً؛ فلا تجب الهجرة بالضرورة، ولو كان الخطر على الدّين (فتنة، أو منع من الصلاة، أو إجبار على الرّدة)، هنا تجب الهجرة حتى لو لم تكن النفس مهددة مباشرة.

رابعاً: شروط الهجرة والرباط

الهجرة والرّباط فريضتان شرعيّتان ارتبطتا بمقام الإيمان والجهاد، غير أن مناط كل منهما مختلف، فالهجرة شُرعت حين يحاصر المسلم في دينه ويُفتن عن عقيدته، فيغدو الانتقال إلى أرض آمنة واجباً لحفظ الإيمان، بينما الرّباط شُرِع في حال المواجهة مع عدوٍّ يريد اقتلاع الأرض والدين، فيصبح الثبات والصمود في الثغر عبادة أعظم من الرحيل.

شروط الهجرة:

-     العجز عن إقامة الدين أو الخوف من الفتنة فيه.

-     عدم القدر على دفع الظلم أو مقاومة الطغيان.

-     توفر بلد يمكن فيه حفظ الدين.

-     الاستطاعة البدنية والمادية للهجرة.

شروط الرباط:

-     القدرة على الصمود والثبات وعدم الفتنة في الدين.

-     البقاء في أرضٍ مستهدفة بالإخلاء أو الاحتلال.

-     أن يكون للبقاء أثرٌ في حفظ الهوية والدين والأرض.

-     أن لا يُعرّض نفسه للهلاك المحقق دون مصلحة راجحة.

خامساً: الفروق بين الهجرة والرباط

- النية: المهاجر ينوي النجاة بدينه بالانتقال، والمُرابط ينوي حماية الدّين بالصمود.

- الهجرة؛ النجاة بالدين، والرباط؛ الدفاع عن الدين والأرض.

- المكان: المهاجر يترك دار الفتنة، والمرابط يمكث في الثغر وأرض المواجهة.

- النتيجة: الهجرة تحقق إقامة الدّين في مكانٍ آمن، والرّباط يحقّق حماية الدّين في مواجهة العدو.

سادساً: أيهما أعظم أجراً؟

وعد الله -تعالى- المهاجرين بالجزاء العظيم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ النحل: 41، والهجرة انتقال مُكلف ومؤلم، وبابٌ إلى التمكين والنصر وحفظ العقيدة، والرّباط عبادة خاصة عظيمة، وهو ليس مجرد ثبات عادي بل مقام شرفي عالٍ، للأحاديث الكثيرة التي وردت فيه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجريَ على رزقه وأمن من الفتان" رواه مسلم 1887، وقال: "ما من ميت يُختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله، فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن من فتنة القبر"، رواه الترمذي.

وعند المفاضلة فالهجرة عظيمة لأنها مفتاح التمكين، ولولاها ما قامت الدولة الإسلامية في المدينة، لكن الرباط أعظم أجراً في الميزان الشرعي، لأن النصوص خصّته بمضاعفة الأجر واستمرار الثواب بعد الموت، وهو مقام باقٍ إلى يوم القيامة، قال الإمام النووي: "فضل الرباط مستمرٌ إلى يوم القيامة، وهو أفضل من سائر أعمال التطوع".

سابعاً: واقع غزة بين واجبي الهجرة والرباط

وعلى هذا التأسيس نستطيع القول بأن غزة ليست أرضاً مغلقة في وجه الدين، بل أرضاً مفتوحة على ثغر العدو، فيها يُرفع الأذان، وتُقام الصلاة، وتُحيا الشعائر ويُجَاهد فيها العدو، وهجرتها تعني تسليم هذا الثغر الإسلامي للعدو، مما يعدّ خيانة للأمانة، وأهلها مطالبون بالثبات، لأنهم خط الدفاع الأول عن الأمة ومقدساتها، والأمة كذلك مكلفة بمساندها حتى تُستوفى الكفاية، ومن قُتل في دفاعه عن أرضه ودينه فهو شهيد، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد" رواه مسلم، فكيف بمن قُتل دون أرضه ومقدساته وهو على ثغر الأقصى وفلسطين!

والخلاصة؛ أن الهجرة واجبة إذا عجِز المسلم عن إقامة دينه، والرباط واجب إذا كان البقاء صيانة لثغر الإسلام ومنعاً للعدو من اقتلاع الهويّة، وأهل غزة اليوم في مقام الرّباط والجهاد لا في مقام الهجرة، وأجرهم أعظم لأنهم يجمعون بين إقامة الدّين والدّفاع عن الثغر والأرض والمقدّسات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ آل عمران: 200.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* د. رانية نصر: عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. باحثة وكاتبة فلسطينية.

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.


: الأوسمة


المرفقات

التالي
أسطول الصمود يبحر نحو غزة في أكبر محاولة لكسر الحصار منذ 17 عامًا
السابق
محبة النبيﷺ؛ مظاهر وتجليات

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع