البحث

التفاصيل

التفسير العلمي للقرآن في «الظلال» (1 - 2)

الرابط المختصر :

التفسير العلمي للقرآن في «الظلال» (1 - 2)

بقلم: فرج كندي

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

التفسير العلمي هو محاولة الكشف عن إشارات علمية في آيات القرآن الكريم وربطها بالحقائق أو النظريات العلمية المعاصرة، وهو نوع من أنواع التفسير الموضوعي، لكنه يركز على الجانب الكوني في النصوص القرآنية.

يقول الإمام يوسف القرضاوي عن خصائص القرآن: ومن خصائص القرآن أنه كتاب معجز، أمر الله رسوله أن يتحدى به المشركين من العرب أن يأتوا بحديث مثله، أو بعشر سور مثله، أو بسورة مثله، فغُلبوا وانقطعوا، وسجل القرآن عليهم ذلك في جلاء وصراحة: (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (الإسراء: 88)؛ فالقرآن بهذا هو آية محمد العظمى، ومعجزته الخالدة.

والإعجاز القرآني له أوجه أو جوانب عديدة ومتنوعة، منها:

1- الإعجاز البياني: وهو متعلق بالبيان وبلاغة القرآن في عباراته ونظمه، وألفاظه وأسلوبه غير المسبوق.

2- الإعجاز الموضوعي: وهو ما تناوله القرآن من الحكمة والموعظة والهداية، وما قرره من إصلاح تربوي وأخلاقي وتشريعي ما فيه صلاح الأفراد والأمم في دينهم ودنياهم.

3- الإعجاز العلمي: وهو ما يتعلق بما جاء من إشارات علمية في بعض آيات القرآن الكريم، وأصبحت حقائق بعد أن كشف عنها العلم الحديث، وكانت غير معروفة حين نزل القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم وغير مكتشفة؛ بل مجهولة لقرون طويلة بعد البعثة.

يقول الإمام القرضاوي: ومثل هذا لا يتصور أن يصدر من بشر، لا يدري ماذا يكسب غداً؛ فضلاً عما يكسب غيره، وما تكشفه البشرية بعد قرون وقرون، وإنما يُتصور أن يصدر هذا من خالق الكون ومدبره؛ فهو القادر على أن يودع كتابه من أسرار الوجود ما لا يعلمه غيره، وأن يصوغ ذلك في أسلوب يتسع لإدراك السابقين وفهم اللاحقين.

ويعتبر موضوع الإعجاز العلمي في القرآن الكريم قد وردت عنه إشارات لدى العلماء والمفسرين المسلمين قديماً مثل الرازي، والغزالي، إلا أنه في العصر الحديث أصبح الإعجاز العلمي في القرآن موضوعاً مهماً، وأصبح له مختصون وباحثون متخصصون في علوم متنوعة مع إلمامهم بعلوم القرآن وتفسيره.

ومن المفسرين المعاصرين سيد قطب الذي أورد إشارات في تفسيره «في ظلال القرآن» حول الإعجاز العلمي في القرآن الكريم؛ ويعتبر قطب من غير المتخصصين في العلوم التطبيقية التجريبية، ولكن لم يخل تفسيره «في ظلال القرآن» من إشارات علمية في تفسيره لبعض الآيات القرآنية التي تحمل إشارة علمية، ومع ذلك لم يعدّ تفسيره تفسيراً علمياً بمعناه الدقيق.

وكان لقطب (1906 - 1966م) رأي في التفسير العلمي للقرآن الكريم تناوله في تفسيره، في تفسير قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) (البقرة: 189)؛ حيث قال: إن الله حدثهم عن وظيفة الأهلة في واقعهم في حياتهم، ولم يحدثهم عن الدورة الفلكية للقمر وكيف تتم، وهي داخلة في مدلول السؤال: ما بال الهلال يبدو دقيقاً.. كذلك لم يحدثهم عن وظيفة القمر في المجموعة الشمسية أو في توازن حركة الأجرام السماوية وهي داخلة في السؤال: لماذا خلق الله الأهلة؟ فما الإيحاء الذي ينشئه هذا الاتجاه في الإجابة؟

يقول قطب: إن القرآن الكريم كان بصدد إنشاء تصور خاص ونظام خاص ومجتمع خاص، والإجابة عن هذا السؤال ربما كانت تمنح السائلين علماً نظرياً في الفلك إذ هم استطاعوا بما لديهم من معلومات قليلة في ذلك الحين أن يستوعبوا هذا العلم، ولقد كان ذلك مشكوكاً فيه كل الشك، لأن العلم النظري من هذا الطراز في حاجة الي مقدمات طويلة كانت تعد بالقياس إلى عقلية العالم كله في ذلك الزمان معضلات.

من هنا عدل عن الإجابة التي لم تتهيأ لها البشرية، ولا تفيدها كثيراً في المهمة الأولى التي جاء القرآن من أجلها، وليس مجالها على أي حال، إذ القرآن قد جاء لما هو أكبر من تلك المعلومات الجزئية، ولم يجئ ليكون كتاب علم فلكي أو كيماوي أو طبي كما يحاول بعض المتحمسين له أن يتلمسوا فيه هذه العلوم.. إن تلك الحالتين دليل على سوء الإدراك لطبيعة هذا الكتاب ووظيفته ومجال عمله.

مجال القرآن عند قطب

لم يتبنَّ قطب التفسير العلمي بالمعني الذي اتبعه المختصون بالتفسير العلمي في العصر الحديث من أمثال الشيخ طنطاوي جوهري، والشيخ عبدالمجيد الزنداني، ود. زغلول النجار، بل كان حذراً ومحذراً من ربط تفسير الآيات القرآنية بنظريات قابلة للتغيير والسقوط، يقول في مقدمة تفسير «الظلال»: «والقرآن ليس كتاب علوم، ولكن قد ترد فيه إشارات إلى بعض الحقائق الكونية، لا لتقررها علمياً؛ بل للاستدلال بها على الخالق، وإثبات عظمته وقدرته».

بعد أن يقرر قطب أن القرآن لم يأت ليكون كتاب علوم، وأن مهمته أكبر من ذلك، يحدد مجال القرآن ووظيفته: إن مجاله هو النفس الإنسانية والحياة الإنسانية، وإن وظيفته أن ينشئ تصوراً عاماً للوجود وارتباطه بخالقه، ولوضع الإنسان في هذا الوجود وارتباطه بربه، وأن يقيم على أساس هذا التصور نظاماً للحياة ويسمح للإنسان أن يستخدم كل طاقاته، ومن بينها طاقته العقلية التي تقوم هي بعد تنشئتها على استقامته وأطلاق المجال لتعمل -بالبحث العلمي- في الحدود المتاحة للإنسان، وبالتجريب والتطبيق وتصل إلى ما تصل إليه من نتائج ليست نهائية ولا مطلقة بطبيعة الحال؛ أي بحسب ما تتوافر عليه العلوم من اكتشافات ونتائج مثبته.

قطب وأصحاب اتجاه التفسير العلمي

بعد بيان قطب لغرض القرآن ومقاصده العامة، قال رأيه في أصحاب اتجاه التفسير العلمي للقرآن الكريم، محذراً من الانجرار وراء التسرع في إضفاء تفسيرات خاطئة أو غير دقيقة تؤدي إلى نتائج عكسية: «وإني لأعجب لسذاجة المتحمسين لهذا القرآن الذين يحاولون أن يضيفوا إليه ما ليس منه، وأن يحملوا عليه ما لم يقصد إليه، وأن يستخرجوا منه جزئيات في علوم الطب والكيمياء والفلك، وما إليها كأنما ليعظموه بهذا ويكبروه».

وكأن قطب يقول لهم: إن القرآن لم ينزل لأجل هذا ولا يحتاج إلى مثل هذا التعظيم، والتكبير بهذا الأسلوب!

فيقول: «إن القرآن كتاب كامل في موضوعه، أضخم من تلك العلوم كلها، لأنه هو الإنسان ذاته الذي يكشف هذه المعلومات وينتفع بها، والبحث والتجريب والتطبيق من خواص العقل في الإنسان، والقرآن يعالج -بناء على هذا- الإنسان نفسه، بناء شخصيته وضميره وعقله وتفكيره، كما يعالج بناء المجتمع الإنساني الذي يسمح لهذا الإنسان بأن يحسن استخدام هذه الطاقات المذخورة فيه.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- تفسير الظلال، سيد قطب.

2- التفسير العلمي للقرآن في الميزان، أحمد عمر أبو حجر.

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.


: الأوسمة


المرفقات

التالي
الأستاذ الدكتور عبد المجيد النجار يصدر كتابه الجديد: "الإيمان باليوم الآخر وأثره في الحياة"

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع