بسم الله الرحمن الرحيم
الأستاذ الدكتور عبد المجيد النجار يصدر كتابه
الجديد: "الإيمان باليوم الآخر وأثره في الحياة"
صدر عن مركز الصفوة بإسطنبول الإصدار الثالث من سلسلة العقيدة
بعنوان: "الإيمان باليوم الآخر وأثره في الحياة"، تأليف أ.د.
عبد المجيد النجار – نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
يتميز هذا الكتاب بطرح غير مسبوق يجمع بين الاستدلال العلمي والاستدلال
النفعي، مبرزًا الأثر العميق للعقيدة في بناء الحياة، وهو استدلال قرآني
أصيل طالما غاب عن الطرح المعاصر.
هذا الإصدار يمثل خطوة جديدة في إعادة تقديم العقيدة بروح عصرية تجمع
بين صفاء الإيمان وفاعلية التطبيق.
مقدمة الكتاب
لم يحتفل القرآن الكريم بعقيدة مثلما احتفل بعقيدة
الإيمان باليوم الآخر سوى عقيدة التوحيد، وبالإضافة
إلى ما جاء في الذكر الحكيم من تفاصيل في
هذه العقيدة ومن وعد ووعيد فيها، فإنّ ما جاء فيه من الاستدلال على إمكان البعث
ووقوعه كان مستفيضا، ولا غرو فإنّ بعث الإنسان حيا بعد موته وانحلال جسمه،
ومحاسبته على ما قدّم في حياته أمر مستغرب في العقل لفقدان نظائره في الحياة
الدنيا تسهّل على العقل قبول إمكانه، وهو ما جعل المخاطبين بالقرآن الكريم على عهد
نزوله من أهل الجاهلية ينكرونه أشدّ الإنكار، فكثيرا ما قالوا وهم يُدعون إلى
الإيمان بالبعث في موقف الإنكار: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا
لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾
[الإسراء: 49].
ومن أسباب الاهتمام القرآني الاهتمام البالغ بعقيدة
اليوم الآخر ما لهذه العقيدة من دور كبير في ترشيد سلوك المؤمنين بها، فإذا كانت
المعتقدات الأخرى من ثمار الإيمان بها ترشيد سلوك الإنسان إلى ما فيه الخير وفق
أوامر الشرع ونواهيه فإنّ عقيدة اليوم الآخر هي أقوى العقائد في
ترشيد الأفعال؛ ذلك لأنّه ليس أرجى لفعل الخير من الوعد بالنعيم المقيم، وليس أردع
لفعل الشرّ من الوعيد بالعذاب الشديد، وجوهر الإيمان باليوم الآخر ما يتضمّنه هذا
الإيمان من أيلولة الإنسان في هذا اليوم إلى مصير من الجزاء ثوابا وعقابا. وإذا
كان المؤمن الحقّ يرشّد سلوكه بتعاليم الشرع بمجرّد الإيمان الخالص بالله تعالى
إلا أنّ تلك درجة لا يصلها إلا الصفوة دون عامّة الناس، أمّا عامّة الناس فإنّ
السلطان الأكبر على نفوسهم في إتيان الأوامر والانتهاء عن النواهي هو الوعد
بالنعيم والوعيد بالجحيم.
وإذا
كان أهل الجاهلية عارض أكثرهم عقيدة البعث بمقولة:
"إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ
وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ"
(المؤمنون/ 37)، وهم المؤمنون بالله غير أنهم يشركون به
آلهة أخرى، فإنّ أهل هذا الزمان استفحلت فيهم المادّية فأصبح أكثرهم لا يؤمنون إلا
بما يشهد به الحسّ، وينكرون كلّ ما هو غائب عنه، فأصبح عندهم بعث الإنسان حيّا
ومحاسبته على أفعاله ضربا من الأسطورة الخيالية، إذ ليس له مصداق في التجربة
المشهودة، ولا يؤيّدها العلم التجريبي الذي أصبح سيّد العلوم؛ ولذلك فإنّ الخطاب
القرآني بعقيدة البعث والحساب يضلّ على مرّ الزمان وعلى الأخصّ في زمننا هذا يلقى
من الإنكار ما لا تلقاه سائر المعتقدات الأخرى.
وبالإضافة
إلى غرابة عقيدة البعث على ما استفحل من منطق التجربة الحسّية فإنّ ثقافة
الاستهلاك الضاربة في عالم اليوم، وانفلات الشهوات كلّها لتلبية الشراهة
الاستهلاكية نسجت كلّها رانًا سميكا على القلوب أصبح صادّا منيعا دون كلّ ما عسى
أن ينال من ثقافة الاستهلاك، أو يكفكف غلواء الشهوات، وفي مقدّمة ذلك إيمان بيوم
آخر يثاب فيه على ترك بعض الشهوات ويعاقب قيه على إتيانها، وهو ما صوّره الإمام
محمد عبده أحسن تصوير في قوله عمّن استفحلت فيه هذه الثقافة :"فَإِذا عرض
عَلَيْهِم شيء من الْكَلَام في النبوات والأديان وهمّ من أنفسهم هامّ بالإصغاء
دافعوه بِمَا أُوتُوا من الِاخْتِيَار فى النّظر وَانْصَرفُوا عَنهُ وَجعلُوا
أَصَابِعهم فى آذانهم حذر أَن يخالط الدَّلِيل أذهانهم فيلزمهم العقيدة وتتبعها
الشَّرِيعَة فيحرموا لَذَّة مَا ذاقوا وَمَا يحبوّنَ أَن يتذوقوا وَهُوَ مرض في
الْأَنْفس والقلوب يستشفى مِنْهُ بِالْعلمِ إِن شَاءَ الله"()، وليس أكثر حرمانا
من مقارفة الشهوات بغير حدّ من عقيدة البعث بما تتضمّنه من حساب.
غير
أنّه من جهة أخرى قد توفّر اليوم من حقائق العلم المادّي، ومن كشوفات السنن
الكونية ما لم يكن معلوما في سابق العصور، وهو ما يمكن أن يكون عونا مهمّا على
اشتقاق أدلّة قويّة على إمكان البعث والحساب، وقد كان إنكاره قديما وحديثا قائما
على نفي هذا الإمكان لانتفاء مشاهدته بالتجربة المحسوسة، وذلك ما يمكن أن يكون
سندا قويا في عرض عقيدة البعث على الناس ليؤمن من لم يكن مؤمنا بها، وليترسّخ
إيمان من كان يؤمن بها على حرف، وإذ قد أصبح اليوم للدليل القائم
على حقائق العلم الكوني رواج كبير في الإقناع فإنّ هذه الحقائق ينبغي أن تستثمر في
الدعوة إلى عقيدة اليوم الآخر، وذلك لإثبات الإمكان العقلي لهذه العقيدة في في
عنصري البعث والحساب خاصّة، وهو ما كان معقد الإنكار في القديم والحديث، وإذا ما
وقع الاقتناع بالإمكان تبعه الاقتناع بسائر المفردات الأخرى من مقامات اليوم
الآخر.
وإذ
قد شاعت اليوم أيضا ثقافة المنفعة حتى أصبحت هي الثقافة التي تتشكّل عليها العقول،
وأصبح ما يتحقّق من منفعة لأيّ فكرة هو المقياس الفاصل بين صحّتها وبطلانها، وإذ
كان هذا المنهج المعرفي هو منهجا قرآنيا إذ كثيرا ما يتبع القرآن الكريم عرضه
للمعتقدات بيان لمنفعتها في الحياة الدنيا قبل الآخرة في مقام الاستدلال على
حقّانيتها بالمنافع الحاصلة منها على غرار قوله تعالى:" الَّذِينَ
آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ
تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" (الرعد/28)، فإنّ الاستدلال على حقّانية عقيدة اليوم
الآخر بالمنهج النفعي كما درج عليه القرآن الكريم أصبح ملائما أشدّ الملاءمة
للخطاب العقدي بعقيدة اليوم الآخر، وهو ما ينبغي استثماره في عرض هذه العقيدة.
وقد
درجنا منذ زمن على الالتزام في عرض الإيمان بالعقيدة الإسلامية بالاستدلال عليها
بالأدلّة العلمية الكونية، والأدلّة النفعية العملية كما بدا ذلك في كتابنا:
الإيمان بالله وأثره في الحياة، وكتابنا الإيمان بالنبوّة وأثره في الحياة، وها
نحن اليوم نقدّم كتاب: الإيمان باليوم الآخر وأثره في الحياة بمنهجية الاستدلال
على هذه العقيدة بأدلّة من الحقائق العلمية، وأدلّة من الحقائق النفعية فيما يمكن
الاستدلال عليه بهذه الأدلّة إذ هي أكثر العقائد قياما في مفرداتها على خبر الوحي
الذي لا دخل للعقل فيه غير أنّ الركن الأكبر في هذه العقيدة وهو البعث بعد الموت
والحساب على الأفعال يمكن الاستدلال فيه على الإمكان بأدلّة العقل القائمة على حقائق
العلوم الكونية وعلى الحقائق النفعية، وهو ما درجنا عليه في هذا البحث.
والله
ولي التوفيق.
- رسالة
التوحيد، دار الكتاب العربي، مصر، د.ت.