رسالة العلماء
كتبه: موفَّق شيخ إبراهيم
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
صفة العلماء الربانييِّن،
أنَّهم قناديل النور، وقادة الأنام، وملح الأرض، والمنار الذي يرجع إليه الباغي،
والنجوم التي لا يضلُّ معها الساري.
ولعل السرَّ في هذا المآل
الحسن، والمقام السامي، يكمن في عقد مبايعة تمَّ بين طلبة العلم، وبين الله عزَّ
وجلَّ، والتجارة الرفيعة، مع الله شرف كبير. قال سفيان بن عيينة: "من طلب العلمَ،
فقد بايعَ اللهَ عز وجل".
قال صديق حسن خان، (المتوفى:
1307هـ)، بين يدي تنويره قوله تعالى: {وَلَقَدْ
آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا} [النمل: 15]: "وفي
الآية دليل على شرف العلم، وارتفاع محله، وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من
أجلِّ النعم التي ينعم الله بها على عباده، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلاً على كثير
من العباد؛ ومنح شرفاً جليلاً، وما سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورثة
الأنبياء إلا لمداناتهم لهم في الشرف والمنزلة، لأنهم القوام بما بعثوا من أجله؛
وفيها أنه يلزمهم لهذه النعمة الفاضلة، أن يحمدوا الله على ما أوتوه، وأن يعتقد
العالم أنه إن فضِّل على كثير، فقد فضل عليه مثلهم".
وبما أن الله تبارك في
علاه، قد حبا أهل العلم بهذا الشرف، فإن معلمنا الأول سيدنا محمَّد عليه الصلاة
والسلام يقول في الحديث، فيما رواه عنه"يَزِيدَ بْنِ مَرْثَدٍ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كُلُّ رَجُلٍ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ عَلَى ثَغْرَةٍ مِنْ ثُغَرِ الْإِسْلَامِ، اللَّهَ اللَّهَ لَا
يُؤْتَى الْإِسْلَامُ مِنْ قِبَلِكَ", .... وعن أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ،
سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ، يَقُولُ: كَانَ يُقَالُ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ إِلَّا
وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى ثَغْرَةٍ مِنْ ثُغَرِ الْإِسْلَامِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ
أَلَّا يُؤْتَى الْإِسْلَامُ مِنْ ثَغْرَتِهِ فَلْيَفْعَلْ". وفيه تشبيه الدين بالسور
الواحد، وله ثغور وكل ثغرة يحرسها مسلم مكلَّف، فالعالم على ثغرة، وعليه أن يحسن
حراستها.
ومن هنا فإن واجب اليوم،
يفرض علينا إحياء دور العلماء الربانيين في الأمة، لبعث روحها ووعيها، ومنحها
مكانتها بين الأمم من جديد، مكانة الريادة والقيادة والشهادة. وإنها لمهمة ليست
باليسيرة، تحتاج إلى رجال عظماء مخلصين متجردين، يهَبُون لرسالتهم أنفس أوقاتهم
وأثمن أموالهم وجلَّ اهتماماتهم، رجال يعيدون سيرة السلف الصالح من جديد، يرى
الناس فيهم أخلاق العلماء الربانيين صلاحاً في التصور، وسداداً في السلوك،
وتعالياً على الدنيا، ومزيداً من التضحية والبذل والعطاء. لا يرجون من أحدٍ جزاءً
ولا شكوراً. إن أول المطلوبين لهذا الدور الجليل، ولتلك المهمة السامية، هم حملة
العلم الشرعي الذين عرفوا مقاصد الشريعة، وروحها وأصولها، وقواعدها وضوابطها
وموازينها. وفقهوا عن الله مراده، ولن يعفى طلاب العلم الشرعي من القيام بهذا
الدور. وبما أن الله تباركت أسماؤه، قد اختارهم لحمل هذه الرسالة، فلا خيار لهم في
ارتياد الطريق الشاقِّ اللاحب الطويل، وتحمُّل مشاقه ومفازاته، وإنه لشرف كبير
لهم، أن يكونوا في هذا المقام الرفيع. فلا بدَّ من العلم والفهم، استعداداً لخلافة
الحقِّ ورياسة الخلق. وإذا رمنا صاحب علمٍ، يعتلي منبرا له رسالته، وذو تأثير في
قلوب الناس، فإننا ننشده في ذاك الذي تحسُّه كالجدول الساكن، ينساب منه الماء
انسياباً سلساً، يخاطب أحاسيس سامعيه فيلهبها، ويخترق بشاشة قلوبهم فيأوي إليها
إيمانها، ويملأ عقول أصحابها حكمة ونوراً.
يحمل العلماء الربانيون
أمانة ومسؤولية عظيمة، لا يُسأل عنها كثير من الناس، {قُلْ
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا
يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9]. وما تركه أمثال معاذ بن
جبل (ت: 18هـ)، وزيد بن
ثابت (ت: 45ه)، والحسن البصري (ت:110ه)، وسعيد بن المسيب (ت: 94ه)، والثوري (ت:
161ه)، والأئمة الأربعة، وفقهاء كبار من بعدهم، سارت أسماؤهم مسيرة الشمس، وثلَّة
كريمة من المعاصرين، تضيق الصفحات عن ذكر أسمائهم، فضلاً عن كتابة ترجمتهم؟! يبقى
محفوراً في ذاكرتنا، نكتب عنهم، لعل الهمم تعلو بسيرتهم.
قال الإمام النووي (ت:
676هـ)، في معرض شرحه لحديث مسلم: "ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق،
لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك": "وأمَّا هذه الطائفة
فقال البخاريُّ: هم أهل العلم، وقال أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث، فلا
أدري من هم! قال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذهب
أهل الحديث. قلت: ويحتمل أن هذه الطائفة مفرَّقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان
مقاتلون، ومنهم فقهاء ومنهم محدِّثون ومنهم زهَّاد وآمرون بالمعروف وناهون عن
المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير. ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون
متفرقين في أقطار الأرض. وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة، فإنَّ هذا الوصف ما زال بحمد
الله تعالى، من زمن النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى الآن، ولا يزال حتى يأتي أمر
الله المذكور في الحديث".
وإذا نظرنا إلى دائرة
الأمة بمجموعها، فإن الصحابي الجليل علي بن أبي طالب، (ت: 40هـ)، رضي الله عنه، وبنظره الثاقب، يرى أن الناس على
مذاهب شتى، ووفق رؤيته فهم في المجمل ثلاث، وذلك في قوله: "الناس ثلاثة: عالم
رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رَعَاعٌ أتباع كُل ناعق! يميلون مع كل ريح! لم
يستضيؤوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق". "قوله: الناس ثلاثة:
فعالمٌ ربَّاني، ومتعلِّمٌ على سبيل النجاة، وهَمَجٌ رعاع"؛ هذا تقسيمٌ
خاصٌّ للناس، وهو الواقع. فإنَّ العبدَ
إمَّا أن يكون قد حَصَّل كمالَه من العلم والعمل أَوْ لا؛ فالأول: العالمُ
الرَّبَّانِي، والثاني: إمَّا أن تكون نفسُه، متحرِّكةً في طلب ذلك الكمال، ساعيةً
في إدراكه، أَوْ لا. والثاني: هو المتعلِّمُ على سبيل النجاة، والثالث: هو
الهَمَجُ الرعاع. فالأول: هو الواصل،
والثاني: هو الطالب، والثالث: هو المحروم".
ومحور عمل العلماء،
المأمول والمعوَّل عليه، هو المساهمة في عملية التغيير والإصلاح. قالَ الإمام أبو
بكرٍ الآجريِّ، (ت: 360هـ)
رحمه اللَّهُ: "جعلنا الله وإياكم ممن تحيا بهم السنن، وتموت بهم البدع،
وتقوى بهم قلوب أهل الحق، وتنقمع بهم نفوس أهل الأهواء، بمنِّه وكرمِه".
"قال المولى سبحانه: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً
فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي
الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ
يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]، فجعلهم فرقتين أوجب على إحداهما الجهاد في
سبيله، وعلى الأخرى التفقه في دينه. لئلا ينقطع جميعهم إلى الجهاد، فتندرس الشريعة،
ولا يتوفروا على طلب العلم فيغلب الكفار على الملة، فحرس بيضة الإسلام بالمجاهدين،
وحفظ شريعة الإيمان بالمتعلمين، وأمر بالرجوع إليهم في النوازل ومسألتهم عن
الحوادث، فقال عز وجل: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا
تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]. وقال تعالى: {وَلَوْ
رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ
الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]. وقال سبحانه
وتعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]. وبين أن
العلماء هم الذين يخشون ربهم فقال: {إِنَّمَا
يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]. وجعلهم
خلفاء في أرضه، وحجته على عباده، واكتفى بهم عن بعثه نبياً وإرسال نذير، وقرن
شهادتهم بشهادته، وشهادة ملائكته، فقال: {شَهِدَ
اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ}
[آل عمران: 18]. وقال: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ
يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9]. ثم بيَّن رسول
الله صلى الله عليه وسلم بسنته، فرض العلم على أمته، وحثَّ على تعلم القرآن
وأحكامه والسنن وموجباتها، والنظر في الفقه، واستنباط الدلائل، واستخراج الأحكام".
قال الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ
وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ
قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25]. ورثة الأنبياء من العلماء، يدعون إلى
تحكيم الشريعة في حياة الناس، بالميزان، وهو هنا الحق والعدل. فإن احتاج إلى سيف
يحميه، يتدخل السنان، ولكل حملتُه وأهلُه. وأهل الميزان هم بمثابة البوصلة، التي
تضبط حركة السنان، التي أشارت إليها الآية في حديثها، عن معدن الحديد ومنافعه. وإن
لم يكن للمسلمين إمام معتبر يتوافق حاله مع صفات الحاكم المسلم، الواردة في النصوص
الشرعية، فالملاذ الآمن هو مرجعية علماء الأمَّة الثقات، من خلال اجتهادٍ جماعيٍّ
معتبرٍ ومعتدٍّ به.
"ولمَّا كان كلٌّ من
الجهاد بالسيف والحجَّة يسمَّى: "سبيل الله"، فَسَّرَ الصحابةُ رضي الله
عنهم قولَه تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]، بالأمراء
والعلماء؛ فإنهم المجاهدون في سبيل الله. هؤلاء بأيديهم، وهؤلاء بألسنتهم".
إن أهل العلم يعلمون
يقيناً، أن نصرة هذا الدين، هو جزء أصيل من نسيجهم الإيماني، ومهمتهم لها تميز
وثقل، كون الآخرين يسلطون عليهم الأضواء، ولا يسقيم الظل في حال، والعود أعوج.
وهذا يستلزم توجيه النية بين يدي طلب العلم. قال ابن قيم الجوزية (ت: 751هـ): "من
طلبَ العلمَ ليحيي به الإسلامَ، فهو من الصِّدِّيقين، ودرجتُه بعد درجة
النبوَّة".
ومن هنا ينبغي لطالب العلم، أن يحسن ظاهره وباطنه، وسرَّه وعلانيته، وأفعاله
وأقواله، ولقد أحسن من قال:
فالعيب في الجاهل المغمور مغمور
وعيب ذي الشرف المذكور مذكور
قــلامــة الظــفر تخــفى مــن حقــارتها
ومثــلــها فــي سواد العــين مشهـور
ولهذا المعنى قال الله
تعالى، لنبيه عليه الصلاة السلام: {إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ
وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} [الإسراء: 75]. أي لو فعلت ذلك لعذبناك مثل عذاب غيرك في
الدنيا مرتين، ومثل عذابه في الآخرة مرتين، وكذلك في قوله تبارك في علاه: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ
مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30]. وهذه عادة الله تعالى في خلقه، من
عظمت عليه نعمته اشتدت عليه نقمته. وبما أن مرتبة العلم لا تدانيها مرتبة أبداً،
والعلماء الربانيون، فقهوا شرفَ العلم، وعظمَتَهُ في نفوسهم؛ فقد عظّموه في واقع
حياتهم، وسخّروه من أجل الدار الآخرة. وإزاء ذلك "ما يحسن بحامل الشريعة، أن
ينطق بكلام يردُّه الشرع عليه؛ ولو نافق الدين لبطل أن يكون ديناً، ولو نافق
العالم الديني، لكان كل منافق أشرف منه؛ فلطخة في الثوب الأبيض ليست كلطخة في
الثوب الأسود، والمنافق رجل مغطَّى في حياته، ولكن عالم الدين رجل مشكوف في حياته
لا مغطى؛ فهو للهداية لا للتلبيس، وفيه معاني النور لا معاني الظلمة؛ وذاك يتصل
بالدين من ناحية العمل، فإذا نافق فقد كذب؛ والعالم يتصل بالدين من ناحية العمل
وناحية التبيين، فإذا نافق فقد كذب وغش وخان.
وما معنى العلماء بالشرع،
إلا أنهم امتداد لعمل النبوة في الناس دهرًا بعد دهر، ينطقون بكلمتها، ويقومون
بحجتها، ويأخذون من أخلاقها كما تأخذ المرآة النور، تحويه في نفسها وتلقيه على
غيرها، فهي أداةٌ لإظهاره وإظهار جماله معًا .... وعالم السوء يفكر في كتب الشريعة
وحدها؛ فيسهل عليه أن يتأول ويحتال ويغير ويبدل ويظهر ويخفي؛ ولكن العالم الحق،
يفكر مع كتب الشريعة، في صاحب الشريعة. فهو معه في كل حالة، يسأله ماذا تفعل وماذا
تقول؟".
وانزواء العلماء عن الدعوة
إلى الخير، إضاعة للقسم المهم من وظيفتهم، وقضاء على أعظم وسيلة لرقي الحالة
الاجتماعية. فما أجدر الرجال الذين شربوا من موارد الحكمة بالكأس الراوية، وحزبت
نفوسهم على العناية بحال الاجتماع، أن يخوضوا في أسباب سعادة الأمة، ويبحثوا في
السير الذي تظهر فيه، مظهر عزيز.
ومن المؤسف أننا نرى علماء
وصلوا الى درجة عالية في العلوم الشرعية، ولكنهم لم يتركوا أيَّ أثر في إصلاح
المجتمعات، او إنارة سبلها، أو مقارعة خصومها!.
"ما أَقلَّ ما قلنا
كلمةَ الحق في مواقف الرجال، وما أكثر ما قصَّرنا في ذلك، إن لم يكن خوفاً فضعفاً،
ونستغفر الله. وأَرى أَنْ قد آن الأوان لنقولها ما استطعنا؛ كفَّارةً عما سَلَف من
تقصير، وعما أَسْلَفْت من الذنوب، ليس لها إلَّا عفوُ الله ورحمته، والعمر يجري
بنا سريعاً، والحياة توشك أن تبلغ منتهاها.
وأَرى أنْ قد آنَ الأوانُ
لنقولها ما استطعنا، وبلادُنا، وبلاد الإسلام تنحدر في مجرى السَّيْل، إلى هُوَّة
لا قرار لها، هُوَّةِ الإلحاد والإباحية والانحلال، فإن لم نقف منهم موقف النذير،
وإن لم نأخذ بحُجَزِهم عن النار انحدرنا معهم، وأصابنا من عَقابيل ذلك ما يصيبهم،
وكان علينا من الإثم أضعاف ما حُمِّلوا. ذلك بأن الله أخذ علينا الميثاق {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ}
[آل عمران: 187].
وذلك بأن ضرب لنا المثل
بأَشقى الأُمم {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ
بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا
عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ
لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78، 79].
وذلك بأن الله وصفنا معشرَ
المسلمين بأننا خيرُ الأمم: {كُنْتُمْ خَيْرَ
أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ
الْمُنكَرِ} [آل عمران:110]. فإن فقدنا ما جعلنا الله به خير الأُمم،
كنَّا كمَثَل أشقاها، وليس من منزلة هناك بينهما. وذلك بأن الله يقول: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ
وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً}
[الأحزاب: 39]. وذلك بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "أَلاَ لا يمنعنَّ
أحدكم رهبة الناس أن يقول بحقٍّ، إذا رآه الناس أو شَهِدَه؛ فإنه لا يُقرِّب من
أَجَلٍ ذلك، ولا يُبَاعد من رِزْقٍ، أَنْ يقولَ بحقٍّ، أو يُذَكِّرَ
بِعَظِيمٍ".
ولا يخفى
تقاصرُ العمر عن نيل المقاصد
والنهايات، وعجزه عن تحصيل المطالب والغايات، ومع هذا وذاك، فأن أسنى المراتب من
الأمور العملية والعلمية، ما كان محصِّلاً للسعادة الأبدية، وكمالاً للنفس
الإنسانية. نسأل الله تباركت أسماؤه، أن يجعل من علمائنا دعاة استنارة ورسل حضارة،
في وقت ادلهمت فيه دياجير الفتن، وأشهِرِت فيه سيوف الإغراءات.
وآخر دعوانا أنِ الحمد لله
ربِّ العالمين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات
المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين.
فتح البيان في مقاصد القرآن، صديق حسن خان، (10/ 20)،
المَكتبة العصريَّة، صيدا، بيروت،1412هـ/1992م.
صفة الصفوة، أبو الفرج بن الجوزي، (1/ 123)، تحقيق: أحمد
بن علي، دار الحديث، القاهرة، 1421هـ/2000م.
مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، ابن قيم
الجوزية، (1/ 125)، مرجع سابق.
الشريعة، أبو بكر الآجُرِّيُّ، (١ / ٢٧٠)، تحقيق: عبد
الله الدميجي، ط2، دار الوطن، الرياض، 1420هـ/ 1999م.
الفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادي، (1/ 69)، تحقيق: عادل بن يوسف الغرازي، ط2، دار ابن الجوزي،
السعودية، 1421ه.
مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، ابن قيم
الجوزية، (1/ 192)، مرجع سابق.
وحي القلم، مصطفى صادق الرافعي، (3/ 44)، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1421هـ
-2000م.