غزة وشَغْلُ الأحياز؛ مِن التّموضع
المكاني إلى التموقع الحضاري
"تأملات فلسفية في جدلية الإنسان والمكان والمعنى"
بقلم: رانية نصر
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
في البدء كان المكان، ثم جاء الإنسان لِيُحوّل هذا
المكان إلى فضاء مُفعم بالمعنى والقيمة. لم يكن المكان في ذاته كافياً لصناعة
حضارة؛ فكم من أرضٍ فسيحة، غنيّة بالموارد والخيرات بقيت ساكنةً تقع في هامش
التاريخ؟ وكم من جغرافيا لم تُسَجَّل باسمها حضارة، ولم يخرج من ترابها فكرٌ ولا
قيمٌ ولا رسالة؟ في المقابل؛ كم من أمم صغيرة الرّقعة، محدودة الموارد، لكنها
امتلكت فكرةً قاومت بها ولأجلها، فصارت فاعلاً في مسار البشرية، تُعيد تشكيل
موازين التاريخ!
من هنا تتفجّر الأسئلة؛ هل الحضارة هي ثمرة التّموضع
المكاني فحسب، أم أنّ شَغل الحيّز الحضاري يتطلب ما هو أبعد من الأرض والتراب
والحدود الجغرافية؟ هل يكفي أن نُوجَد على الخارطة لِيُخلّد التاريخ أسماءنا، أم
أنّ الحضور الحضاري يستلزم تموضعاً معنوياً وتموقعاً رسالياً يجعل للمكان قيمة وللجغرافيا
حضوراً!
من نافلة القول أن المكان هو شرط الوجود الأول؛ فالله -عز
وجل- جعل الأرض مهد الاستخلاف، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي
جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ فاطر: 39،
فالمكان يوفّر الأرض والحيّز المادي الذي تُبنى عليه المدن وتنشأ فيه المجتمعات
الإنسانية، وتُستثمر عبره الطاقات البشرية، لكّن التاريخ يُخبرنا أن المكان مهما -اتّسع
واغتنى- لا يكفي لإنتاج حضارة، من دون إنسان يحوّل الفكرة وهي "الحيّز
المعنوي" إلى حضارة صالحة للريادة والتّفوق، بل هو مؤهل لقيادة العالم، فهذا
المكان لا يكتسب المعنى إلا بالإنسان ابتداءً الذي يحمل في عقله ووجدانه ما يؤهّله
لهذا التّصدر.
وإذا كان المكان هو شرط الوجود الأول، فالإنسان هو
المُقوّم الثاني للحضارة؛ إلا أنه الأهم بما استحق من أهلية الخلافة، وحمل الفكرة؛
-مناط التشريف والتكليف- وبذرة المشروع الحضاري؛ قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ
خَلِيفَةً﴾ البقرة:30، فهذا الإنسان الذي سيملأ المكان، ليس امتلاءً مادياً فحسب؛
إنما فكراً وقيماً، هو الوعاء الحامل للمعنى؛ المُقوم الثالث من مقومات الحضارة،
قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا
الإِنسَانُ﴾
الأحزاب: 72، فالأمانة هذه هي عين المعنى وذات الفكرة.
هذه
الثلاثية تختلّ بنقصان أحدها، فلا معنى للمكان بدون إنسان يحمل المعنى، ولا معنى
لإنسان يحمل معنىً دون مكان يجذر فيه فكرته وينطلق بها إلى الآفاق، ولا معنى لمكان
وإنسان دون فكرة ورسالة، تشق الآفاق فتصنع الحضارة.
وباجتماع
هذه المقومات الثلاثة تتبلور فلسفة الحيز الحضاري، إنها جدليّة الإنسان والمكان
والمعنى؛ حيث لا يكتمل وجود بلا رسالة، ولا تُخلّد أرضٌ بغير إنسان حاملٍ للمعنى،
ولا يولد تاريخٌ بغير مثلثٍ متماسك يربط المكان بالإنسان بالمعنى.
من
هنا نفهم مغزى الهجرة النبوية؛ إذا لم يكن ضيق مكة نقصاً في الفكرة ولا ضعفاً في
الشخص، بل افتقاراً إلى الحيّز الحاضن، وحين وجد صلى الله عليه وسلم في المدينة
موطناً يتّسع لاحتضان الفكرة وحمايتها من مخاطر الوأد والاستئصال، تحوّل التموضع
المكاني إلى تموقع حضاري، وانطلقت الرسالة من فضاء محدود ضاق ذرعاً بالفكرة إلى آفاق
اتّسعت لها، فانتشرت الدعوة وبلغت مشارق الأرض ومغاربتها وملأت الدنيا عدلاً ونوراً
وإيماناً، وساد هذا الدين العالم.
ويخبرنا
القرآن الكريم عن تجاربٍ تُجلِّي مفهوم فلسفة الحيز الحضاري عبر قصص الأنبياء
والأمم السابقة؛ فيذكر قصة سيدنا آدم -على سبيل المثال- عندما عصى ربه وأخلّ
باستيفاء التكليف بأكله من الشجرة، فكانت النتيجة أنه سُلِب نعمة الحيّز المكاني المثالي؛ حيث النعيم الدائم،
منتقلاً إلى الأرض في مواجهة جديدة مثقلة بالأعباء والتحديات
والمشاق. فالمكان ليس مجرد فضاء فارغ، بل هو مسؤولية وامتياز في آنٍ واحد، ومن تخلف عن أداء
حقه فيه؛ سُحب منه هذا الامتياز، وأُعطِيَ لمن هو أجدر بملء هذا الحيز بالمعنى، كما
تحذرنا الآية: ﴿وَإِن
تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا۟
أَمْثَالَكُمْ﴾ محمد: 38.
إن
العقاب الإلهي لا تقتصر على النقل من مكان إلى آخر؛ بل قد يمتد ليأخذ أشكالاً شتى التشتيت والتيه والحرمان من استحقاق الحينّز،
كما حدث مع بني إسرائيل حين رفضوا أمر الله بدخول الأرض المقدسة لإعمارها بالمعنى
والقيم، فعُوقبوا بالتّيه
أربعين سنة، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَـٰمُوسَىٰٓ
إِنَّ فِيهَا قَوْمًۭا جَبَّارِينَ ۖ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ
يَخۡرُجُوا۟ مِنۡهَا ۖ فَإِن يَخۡرُجُوا۟ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ* قَالَ
رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمَا ٱدۡخُلُوا۟
عَلَيۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَـٰلِبُونَ ۚ وَعَلَى
ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ* قَالُوا يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّا
لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدًۭا مَّا دَامُوا۟ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ
فَقَـٰتِلَآ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ ﴾ المائدة: 22-24، هنا نرى
أن رفضهم للحيز المكاني كان في جوهره رفضاً لتحمل التكليف الرسالي، ففقدوا المكان
وضاع منهم المعنى معاً.
وكذلك
نرى اليوم أمماً استقرّ أهلها في أوطانهم، يتفيّأون ظلال الأبراج، ويغرقون في
مظاهر الحداثة الزّائفة، لكن الفكرة غائبة تُصادرها قبضة الاستبداد والطغيان، ففرغ
المكان من المعنى الذي به تُصنع الحضارات الحقيقية لا الزائفة العامرة بالحجارة
والبهرجة الشكلية فقط، فالعمران وحده لا يصنع حضارةً، والحداثة في الأبنية لا تبني
أمة، إنما الحضارة فعلُ إنسانٍ يملأ المكان بالرسالة والمعنى والقيم.
وعلى
الضفة الأخرى؛ نرى قوماً ضاقت بهم الأرض وحوصروا في رُقعةٍ صغيرة، لكنهم حملوا
الفكرةَ وروَوها بدمائهم وجذّروها في ترابهم، فانبثق مثلث الإنسان والمكان والمعنى
في أبهى صوره؛ وتجلّى ذلك في غزة؛ حيث يُضاء الحيز الصغير بحضور حضاري يتجاوز
الحدود، ويُبقي المعنى نابضاً في قلب التاريخ، تكاد غزة؛ هذه البُقعة الصغيرة على
الخارطة، من الأماكن القليلة جداً على وجه الأرض التي ما زالت تُحافظ على توازن
المعادلة الحضارية بين المكان والإنسان والرسالة.
غير
أن هذا الحضور المُضيء والقوي هو بالذات ما يجعل غزة هدفاً دائماً لمحاولات قتل
الفكرة والمعنى، فالاحتلال لم يترصّد قتل الإنسان وحده في غزة، ولا هدم الأبنية
والحجارة فحسب، بل كان منذ البدء يسعى لاجتثاث المعنى الذي يمنح المكان قيمته
والإنسان مكانته، في محاولة لتجريف الحيز من المعنى.
لقد
أدرك الغزاة أن الخطر الحقيقي في غزة ليس في مساحتها ولا مواردها، بل في فكرتها؛ وفي
الإنسان الذي يحمل هذه الفكرة عقيدة في عقله وإيماناً في قلبه وسلوكاً في جوارحه،
ولذلك استهدفت آلة القتل المدارس والجامعات والمستشفيات والمساجد وكل المؤسسات
التي اشتغلت على بناء الإنسان وصناعته صناعة حضارية، لا باعتبارها مجرد أبنية، بل
باعتبارها حواضن للمعنى، لا باعتبارها تشغل حيزاً مكانياً مجرّداً؛ بل باعتبارها
الأرحام التي تتشكّل فيها أجنة الفكرة
الحضارية، أرادوا أن يُميتوا المعنى والفكرة في الإنسان قبل جسده، وأن يحوّلوا غزة
من رمزٍ مُلهم ونموذج سامٍ إلى صورة قاتمة، ومن صرخةٍ تُدوّي إلى صمتٍ يذوي، خشية
أن تكون غزة الشرارة التي تصنع هذه الحضارة القيمية.
وهكذا
تظلّ غزة؛ برهاناً فلسفياً على أنّ الحيّز الحضاري ليس مشروطاً باتساع الجغرافيا
ولا بغنى الموارد، بل بقدرة الإنسان على أن يملأ المكان بالرسالة والمعنى، فحيثما
تلتقي هذه الثلاثية ينهض التاريخ، وحيثما يُقتل المعنى تُمحى الحضارات مهما عظمت
عمراناً واتسعت مكاناً.
إنّ
فلسفة الحيّز الحضاري تكشف لنا أن الجغرافيا وحدها لا تصنع التاريخ، وأن اتساع
المكان أو ضيقه ليس هو ما يمنح الأمم شرعية البقاء أو أهلية القيادة، بل إن
المعادلة الكبرى تقوم على مثلث متماسك؛ إنسان يحمل الرسالة، ومكان يجذرها، ومعنى
يُشعل جذوتها، فالحضارة فعل رسالي وقيمي لا مجرد حجارة متراكمة.
وفي
ضوء هذه الجدلية؛ تبدو غزة نموذجاً ناطقاً بأن الدماء والأشلاء ليست نهاية
الحكاية، بل مطلع فصل جديد في مسيرة الإنسان وهو يشغل أحياز الوجود بالرسالة
والكرامة والحضارة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي
كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
* رانية نصر: عضو الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين. كاتبة وباحثة فلسطينية.